الخميس، 15 يناير 2026

وقفة تحليلية مع نص الشيخ محمد الفاضل حول علاقته بالرئيس الأسبق المسيحي لووبول سينغور

بقلم الدكتور  سام بوسو عبد الرحمن والدكتور  عبد الأحد امباكي عبد الباقي 

عثرتُ على نص مهم بخط والدي الشيخ عبد الرحمن بوسو  يتناول فيه الشيخ محمد الفاضل الخليفة الثاني للمريدية علاقتَه بالرئيس الأول للسنغال بعد الاستقلال، لووبول سيدار سينغور، فوجدته نصا ذا قيمة تاريخية وعلمية لأنه يتعلق بقضية ذات صبغة دينية وسياسية معا،  فهو يُظهر على وَجازته رؤيةَ الشيخ البعيدة ووعيَه العميق برهانات عصره، ومقتضيات دينه، باعتباره شخصية دينية ومرشدا روحيا يلتف حوله ملايين من المريدين، في طل دولة وطنية. وأردت أن أقف وقفة تحليلية مع هذا النص الأساسي المفعم بالدلالات والمعاني.

 

النص

ثِقَتِي بِمَنْ يَسْأَلُونَنِي عَمَّا هُوَ سَبَبُ مُخَالَطَتِي، أَوْ نَحْوَ مُصَاحَبَتِي مَعَهُ وَمُعَامَلَتِي، قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. فَهِمْتُ مِنْهُ أَنَّ الدِّينَ هُوَ الطَّرِيقُ، وَطَرِيقُ كُلِّ دِينٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كَيْفِيَّةِ السُّلُوكِ فِيهِ لِأَهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ؛ فَالسَّالِكُونَ صِنْفَانِ: دُنْيَوِيٌّ وَأُخْرَوِيٌّ، طَالِبُ الدُّنْيَا وَطَالِبُ الْآخِرَةِ. وَحِينَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، سَلَكَ كُلٌّ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ دِينَهُ، لِسَانُ حَالِهِ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.

طَالِبُ الدُّنْيَا بِالسِّيَاسَةِ، وَلَا بُدَّ لِلسَّائِسِ مِنْ إِعْدَادِ آلَاتٍ لَهَا، وَطَالِبُ الْآخِرَةِ هَمُّهُ التَّقَوِّي عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، طَاعَتِهِ، وَهَذَا الْمُشَارُ إِلَيْهِ، لَمَّا تَحَزَّمَ عَلَى طَلَبِهِ بِدِينِهِ أَتَانِي، وَحَلَفَ بِأَنِّي مَطْلَبِي، إِنْ وَجَدْتُهُ أَكُنْ مُعِينًا لَكُمْ فِي أُمُورِ دِينِكُمْ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» يَعْنِي بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِهِ، تَأَوَّلْتُ بَلْ تَحَقَّقْتُ أَنَّهُ هُوَ فِينَا. انْتَهَى.


 أولا: تحليل الدكتور  سام بوسو  عبد الرحمن

يُعدّ هذا النص وثيقة مهمة ذات دلالة عميقة في فهم علاقة الطرقة المريدية بالسلطة السياسية في السياق السنغالي، لا سيما في مرحلة ما بعد الاستقلال. إذ يسعى صاحبه، الشيخ محمد الفاضل، رضي الله تعالى عنه، من خلاله، إلى تقديم مبرر  شرعي وفكري لموقفه من تأييد شخصية سياسية غير مسلمة (وهو سينغور)، في ظل اعتراضات دينية محتملة من قبل من لا يقفون على بواطن الأمور. ويكشف النص عن رؤية أصيلة تجمع بين المرجعية النصية والواقعية السياسية.

 

ينطلق الشيخ محمد الفاضل من طرح إشكالي يتمحور حول مشروعية العلاقة بين العالم الديني، أو شيخ طريقة صوفية ورجل السياسة، خاصة عند اختلاف المرجعيات العقدية. ويعتمد في معالجته لهذا الإشكال على ثلاث ركائز أساسية: الاستدلال بالنصوص الشرعية، والتقسيم الصوفي للمقاصد الإنسانية، وفقه المصلحة والمآلات. ويُلاحظ أن النص لا يتخذ طابع الدفاع الانفعالي، بل ينهج أسلوب التبرير العقلاني المؤسس دينيًا.

يلاحظ أولا أن الشيخ قد وظَّف عددًا من الآيات القرآنية، أبرزها قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، مُقدِّمًا قراءة وظيفية  للآية، لا تقف عند حدّ المفاصلة العقدية، بل تؤسس لمبدأ التمايز دون القطيعة. فالدين، في تصوره، هو طريق في الحياة، ولكل طريق مقتضياته السلوكية والاجتماعية. كما يستحضر قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِلتأكيد أن الغاية الأخروية هي المقصد الأسمى، غير أن اختلاف السبل لا يلغي ضرورة تنظيم الشأن الدنيوي، خاصة إذا علمنا أن هذا الشأن الدنيوي قد يكتسي صبغة دينية في منظور الشيخ الخديم صلاحية  القصد وصدق النية.

وتأسيساً على ما سبق، يعتمد الشيخ رضي الله تعالى عنه تقسيمًا ثنائيًا معروفا في الأدبيات الصوفية، حيث يقسم الناس إلى طالب الدنيا، وهو المعني بالسياسة وتدبير الشأن العام، وطالب الآخرة، وهو المنشغل بالعبادة والتزكية والتربية الروحية. 

غير أن هذا التقسيم لا يحمل هنا حكمًا قيميًا سلبيًا على طالب الدنيا، بل يُقرّ بضرورة دوره الوظيفي داخل المجتمع. وبذلك يتجاوز الشيخ النظرة الإقصائية للسياسة، ليعترف بها كحقل خاص له أدواته وآلياته.

ومن ناحية أخرى، يُبرز النص وعيًا سياسيًا واضحًا حين يؤكد أن السياسة تتطلب إعدادًا وأدوات خاصة، غير أن الشيخ لا يمنح الشرعية المطلقة لرجل السياسة، بل يُقيد العلاقة معه بشرط أساسي، يتمثل في خدمة الشأن الديني وحماية مصالحه.

