الجمعة، 29 مايو، 2009

المريدية والسياسة ... نظرة مستقبلية

إن علاقة الطريقة المريدية بالسياسية تعتبر من القضايا التي حظيت بقدر لا بأس به من الدراسة والتحليل من المنظور التاريخي، ولكن مسألة العمل السياسي في إطار مشروع إستراتيجي خاص، لم تطرح كثيرا من قبل المريدين أنفسهم، وإن وُجد لدى بعضهم شعور بضرورة التحرك في هذا المجال. ومن هنا ينبغي طرح الخيارت المحتملة أمام المريدية في ظل الحياة السياسية الراهنة و التطورات الحالية.

ففي واقع الأمر، لم تكن المريدية، منذ ولادتها، بمعزل عن الحياة السياسية في السنغال؛ بل ما زال ولم يزل حضورها قويا في المسرح السياسي. بيد أنه لم توجد، بشكل جلي، مؤشرات تدل على وجود محاولات، أو نية مبية، لدى زعماء الطريقة، لتوصيل أبنائها إلى سدة الحكم أو لمزاولة السلطة بأنفسهم بصفة مباشرة؛ وإنما كانت لهم مواقف سياسية تمليها عليهم الظروف أوالأوضاع.

و قد اختلفت آراء المحللين في تقييم تلك المواقف؛ فمنهم من يرى لها مبررات مقبولة باعتبارها «مواقف تمليها المصالح الاستيراتيجية للسنغال وللمريدية »(الباحث شعيب كيبي، المريدية والسياسة، ٢٠٠٩)، ومنهم من يرى أن الساسة، في الحقيقة، هم الذين نجحوا أحيانا في استغلال نفوذ "الشيوخ" لخدمة مطامحهم السياسية دون أن يكون لهؤلاء تأثير حقيقي في القرار الساسي أو في توجهات الأنظمة الحاكمة. ومن المراقبين الأجانب من يعلل علاقة الشيوخ بالسلطة بالنفعية الآنية المتبادلة بين الطرفين، وخاصة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي (المريدون بين الطوباوية والرأسمالية، سوفي بافا و دانيال بليتراخ، لو موند دبلوملتيك، نوفمبر ١٩٩٥)

وفي السنوات الأخيرة، وبناء على التطورات الديمقراطية والتغيرات الطارئة في الحقل السياسي، لوحظت وجوه بارزة تنتسب للمريدية تتقلد مناصب عليا في الدولة ( رئاسة الدولة، رئاسة مجلس الشعب ومجلس الشيوخ، الوزارات ...)، كما بدأ المريدون العاملون في بعض الإدارات الحكومية يتحررون شيئا فشيئا من ربقة الخوف من إظهار هويتهم المريدية على الملأ.

ولكن وصول بعض أبناء الطريقة إلى مناصب عليا في الدولة، سواء كان بجهودهم السياسية الفردية، أو بمساعدة من زعمائها – وإن ساهمت في كسر بعض الحواجر المعنوية - لم يفد الطريقة إفادة كبيرة، في رأينا، لا من الناحية المادية، من حيث توفير أو تعزيز مؤسسات تربوية وثقافية واقتصاية واجتماعية، تجر النفع لأبناء الوطن بشكل عام وللمريدين بشكل خاص، وتسهم في إصلاح المجتمع، ولا من الناحية المعنوية، من حيث تجسيد قيم المريدية وتعاليمها عبر أعمالهم الإدارية وممارساتهم اليومية. وقد يتولد من ذلك إحساس لدى بعض المريدين بعدم جدوى تأييدهم لأشخاص يدعون التعلق بالشيخ الخديم دون أي التزام بتعاليمه، في سلوكهم ومعاملاتهم.

ومن ناحية أخرى، ظهر في موقف الخلافة المريدية، خلال العقدين الأخيرين، نوع من الحياد تجاه القوى السياسية المتنافسة التي كانت تسعى لخطب وُدها في المواسم الانتخابية، الأمر الذي أعطى انطباعا لعديد من الأتباع بأن لهم استقلالا كاملا في خياراتهم السياسية، في الوقت الذي ازدادت قناعاتهم بقوة تأثير أصواتهم الانتخابية؛ وأصبح الصوت الانتخابي سلاحا يُشهر أمام السلطات المنتخبة في حالة فشلها في إيجاد حلول مرضية للمشكلات الاقتصادية المعضلة.

وفي ظل هذه الظروف التي تبشر بمزيد من الانفتاح في المناخ السياسي، وتنذر في الوقت نفسه بمزيد من التأزم في الأوضاع الاقتصادية، وتشهد تفجر المعلومات بفضل التكنولوجيات الجديدة ووسائل الإعلام المختلفة، أصبح من اللازم، في نظرى، مراجعة علاقة المريدية بالسياسية ومحاولة تحديدها بشكل إجرائي.