وبذلك يؤسس الشيخُ لما يمكن تسميته علاقةً تعاقدية مشروطة بين الزعيم الديني والسلطة السياسية، تقوم على الاستفادة من هذه السلطة فيما يعود على الدين بالنفع دون خضوع أو تبعية.

وانطلاقا من فقه المآلات، يستدل الشيخ بحديث النبي ﷺ: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»، مقدمًا تأويلًا عمليًا سديدا للحديث، مفاده أن نفع الشخص للدين لا يشترط فيه صلاحه العقدي أو الأخلاقي بل العبرة بالمآلات والنتائج لا بالصفات الشخصية. ويكشف هذا الاستدلال عن حضور واضح لـفقه المصلحة وفقه الواقع، حيث تُقدَّم المصلحة العامة للدين على الاعتبارات المثالية.

وإضافة إلى هذا الفهم للواقع، يحمل النص عدة دلالات مركزية، من أبرزها إقرار مبدأ التعايش السياسي مع غير المسلم في إطار الدولة الحديثة، واستقلالية المؤسسة الدينية عن السلطة، مع الانفتاح على التعاون المشروط، وأخيراً إبراز الواقعية الصوفية المريدية بوصفها نمطًا فكريًا منخرطًا في الشأن العام.

خاتمة

يُبرز نص الشيخ محمد الفاضل - في نهاية المطاف -  نموذجًا متميزًا في التفكير الإسلامي، يقوم على الموازنة بين الثابت الديني ومتغيرات الواقع السياسي. وهو نص يعكس انتقال الشيوخ من منطق المواجهة أو العزلة إلى منطق التدبير والتأثير غير المباشر، ضمن رؤية أخلاقية تحافظ على استقلال الدين وتخدم مقاصده العليا. ويمكن اعتبار هذا النص لبنة أساسية لفهم فقه العلاقة بين شيوخ الطريقة المريدية والسلطة في السنغال المعاصرة، خاصة في سياق الدولة الوطنية بعد ستقلال البلاد.


ثانيا : تعليق الدكتور عبد الأحد امباكي عبد الباقي 

أخي الحبيب فضيلة الشيخ الدكتور،حلّلتم تحليلا دقيقا هذا النص القيم لسيدي العلامة الخليفة المعظم الشيخ محمد الفاضل مباكي، والمحفوظ بخط والدكم العلامة المكرم الشيخ عبد الرحمن بوسو ، على ضريحهما شئابيب الرحمة والرضوان، وقد أبرزتم من القيمة العلمية بدقة منهجية الشيء الكثير، فجزاكم الله خيرا، وبارك فيكم غير أنه يسعدني-استكمالا لما تفضلتم به-أن أقدّم ما تيسر من تعليق على النص وما كتبتم حوله، بما يمكن أن يفتح لي ولغيري آفاقا أخرى لمثل هذا الصنيع الجميل المرجو نفعه.

أقول إن هذا النص عند التحقيق لَاجتهاد تنزيلي واع مكتمل الأركان ومتزن الأوزان استحضر فيه صاحبه سيدي الشيخ محمد الفاضل كليات الشريعة ووازن بين مقاصدها، ونزل حكما عمليا على واقع الدولة الوطنية الحديثة إذ ذاك بعد الاستقلال حيث تغيّرت صور السلطة، وتعذّر استحضار نموذج (الإمامة المستجمعة للشروط)

وهذا بعينه لما يقررمن كلام الإمام الشاطبي حين قال(..إنَّ الْوَقَائِعَ فِي الْوُجُودِ لَا تَنْحَصِرُ؛ فَلَا يَصِحُّ دُخُولُهَا تَحْتَ الْأَدِلَّةِ الْمُنْحَصِرَةِ، وَلِذَلِكَ احْتِيجَ إِلَى فَتْحِ بَابِ الاجتهاد من القياس وغيره، فلا بُدَّ مِنْ حُدُوثِ وَقَائِعَ لَا تَكُونُ مَنْصُوصًا عَلَى حُكْمِهَا، وَلَا يُوجَدُ لِلْأَوَّلِينَ فِيهَا اجْتِهَادٌ، وَعِنْدَ ذَلِكَ؛ فَإِمَّا أَنْ يُتْرَكَ النَّاسُ فِيهَا مَعَ أَهْوَائِهِمْ، أَوْ يُنْظَرَ فِيهَا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ أَيْضًا اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، وَذَلِكَ كُلُّهُ فَسَادٌ؛ فَلَا يَكُونُ بُدٌّ مِنَ التَّوَقُّفِ لَا إِلَى غَايَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى تَعْطِيلِ التَّكْلِيفِ لُزُومًا، وَهُوَ مؤدٍّ إِلَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاق؛ فَإِذًا لَا بُدَّ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ زَمَانٍ؛ لِأَنَّ الْوَقَائِعَ الْمَفْرُوضَةَ لَا تَخْتَصُّ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ.)

بالنظر إلى النص والتعليق من هذه الزاوية نرى أن منهج شيخنا محمد الفاضل التقاء يلتقي مع ما قرّره كبار الفقهاء الأصوليين المحققين من أمثال إمام الحرمين الجويني في غياث الأمم، وحجة الإسلام الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين وغيره في باب السياسة الشرعية، ومخالطة السلطان، وحفظ نظام الدين والدنيا، وكما قرره الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات والإمام طاهر بن عاشور والإمام عبد الله بن بيه

فلمن شاء أن يجيل النظر في ضبط الجانب الأصولي، وأولى خطوات النظر الصحيح في الأمر– كما فعل الشيخ ضمنا – هي تحرير محلّ النزاع؛ فالقضية ليست تقرير صحة دين غير المسلم، ولا إلغاء المفاصلة العقدية التي دلّ عليها النص القطعي: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وإنما النزاع محصور في جواز المخالطة والمعاملة السياسية مع سلطة غير مسلمة بقصد تحقيق مصلحة راجحة للدين وأهله في ظل دولة جامعة، ومع مراعاة الضوابط الشرعية.

وهذا الباب من حيث تصنيفه الأصولي من باب السياسة الشرعية والمصالح المرسلة وفقه المآلات، وليس من باب العقائد ولا باب الولاء والبراء بإطلاقه، وإخراج المسألة من هذا الإطار هو أصل الخلل في كثير من الاعتراضات المحتملة.

ثانيًا: الدين طريق، هو مفتاح الرؤية المقاصدية عند الشيخ الخليفة العلامة، فلما قال رضي الله عنه (فهمتُ منه أن الدين هو الطريق) جاد علينا نحن معاشرَ طلبة العلم بمفتاح تصوري عميق؛ إذ عرف الدين بكونه:اعتقاداوعبادة،وسلوكاونظاما تربويا واجتماعيا،ومسارا تاريخيا يحتاج إلى بيئة تحميه ليستمر.

ومن هنا يصبح تدبير العلاقة مع السلطة جزءا من حفظ الطريق، لا خروجا عنه، وهذا عين ما تقرر عند الإمام الغزالي رضي الله أن انتظام الدين متوقف على انتظام الدنيا، وأن الدنيا من حيث هي أمن ونظام ومعاش شرط سابق لإقامة العبودية، وأن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، وإن نظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع.

فليس المقصود تعظيم السلطة لذاتها، بل إدراك أن الفوضى والاضطراب أخطر على مقاصد ومصالح الدين والإنسان عاجلا وآجلا من وجود سلطة ناقصة الشروط في النظر الفقهي عند البعض.

ثالثا: تقسيم (طالب الدنيا) و(طالب الآخرة) إنما هو توزيع وظائف فحسب كما قلتم وليس تصنيف قيم.

يقيم الشيخ بناءه على تقسيم معروف في الأدبيات الصوفية، ويوظفه توظيفا وظيفيا مقاصديا لا أخلاقيا تقويميا؛ فطالب الدنيا عنده هو صاحب السياسة وتدبير الشأن العام، ولا بد له من "آلات" أي مؤسسات وقوة وتنظيم، وطالب الآخرة: وهو صاحب المقصد الأعلى، المتمثل في العبادة والتزكية وعمارة الأرض.

وينبغي العلم والتأكيد على أن هذا التقسيم لا يتضمن ذما للسياسة بتاتا ولا تزكية مطلقة لها، بل يقرّ بضرورتها، مع إخضاعها للمقصد الأعلى، ولاشك أن ذلك مستنبط من مدرسة جحة الإسلام الإمام الغزالي التي تميل إلى منع اعتبار السياسة والتدبير غاية مستقلة عن الدين، والداعية إلى جعلها خادمة له.

وعليه فإن شرعية آلات السياسة تُستمد من خضوعها لمقصد العبودية، وهذا هو جوهر الميزان الذي وضعه الشيخ العلامة.

رابعا: فقه الواقع والضرورة صدى لكتاب غياث الأمم في موقف سيدي الشيخ

يُعدّ غياث الأمم للإمام الجويني متضمنا لأبرز النصوص التجديدية من الكتب القديمة الموضحة لحالات اختلال شروط الإمامة، إذ قرّر فيه أن المقصد الأعظم من السلطان هو حفظ بيضة الإسلام، ودفع التظالم، ومنع التهارج، وأن ترك الناس فوضى يفضي إلى ضياع الدين والدنيا معا؛ ولهذا تقررأن ما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن؛ أي أن الردع السلطاني مهمى كان قد يمنع من الفساد ما لا تمنعه الموعظة وحدها.

وكذلك الإمام الشاطبي حين قال ما معناه في غير ما موضع من كتابه الموافقات أن إهمال المصالح في الجملة مفسدة، كما أن رعايتها في الجملة مصلحة.

وفي هذا الإطار نفهم موقف الشيخ محمد الفاضل، فهو لم يمنح السلطة القائمة تزكية عقدية، ولم يذب فيها، لكنه تعامل معها باعتبارها واقعا ذا شوكة يمكن توجيهه لخدمة مصالح الدين، أو على الأقل منع الإضرار به، فجعل من مهمته الوظيفية كمرجع وشيخ مرب ذي شرعية اجتماعية التزاما واضحا متمثلا في حماية الشأن الديني؛ومن هنا جاءت عبارته الفاصلة:

"إن وجدتُه أكن معينا لكم في أمور دينكم، وإلا فلا"

وهي عبارة تختزل منطق الجويني في تحميل أهل العلم مسؤولية توجيه السلطة الواقعية حين يتعذر النموذج المثالي.

خامسا: المخالطة مع المفاصلة (القاعدة الأخلاقية الحاكمة)

يوافق الشيخ محمد الفاضل مع الإمام الجويني والإمام الغزالي و الإمام محمد طاهر بن عاشور في أن الاجتماع الإنساني لا يستقيم إلا بالتعاون، ولو اختلفت العقائد، ما دامت المقاصد العامة محفوظة

أما الإمام الغزالي مع تحذيره الشديد من فتنة السلطة فقد قرر أن مخالطة الظلمة تجوز لغرض مصلحة راجحة؛ كدفع ظلم أو إقامة حق، ويمنع الثناء والتزكية والمداهنة، ويقصر المخالطة في حدها الأدنى على السلام أو ما يحقق المصلحة دون إضاعة الدين.

وهذا بعينه ما التزمه الشيخ محمد من مفاصلة عقدية صريحة، وتجنب التزكية المطلقة، وتعاون مشروط بمصلحة الدين والوطن، واستعداد للانسحاب إن انتفى الشرط، فالمخالطة هنا لاتلبس بالولاء المطلق، لكنها تدبير منضبط، تحفظ للدين استقلاله، وتمنع عنه الاستئصال أو التهميش.