وهنا تأتي عدة تساؤلات: هل تتبنى الطريقة موقف الحياد وعدم التدخل في الشؤون السياسية مع إطلاق سراح أتباعها للتحرك داخل الأحزاب السياسية المختلفة، حسبما تمليه عليهم مصالحهم وقناعاتهم الشخصية؟ أم تتدخل في الشؤون السياسية لتأييد الأطراف التي ترى في تأييدها مصلحة لأبنائها وللوطن فتساعدها بنفوذها وقوتها، على الوصول إلى السلطة أوالبقاء عليها؟ أم تسعى إلى المشاركة الفعلية في العمل السياسي بغرض توصيل أبنائها إلى مراكز اتخاذ القرار؟ أم ...أم ؟

ومهما اختلفت وجهات النظر حول هذه المواقف فإني أرى من الضروريات الملحة، في ظل هذا المناخ السياسي، أن يعمل المهتمون بالسياسة وبمستقبل البلد من المريدين على بلورة وصياغة رؤية سياسية استراتجية متميزة، واضحة المعالم والأهداف، مبنية علي أصول المريدية وتعاليمها، وذلك لعدة أسباب منها:

أولا: أن المريدية، بما فيها من تعاليم ومبادئ وقيم، يمكن أن تكون مرجعية لتحديد سياسات تربوية واقتصادية واجتماعية وبيئية تلبي مطالب المواطنين على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم، وتشكل أساسا لتنمية البلاد تنمية شاملة.

ثانيا: أن المريدية تزخر في المجالات المختلفة بالكفاءات اللازمة القادرة على بلورة رؤية استراتجية أصيلة تمثل إطارا جيدا لتوحيد وتنسيق جهودها، وتضع في اعتبارها التحديات التربوية والاقتصادية والاجتماعية... التي تواجه المريدين بشكل خاص والمواطنين بشكل عام.

ثاليا: أن غياب رؤية استراتجية واضحة المعالم للمريدية تجاه الشأن السياسي قد يفسح المجال لاستغلال عواطف ومشاعر جمهور غفير من المريدين لتحقيق مكاسب سياسية شخصية باسم الطريقة على حساب المصلحة العامة، وفي ذلك خطورة كبيرة تتمثل في تحميل المريدية فشل أشخاص يحسبون عليها ولا يجسدون تعاليمها.

رابعا: أنه سيكون من الصعب توعية العامة في المريدية بهدف تعبئتها وتوحيد كلمتها سياسيا في المستقبل، إذا لم تتضح المبادئ أوالرسالة التي يجب أن تتحرك من أجلها أو تدافع عنها والتي تمثل معايير لاختيار من يمثلونهم؛ الأمر الذي قد يحول هؤلاء العامة إلي لعبة تتلاعب بها الأطراف المتنافسة على السلطة، أو إلى سلعة في أيدي ذوى النفوذ الطامعين.

هذه بعض من الأسباب التي تجعل عملية إعادة النظر في العلاقة بين المريدية والسياسة ضرورة ملحة، وخاصة في هذا الوقت الذي ينكب فيه المفكرون والساسة والمجتمع المدني على وضع تصورات مستقبلية حول مصير البلد في مختلف مجالات الحياة.
ولا أعتقد أن للمريدية، أو لغيرها من القوى الدينية، محلا في اعتبارات هؤلاء وتصوراتهم، إن لم يكن محاولة لإقصائها عن المسرح السياسي وعن دوائر اتخاذ القرار، بدليل تشبثهم بعلمانية الدولة واستماتتهم في حمايتها وتأكيدها وتخليدها.

فالظروف إذن حاسمة ومصيرية، وليست وقتا لأحلام اليقظة أو للتلاعب بالعواطف والخيالات أو للجري وراء المصالح الشخصية الآنية، وإنما للتفكير الجاد وللسعي الحثيث نحو إيجاد وبلورة استراتجية بناءة واضحة في مختلف المجالات ولا سيما في المجال السياسي الذي – شئنا أم أبينا - يتحكم في جميع المجالات الأخرى ويحدد مصيرها أو يؤثرفيه بشكل واسع.

بقلم / سام بوسو عبد الرحمن
تياس مايو ٢٠٠٩
تعليق للأخ المفتش هارون انيانغ

الشيخ عبد الأحد... خليفة القادة!

إن شيخنا عبد الأحد امباكي (١٩١٤م-١٩٨٩م) الخليفة الثالث للشيخ أحمد بمب  رضي الله عنهما  كان يتميز بصفته قائدا مُحنَّكا جريئا بعيدَ الرؤية...