سادسا: حديث (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) فقه المآلات وفصل الفعل عن الفاعل

واستحضار الشيخ لحديث (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) إنما يجري على هذا الأصل الشاطبي الجليل القاضي بأن "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا"، لا ينفك عنه الاجتهاد الرشيد.

من أبرز ما في نص الشيخ وأعمقه أصوليا استدلاله بحديث:(إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) وهذا الاستدلال يُفهم في إطار فقه المآلات؛ إذ يفصل بين:وصف الفاعل، وأثر الفعل ونتيجته على الدين والجماعة.

وقد قرر الإمام الغزالي هذا المعنى في مواضع متعددة حين اعتبر أن العبرة في السياسة ليست بكمال الحاكم، بل بما يترتب على حكمه من أمنٍ وحفظ للنظام، ومنع للفوضى التي هي أشد ضررا على الدين من ظلم حاكم أو نقص صلاحه.

وعليه، فإن الشيخ لا يقرر قاعدة مطلقة، بل يُخضع الاستدلال بشرطين:1 ألا يؤدي التعاون إلى منكرات بينات 2 أن تكون المصلحة المتحققة للدين حقيقية وراجحة.

وهذا ما يؤكد عليه شيخنا العلامة عبد الله بن بيّه من أن الفتوى والاجتهاد لا يُبنيان على مجرد استحضار النص، بل على الموازنة الدقيقة بين المصالح والمفاسد، مع اعتبار المآلات.

سابعا: العلاقة التعاقدية المشروطة الممثلة في الشرعية الوظيفية

نلاحظ من مجموع ما سبق أن الشيخ طبق ما يمكن تسميته شرعية وظيفية، فالسلطة تُقبل بوظيفتها في حفظ النظام وحماية المجال الديني، لا بذاتها ولا بعقيدتها، وهذا يلتقي أيضا مع ما تقرر عند الإمام الجويني من أن السلطان وسيلة لحفظ الجماعة، وعند الإمام الغزالي من كون السلطان شرطا لنظام الدنيا، لا غاية في نفسه.

وهو ما يلتقي تماما مع ما تقررأن السياسة الشرعية مدارها على تحقيق المصلحة العامة، ولو بغير نص جزئي، ما دامت منسجمة مع أصول الشريعة لا مناقضة لها، فالعلاقة هنا ليست تبعية وبعيد كل البعد عن تسييس الدين؛ لكنها في حقيقة الأمر تقييد أخلاقي ومقاصدي لها، وتحويلها من تسلط إلى سلم وخدمة لمصالح الدين والوطن.

ثامنا: الاستقلال الروحي والاقتصادي شرط صدق المفاصلة

إنما صمد هذا المنهج بالاستقلال الواقعي للمؤسسة المريدية تربويا واقتصاديا واجتماعيا؛ كصمام أمان في وجه التحديات المتعددة.

وقد شدد الإمام الغزالي كثيرا ما يفهم منه أن تعفف العلماء عن بعض الأموال شرط لصدق نصحهم، وأن الارتهان المالي يجرّ إلى المداهنة، ومن هنا نفهم كيف أصبح (طالب الآخرة) عند الشيخ ندّا لطالب الدنيا، لا تابعا له.

تاسعا: المآلات الاجتماعية – السلم بدل الصدام

إن الدولة الوطنية أصبحت إطارا ضروريا لتنظيم العيش المشترك، ولا يتعارض ذلك مع هوية المسلم إذا حُفظت المقاصد الكبرى كما يقول العلامة عبد الله بن بيه (الدولة الوطنية في عالمنا الإسلامي باختلاف أشكالها وصورها، هي نظم شرعية لها من المشروعية ما للإمبراطوريات الكبرى التي كانت قائمة في التاريخ بناء على قانون جلب المصالح ودرإ المفاسد).

لايخفى أن مثل هذا الاجتهاد الواقعي المقاصدي مما أنتج أو سهم في نموذج سنغالي لافت في استقرار سياسي مستدام بإذن الله تعالى وقوته، وحفظ المجال الديني والتربوي، وتعايش تعددي دون ذوبان الهوية.

وهذه نتائج تندرج ضمن مقاصد الشريعة الكبرى: حفظ الدين، والنفس، والنظام العام، وتؤكد صواب اختيار فقه المآلات على فقه الاستثارة والمواجهة غير المحسوبة.

خلاصة

إن نصّ شيخنا محمد الفاضل عند قراءته في ضوء فقه الكبار الأصوليين الفقهاء قديما وحديثا الأئمة: الجويني والغزالي والشاطبي وطاهر بن عاشر وعبد الله بن بيه تتجاوز أن تكون وثيقة تاريخية فحسب لتمثل منهاجا اجتهاديا يُعلّمنا كيف تُدار العلاقة بين الدين والسلطة في زمن الدولة الوطنية؛ من غر صدام يُفضي إلى الفوضى، ولا ذوبان يُفضي إلى ضياع الهوية، بل بتدبير مقاصدي حكيم يجعل السياسة خادمة للدين، ويؤكد كون الشيخ مرجعا أخلاقيًا صاحب شرعية اجتماعية يحقق كثيرا من المصالح العاجلة والآجلة.

ونتيجة ذلك ما يؤكد عليه العلامة الشيخ عبد الله بن بيه في غير ما وضع من أولية السلم وأولويته وضرورة دفع الصدام متى أمكن، حفاظًا على الأرواح والدين.

ومما يتبين من اجتهاد الشيخ محمد الفاضل أن المرونة السياسية إذا انضبطت بالأصول بعيدة كل البعد عن النهي الشرعي، بل تعد حكمة شرعية تحفظ بيضة الدين وتبني الإنسان، وتعمر الأوطان، وتمنع عن الأمة شرور الاضطراب قال الإمام القرافي: "ولا تجمد على المسطور في الكتب.. والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين".

الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

جامعة الشيخ أحمد الخديم تحقّق إنجازًا أكاديميًا بارزًا بالحصول على الاعتماد المؤسسي

حقّقت جامعة الشيخ أحمد الخديم بطوبى إنجازًا أكاديميًا نوعيًا بحصولها على الاعتماد المؤسسي (Habilitation institutionnelle) من الهيئة الوطنية لضمان الجودة في التعليم العالي Anaq-Sup، وذلك بعد مرور ثلاث سنوات فقط على افتتاحها، في خطوة تُعد سابقة مميّزة في مسار الجامعات السنغالية الحديثة.

ويُعد هذا الاعتماد اعترافًا رسميًا بجودة التكوين الأكاديمي الذي تقدمه الجامعة، وبسلامة منظومتها البيداغوجية والإدارية، حيث شمل الترخيص واحدًا وعشرين (21) برنامجًا لشهادة الليسانس، إضافة إلى برنامج واحد للماستر، ما يعكس اتساع العرض التكويني وتنوعه واستجابته لمعايير الجودة المعتمدة. فللجامعة أربع كليات ومعهد جامعي : كلية الدراسات الإسلامية والعربية، كلية العلوم والمهن الطبية كلية العلوم الزراعية وتكنولوجيا التغذية، كلية المهن والتكنولوجيا، وأخيرا معهد للغات ومهن الطباعة.

ويأتي هذا التتويج ثمرةً لجهود جماعية متواصلة بذلها مختلف العاملين في المؤسسة، من إدارة وأطر تربوية وأساتذة وطلبة، الذين عملوا بروح المسؤولية والالتزام من أجل الارتقاء بالجامعة إلى مصاف المؤسسات الأكاديمية المعترف بها وطنيًا ودوليا.

ويُنتظر أن يشكّل هذا الإنجاز دفعة قوية لمسار جامعة الشيخ أحمد الخديم، ويعزز مكانتها ضمن منظومة التعليم العالي في السنغال، ويفتح آفاقًا أوسع أمام طلبتها لمتابعة مساراتهم الأكاديمية في ظروف علمية معترف بها رسميًا.

الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

من كرامات الشيخ أحمد بمب رضي الله عنه ... إصدار جديد لدائرة روض الرياحين

"عُرف الشيخ الخديم رضي الله تعالى عنه بكراماته الكثيرة التي تناقلتها الركبان، ورواها ثقات عن ثقات في سياقات مختلفة من حياته، ولكن أبرز هذه الكرامات شدة استقامته رضي الله تعالى عنه على الصراط المستقيم، وتحمله في العبادات ما لا يطيقه إنسان عادي. والشيخ   ينبه في كتاباته على أن نهاية الكرامة هي الاستقامة، كما قال في  مسالك الجنان

       قد أخبروا بأن الاستقامه                     نهاية الصلاح والكرامة

والاستقامة هي الجمع بين أداء الطاعات واجتناب المعاصي، وهي كما قال يحيى بن معاذ على ثلاثة أضرب: استقامة اللسان على كلمة الشهادة، واستقامة الجنان على صدق الإرادة، واستقامة الأركان على الجهد في العبادة وقد قيل :حقيقة الاستقامة لا يطيقها إلا الأنبياء وأكابر الأولياء؛ لأن الاستقامة هي الخروج عن المعهودات، ومفارقة الرسوم والعادات، والقيام في أمر الله بالنوافل والمكتوبات. ويقول الشيخ محمد البشير صاحب المنن : وللاستقامة كمالُها لأنها هي القيام بالواجب كما يجب فيما يجب على الدوام .

وقد كان الشيخ الخديم رضي الله تعالى عنه يتحمَّل من الطاعات ما لا يتصوره عقل بشر من حيث الكثرة والنوعية. يقول العلامة الدكتور محمد بن أحمد مسكه : أما عبادته فكان منقطعا لها طول دهره، وقد عاهد ربه تعالى أن لا ينتقض وضوءه إلا توضأ وصلى نافلة، ولم يكن ينام إلا غرارا، ولم يعرف له قط موضع للنوم (...) وكان ليله ونهاره في الذكر والقراءة وخدمة الأضياف والمريدين، وكان ملازما للوضوء وقد تكون به الجراحات والأمراض الشديدة، فكان يصبر على الوضوء. ويقول :  وأول كرامة أذكرها هنا هي ما حمل عليه نفسه من العبادة الشاقة التي لازمها طيلة حياته، والتي تصدق فيها الكلمة إن مَن خرق العادة في نفسه خرق الله له العوائد، فقد أعان الله تعالى هذا الشيخ على تحمل نمط من العبادة يبدو مستحيلا لأول وهلة، وذكر من ذلك أنه كان ملازما للطهارة (...) ولا يصلي فريضتين بوضوء واحد، بل يجدد وضوءه لكل فرض، وكان لا يصلي صلاة فريضة إلا في الجماعة، وكان لا يفطر من أيام الدهر إلا الفطر والعيد 

والشيخ رضي الله تعالى عنه يقر بنفسه أن من أكبر كراماته ما خصصه الله به من القوة في أداء العبادة في جميع الظروف والأحوال، يقول الشيخ محمد البشير إنه سمع الشيخ يقول  ُ: "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَرَامَاتِ الَّتِي خُصِّصْتُ بِهَا تَقْوِيَةَ اللَّهِ لِي عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي صِحَّتِي وَسَقَمِي، حَتَّى إِنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِيَّ مَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْقِيَامُ وَيَثْقُلُ مِنْهُ النُّهُوضُ ثُمَّ إِذَا سَمِعْتُ الْأَذَانَ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ حَتَّى أُقِيمَ صَلَاتِي فِي الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ إِذَا فَرَغْتُ يُعَاوِدُنِي إِلَى أَنْ يُقَدَّرَ الْبُرْءُ"

وفي هذا السياق  يورد في المنن قصة وقعت في سهوة الماء بموريتانيا ، وهي أن الشيخ رضي الله تعالى عنهأَصَابَهُ مَرَضٌ شَدِيدٌ دَامَ مَعَهُ أَيَّامًا كَثِيرَةً نَحْوَ شَهْرٍ، وَلَمْ يَحْبِسْهُ يَوْمًا عَنِ الْإِمَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى أَنْ أَجْحَفَ بِهِ غَايَةً. فَجَمَعَ الْقَوْمَ خَارِجَ بَيْتِهِ تِلْمِيذُهُ الْفَاضِلُ الْمُحِبُّ لِأَهْلِ اللَّهِ النَّاصِحُ لَهُ وَلِمُرِيدِيهِ أَوَّلًا وَآخِرًا  مُخْتَارْ بِنْدَ جِنْكْ  MAKHTAR PENDA DIENG رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَاسِعَةً، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّ الشَّيْخَ أَجْحَفَ بِهِ الْمَرَضُ وَإِنِّي صِرْتُ أَخَافُ عَلَيْهِ، وَمَعَ هَذَا الْإِجْحَافِ لَا يَصْبِرُ بَعْدَ سَمْعِ الْأَذَانِ عَنِ الْحُضُورِ. وَهُوَ كَمَا تَرَوْنَ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ. فَأُرِيدُ مِنَ الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَخْفِضَ صَوْتَهُ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ سِيد بْن عَبْدِ اللَّهِ هَذَا. فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الصَّلَاةِ يُخْبَرُ بِالْوَقْتِ وَبِأَنَّ الْجَمَاعَةَ صَلَّوْا لِئَلَّا يَتَكَلَّفَ الْحُضُورَ". فَصَارُوا إِلَى قَوْلِهِ وَرَأْيِه

وهكذا كانت أكبر الكرامات عند الشيخ رضي الله تعالى عنه بشهادة مريديه وشهادته هو دوامه على الاستقامة وتقوية الله تعالى له على العبادات في صحته وسقمه، ولذلك كان يقول لمن معه : لا تُكلِّفوا أنفسكم بمثل ما أكلف به نفسي من ترك الرخص والتمسك بالعزائم

                                                      من كتاب "من كرامات الشيخ أحمد بمب رضي الله عنه 

الجمعة، 21 نوفمبر 2025

دور أهل القرآن بين قيم الدارة وتحديات الواقع السياسي

شهد المشهد السياسي السنغالي خلال العقد الأخير تحوّلًا لافتًا تمثّل في الظهور القوي لأهل الدارة داخل الساحة السياسية. وقد اتخذ هذا الحضور أشكالًا متعددة، أبرزها الانخراط في الأحزاب السياسية، والمشاركة الفاعلة في الحملات الانتخابية، ثم تقلّد مناصب مهمة في مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة.

هذا التحوّل لم يكن حدثًا عابرًا، بل مثّل – في نظر العديد من المراقبين – استجابة لتطلعات واسعة كانت ترى في دخول أهل الدار عنصرًا قادرًا على إحداث توازن أخلاقي وقيمي داخل اللعبة السياسية. فالساحة السياسية – كما يصفها هؤلاء – تُعاني منذ سنوات من سلوكات لا أخلاقية وضعف في المرجعية القيمية التي تضبط العمل العام. وكان الاعتقاد السائد أنّ من تربّى على قيم المدرسة القرآنية، وتشبع بروحها الأخلاقية والتربوية، يمكن أن يقدّم نموذجًا مختلفًا في السياسة، يقوم على النزاهة والعدل وخدمة الصالح العام.[1]

يرى هؤلاء أن أهل الدارة، بما يحملونه من إرث تربوي وروحي، قادرون على أن يكونوا صمّام أمان أمام حالات الانحراف السياسي التي تهدد استقرار البلاد ووحدتَها، وأن يسيروا مع الحقّ والعدالة أين سارت ركائبها، بعيدًا عن المصلحة الشخصية أو المكاسب المادية التي أوقعت كثيرًا من السياسيين التقليديين في دائرة الفساد والتجاذبات الضيقة.

غير أنّ ما يلوح اليوم في الأفق من أزمة سياسية غير مسبوقة يشكّل اختبارًا حقيقيًا لأهل الدارة المشاركين في الحياة السياسية:

هل سيقفون مع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار؟ وهل سيكون خطابهم متميزًا عن خطاب الساسة التقليديين ومؤثري وسائل التواصل الذين يؤججون الصراعات لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية؟ وهل يسعون إلى إصلاح ذات البين وجمع كلمة الأمة، أم يقعون في فخ تأجيج العداوة خدمة لاستراتيجيات انتخابية أو مصالح شخصية؟

إنّ هذه الأسئلة الملحّة تضع أهلُ الدارة أمام لحظة فارقة، قد تحدّد مدى مساهمتهم في إعادة توجيه المسار السياسي نحو الحكمة والتوازن. ومع ذلك، يظلّ هناك قدر من التفاؤل بأن يكون لمشاركتهم ومواقفهم أثر إيجابي في هذه الظروف الحرجة، وأن يمثّل صوتهم منارة للحكمة تهدي الأطراف السياسية المختلفة إلى طريق التوافق الوطني وتجنّب الانزلاق نحو أزمات تهدد استقرار البلاد.

وسيكون من الخسارة الكبيرة – بل من المفارقات المؤلمة – أن تتغلب الولاءات الحزبية الضيقة على صوت النزاهة والتجرّد والعدل، وهو الصوت الذي عُرف به أهل الدارة على امتداد تاريخ السنغال، وكان من أبرز عوامل حفظ وحدته وسلمه الاجتماعي.

الثلاثاء، 28 أكتوبر 2025

الجلسات الوطنية حول المدارس القرآنية: الرهانات والتحديات

 

في شهر نوفمبر ٢٠٢٤م، أصدر فخامة رئيس الجمهورية، بمناسبة اليوم الوطني للمدارس القرآنية، تعليماته بتنظيم مشاورات وطنية حول المدارس القرآنية، وتقديم نتائجها إليه. وقد لقي هذا الإعلان ترحيبا واسعا من قبل أصحاب هذه المدارس والمهتمين بها عموما، نظرا لكون مثل هذه المشاورات الوطنية فرصةً تاريخية للمدرسة القرآنية، كي تتبوأ مكانتها المستحقة في النظام التربوي السنغالي.

ومنذ ذلك الإعلان سارعت وزارة التربية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة للتحضير لهذه المهمة الوطنية الكبرى، حيث نظَّمت عدة ورشات عمل من أجل إعداد الوثائق المرجعية للمشاورات، والأدوات الضرورية لتسييرها بصورة جيدة. وقد اتضحت من خلال هذه الوثائق سياقات الجلسات وملامحها وأهدافها ومنهجية إدارتها.   

ويتمثل الهدف الرئيسي من هذه الجلسات في توفير ظروف مناسبة لإجراء مشاورات موسعة حول المدرسة القرآنية تضم جميع الاطراف المعنية من مدرسي القرآن، وأصحاب المدارس، والأولياء، والسلطات، والشركاء... وذلك بهدف تطويرها، وتحسين ظروفها، ودمجها بشكل كامل في النظام التربوي الرسمي، مع المحافظة على طبيعتها وخصوصياتها ومبادئها الأساسية.

ويمر تنظيم هذه المشاورات بثلاث مراحل: أ- مرحلة التحضير (وقد أنجزت)، ب- مرحلة المشاورات الجهوية على مستوى المقاطعات، ج- ومرحلة المشاورات الوطنية التي تنظم في دكار العاصمة.

ومن ناحية أخرى، تمَّ إعدادُ منصةٍ إلكترونية لفتح باب المشاركة لجميع الراغبين في إرسال أفكارهم واقتراحاتهم إلى اللجنة العلمية، ولتمكين المواطنين من متابعة فعاليات هذه الجلسات مباشرة.

 الرهانات والتحديات

تنطوي هذه الجلسات الوطنية على رهانات كبرى؛ فالمدرسة القرآنية في السنغال أدت دورا تاريخيا مهما في الحفاظ على هوية المجتمع السنغالي، وفي نشر الإسلام وقيمه، وفي إعداد أجيال من الأبطال المقاومين، وما زالت أبناؤها وخريجوها يبرزون بإيجابية في مختلف الميادين الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

ومع هذا الإرث القيم لم تحظَ المدرسة القرآنية تحظى برعاية تذكر من قبل السلطات السنغالية المتعاقبة بعد الاستقلال إلى بداية هذه الألفية، فضلا عن تعرضها لسياسات استعمارية مناوئة لها.

وعلى الرغم من مطالبة الشعب السنغالي المتدين بإدراج التعليم الديني في النظام التربوي بإلحاح شديد، ظلت المدرسة القرآنية ضحية للتهميش إلى سنة 2002، حيث اتخذت الحكومة الليبرالية آنذاك مبادرات ترمي إلى تحديث المدارس القرآنية.

ومنذ ذلك الحين شهدت السياسة الحكومية عدة تطورات مهمة؛ من أبرزها تعديل القانون التوجيهي 91-22، وإنشاء مفتشية للمدارس القرآنية في وزارة التربية، ثم تحويلها إلى مديرية، وإطلاق مشروع تحديث المدارس القرآنية بتمويل من البنك الإسلامي للتنمية، شمل بناء مدارس قرآنية عمومية، وإشراك عدد من المدارس القرآنية في بعض برامج الوزارة، وإعداد مشروع قانون بوضعية المدرسة القرآنية ... إلا أن  هذه التطورات لم تخل من صعوبات كبيرة، كان أبرزها عدم التوافق بين الأطراف  المعنية حول الإصلاحات المقترحة، خاصة حول مشروع القانون.

وفي السنة الماضية 2024م، ومع وصول حزب الباستيف إلى الحكم، شهد هذا الملف نقلة نوعية، إذ وضعت السلطات الجديدة المدارس القرآنية في مقدمة اهتماماتها ضمن مشروعها لإحداث تحولات جذرية في المجتمع.

فمن بين المحاور الأربعة التي تقوم عليها رؤية "السنغال 2050" محور رأس المال البشري والإنصاف الاجتماعي، وتعدُّ المدرسة القرآنية في هذا الإطار فاعلا أساسيا واستراتيجيا لتحقيق التغيير المنشود.

وقد تنبهت السلطات الجديدة إلى الثغرة التي شابت المحاولات السابقة، والمتمثلة في غياب التوافق بين المعنيين الأساسيين، أي أهل القرآن، فأرادت أن تُبنى سياستها التربوية الجديدة على أساس توافقي متين. ومن هنا جاءت دعوة رئيس الجمهورية إلى تنظيم هذه المشاورات الوطنية لتكون المنطلق والأساس لسياسة الدولة تجاه المدارس القرآنية

 وتكتسي هذه الجلسات أهمية استراتيجية كبرى لأنها قد تحدد ملامح السياسة التربوية الحكومية المستقبلية الهادفة إلى دمج المدارس القرآنية في النظام التربوي الرسمي بما  يتضمنه ذلك  من التزامات متعددة للدولة تجاه هذه المؤسسات.

وللأهمية البالغة لهذه الجلسات حرص مدرسو القرآن وأصحاب المدارس على المشاركة فيها بشكل واسع وجاد ، مما وضع أمام السلطات والمنظمين تحديات كبرى، أبرزها:

·      اتخاذ التدابير اللازمة لضمان المشاركة لأكبر عدد ممكن من أهل القرآن في المشاورات؛

·      التواصل الفعال مع جميع المعنيين من الأولياء والمشايخ والشركاء؛

·      تبنى منهجية صارمة وشفافة تضمن المشاركة الفعالة للجميع؛

·      توفير الوثائق والأدوات اللازمة لتسيير المشاورات باحترافية وموضوعية؛

·      تحقيق نتائج تحظى بالقبول والإجماع بين المشاركين.

 

إن هذه الرهانات والتحديات تجعل المسؤولية المنوطة على عاتق الجهات المنظمة مسؤولية تاريخية جسيمة، كما تفرض على جميع الأطراف التكاتف والتعاون لضمان نجاح هذه الجلسات خدمة للمدرسة القرآنية، وللنظام التربوي، وللمجتمع السنغالي بأسره.

 

د. سام بوسو عبد الرحمن

منسق اللجنة العلمية للجلسات الوطنية حول المدارس القرآنية

 

 

السبت، 27 سبتمبر 2025

قافلة الإيسيسكو – حمدان بن راشد العالمية للغة العربية في دول غرب إفريقيا الناطقة بلغات أخرى ، مدينة طوبى بالسنغال

 البيان الختامي : في إطار مشروع "قافلة الإيسسيسكو - حمدان بن راشد العالمية للغة العربية في دول غرب إفريقيا"، وبالتعاون بين منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، وبين جامعة الشيخ أحمد الخديم في جمهورية السنغال؛ اختُتم المشروع في مدينة طوبى المحروسة، في رحاب جامعة الشيخ أحمد الخديم، وذلك بعقد دورة تدريبية لتعزيز الأداء التعليمي لأساتذة اللغة العربية في كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالجامعة، وقسم المجالس في مجمع الشيخ أحمد الخديم للتربية والتكوين، وغيرهما من المؤسسات التعليمية في طوبى.

كانت الدورة التدريبية بإشراف الدكتور أدهم بن محمد علي حموية، الخبير في مركز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها، والدكتور سام بوسو عبد الرحمن، رئيس قسم التعاون مع الدول العربية في رئاسة جامعة الشيخ أحمد الخديم، واستغرقت أعمالها خمسة أيام من 21 إلى 25 من شهر سبتمبر الجاري، في رحاب الجامعة.

وقد انطلقت أعمال الدورة بجلسة افتتاحية حضرها رئيس المجمع الشيخ أحمد البدوي مباكي، ورئيس الجامعة، الأستاذ الدكتور الأمين غي، وممثل وزارة التربية الوطنية، والخبير الـمُبْتَعَث إلى طوبى، الأستاذ عمر تيام، والدكتور أدهم محمد علي حموية، ممثل الإيسيسكو، والمشاركون المختارون من الأساتذة والمؤطرين.

وبعد خمسة أيام مشحونة بجلسات نظرية وتطبيقية متبوعة بمناقشات مثمرة من المشاركين، أسفرت الدورة التدريبية عن التوصيات الآتية:

1. تطوير المناهج الدراسية وبناؤها وظيفيًّا؛

2. إنشاء جمعيات لمعلمي اللغة العربية في السنغال؛

3. الإكثار من تنظيم دورات تدريبية لمعلمي اللغة العربية في جمهورية السنغال؛ لضمان التكوين المستمر ومواكبة المستجدات التربوية؛ من أجل دفع عجلة التعليم العربي في السنغال إلى الأمام؛

4. دعم برامج اللغة العربية بالكتب والوسائل التعليمية الحديثة؛

5. عقد شراكات مؤسسية وحكومية لتحسين الظروف ورفع التحديات التي تواجه تدريس اللغة العربية في جمهورية السنغال لغويًّا، واقتصاديًّا، وإداريًّا، وعلميًّا؛

6. عقد شراكة بين جامعة الشيخ أحمد الخديم وبين منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو).

هذا، وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حرر في طوبى المحروسة، جامعة الشيخ أحمد الخديم، الخميس 2 ربيع الثاني 1447هـ، الموافق 25 سبتمبر 2025م.






الاثنين، 28 يوليو 2025

خلال اليومين السابع عشر والثامن عشر من يوليو ٢٠٢٥م، جرت فعاليات الندوة الدولية حول "العلم والتربية وثقافة السلم في الفكر الصوفي للشيخ أحمد بمب" بمقر اليونسكو بباريس. وهذه هي المرة الثانية التي يُنظم فيها لقاء علمي كبير في مقر اليونسكو حول حياة مؤسس الطريقة المريدية الشيخ أحمد الخديم رضي الله تعالى عنه بعد ست وأربعين سنة من اللقاء الاول الذي شارك فيه، باذن من الخليفة الثالث الشيخ عبد الاحد، كل من : سرين سام امباي والشيخ مصطفى عبد الرحمن لوح والشيخ مصطفى صالح وغيرهم.

جاءت هذه الدورة في سياق خاص، حيث يعيش العالم أزمات متنوعة وصراعات دامية ويبحث المفكرون المعنيون بمصير العالم عن مخرج من دوامة العنف والصراعات ونزعات الهيمنة واستضعاف الشعوب من أجل بناء سلام دائم وتهيئة ظروف ملائمة للعيش المشترك. وفي هذا السياق يقدم فكر الشيخ الخديم وتجريته الروحية وأسلوبه الجهادي نموذجاً للعالم، ويفتح آفاقا جديدة للبشرية نحو السلام المنشود المبني على القيم الإسلامية الأصيلة من تفاهم وتعاون وتسامح ومحبة...

حظيت هذه المبادرة بمباركة ودعم معنوي ومادي من قبل سماحة الخليفة الشيخ محمد المنتقى - حفظه الله تعالى ورعاه - المعروف بحبه للعلم وحرصه على دعم الجهود الرامية إلى نشر فكر الشيخ الخديم ومنهجه في العالم لما يرى فيه من خير ومنفعة للبشرية جمعاء.

وتتميز هذه الدورة بنوعية المداخلات وثرائها، فقد نجح المحاضرون في إبراز جوانب مهمة من فكر الشيخ وخصائص منهجه التربوي وتجربته في مجال السلم واللاعنف، كما أماطت اللثام عن العديد من المشاريع والمبادرات التي تتعلق بالحفاظ على تراث الشيخ وتوظيف التكنولوجيات الجديدة في خدمته بالنشر والدراسة. وهي مبادرات تعزز الدينامية التي تشهدها الطريقة في المجال المعرفي والثقافي في السنوات الأخيرة.

وقفة تحليلية مع نص الشيخ محمد الفاضل حول علاقته بالرئيس الأسبق المسيحي لووبول سينغور

بقلم الدكتور  سام بوسو عبد الرحمن والدكتور   عبد الأحد امباكي عبد الباقي   عثرتُ على نص مهم بخط والدي الشيخ عبد الرحمن بوسو  يتناول فيه الشي...