تعريب د. سام بوسو عبد الرحمن - تعليق د. عبد الأحد امباكي عبد الباقي
بمناسبة الزيارة العامة لدائرة "حزب الترقية" بتاريخ 28 ذي القعدة 1447هـ/ 16 مايو 2026م، ألقى سماحة الخليفة الشيخ محمد المنتقى امباكي، حفظه الله تعالى، خطاباً عميق الدلالات ساميَ المعاني، يشكل تجديداً للميثاق المريدي وتذكيراً بلب الدعوة الخديمية. وقد وضع عليه الأخ الحبيب، الباحث اللبيب، الشيخ الدكتور عبد الأحد امباكي عبد الباقي تعليقاً سبر أغواره، وجلّى معانيه، وأبرز دقائقه؛ فرأينا ضرورة نشر الخطاب مع هذا التعليق، سائلين الله تعالى أن يعم نفعه.
نص خطاب الشيخ محمد المنتقى حفظه الله
شُكْراً لَكُمْ سَرِينَ يُوسُف! لَقَدْ نَطَقْتُمْ بِمَا كَانَتْ تَفِيضُ بِهِ الْجَوَانِحُ، وَكَفَيْتُمُونَا مَئُونَةَ الْبَيَانِ؛ فَلَا حَاجَةَ بَعْدَ فَصْلِ مَقَالِكُمْ لِمَزِيدِ تِبْيَانٍ. وَمَعَ ذَلِكَ يَأْبَى الْوَفَاءُ إِلَّا أَنْ يُجَدَّدَ الثَّنَاءُ؛ فَأَوَّلُ مَقَامٍ نَقُومُ فِيهِ هُوَ مَقَامُ الشُّكْرِ: شُكْرِ خَالِقِنَا الْمُنْعِمِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِصُحْبَةِ الشَّيْخِ الْخَدِيمِ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وَرَبَطَ أَرْوَاحَنَا بِسِرِّهِ، وَشُكْرِ الشَّيْخِ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَكُونَ لَنَا الْبَابَ وَالْمَسْلَكَ وَالدَّلِيلَ فِي كُلِّ شَأْنٍ.
نَشْكُرُكُمْ جَزِيلَ الشُّكْرِ، سَرِينَ يُوسُف!
لَقَدْ نَهَضَ الشَّيْخُ الْخَدِيمُ بِأَعْبَاءِ الدَّلَالَةِ عَلَى اللَّهِ، مُتَجَرِّداً عَنْ كُلِّ حَوْلٍ وَقُوَّةٍ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ لِغَيْرِ رَبِّهِ؛ بَلْ وَلَّى وَجْهَ قَلْبِهِ شَطْرَ مَوْلَاهُ الَّذِي لَايَحُدُّهُ حَدٌّ وَلَا يُحِيطُ بِهِ مُنْتَهَى. فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ إِقْبَالاً خَالِصاً مُصَفَّىً مِنْ كُلِّ الشَوَائِبِ الجَلِيَّةِ وَالْخَفِيِّة، حَتَّى صَدَرَ لَهُ الْأَمْرُ الرَّبَّانِيُّ بِاتِّخَاذِ خَيْرِ الْخَلْقِ ﷺ وَسِيلَةً، فَامْتَثَلَ لِلْأَمْرِ بِصِدْقِ الْمَحَبَّةِ وَالِاتِّبَاعِ، حَتَّى رَدَّهُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى رَبِّهِ مُزَكّى وَمَأْذُوناً لِيَكُونَ دَالّاً عَلَيْهِ؛ فَظَلَّ بَيْنَ مَقَامَيِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وَالِاتِّبَاعِ لِرَسُولِهِ، يَقْضِي أَنْفَاسَ حَيَاتِهِ فِي كَنَفِهِمَا.
وَهَذَا هُوَ سِرُّ مَقَامِهِ الْجَامِعِ: عَبْدُِ اللَّهِ وَخَدِيمُِ رَسُولِهِ عَبْداً مَحْضاً لِلَّهِ، وَخَدِيماً صَادِقاً لِرَسُولِهِ ﷺ، لَقَدْ أَخْلَصَ الْعُبُودِيَّةَ فِي الْمَحْرَابِ وَفِي نفْعِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، وَتَفَانَى فِي خِدْمَةِ السُّنَّةِ وَالْجَنَابِ النَّبَوِيِّ الشّرِيف، حَتَّى اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهَذَا اللَّقَبِ وَتُوِّجَ بِه -رضي الله عنه- عَنِ اسْتِحْقَاقٍ.
إِنَّهُ تَفَرَّغَ لِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ الْكُبْرَى لَا يَبْتَغِي عِوَضاً، هَمُّهُ الْأَوْحَدُ أَنْ يَرْبِطَ الْخَلْقَ بِالْخَالِقِ، وَيَقُودَهُمْ إِلَى مَعَارِجِ الْيَقِينِ حَتَّى تَسْتَنِيرَ بَصَائِرُهُمْ بِجَمَالِ الْمَعْرِفَةِ، وَمَهْمَا قَصُرَتْ بِنَا الْهِمَمُ أَوْ شَسَعَ الْفَارِقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رُتْبَتِهِ الْعَلِيَّةِ، فَقَدْ تَرَكَ لَنَا الْمَحَجَّةَ بَيْضَاءَ، وَبَيَّنَ لَنَا مَقَاصِدَ السُّلُوكِ وَشُرُوطَ الصُّحْبَةِ، وَمَعَ أَنَّ ارْتِقَاءَ هَذِهِ الْمَرَاقِي لَيْسَ بِالْيَسِيرِ، إِلَّا أَنَّ شَرَفَ الْمُرِيدِ فِي صِدْقِ التَّوَجُّهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَصَفَاءِ الْمَحَبَّةِ وَدَوَامِ الْمُجَاهَدَةِ، وَهَذَا هُوَ وَاجِبُ الْوَقْتِ عَلَيْنَا؛ فَبِبَرَكَةِ هَذِهِ الْمَسَاعِي الصَّادِقَةِ أَثْمَرَ تَوْفِيقُ اللَّهِ هَذَا اللِّقَاءَ الْمَيْمُونَ.
إِنَّ مَجْلِسَنَا هَذَا لَيْسَ إِلَّا تَجَلِّياً لِصِدْقِ التَّوَجُّهِ، وَعَلَامَةً عَلَى أَنَّ مُرَادَ الشَّيْخِ فِي رَبْطِنَا بِالْخَالِقِ قَدْ بَدَأَ يُؤْتِي أُكُلَهُ. وَرَغْمَ وُعُورَةِ الطَّرِيقِ فَإِنَّ النَّاظِرَ فِي سَمْتِكُمْ يُدْرِكُ سَعْيَكُمْ لِلاسْتِقَامَةِ عَلَى النَّهْجِ الْخَدِيمِيِّ؛ نَهْجٌ لَا يَطْلُبُ صَاحِبُهُ إِلَّا صِدْقَ التَّوَجُّهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَصْطَفِي إِلَّا مَنْ أَخْلَى قَلْبَهُ مِمَّا سِوَاهُ.
هَذَا مَسْلَكٌ مَحْفُوفٌ بِالْمَكَارِهِ يَفْتَقِرُ إِلَى مُصَابَرَةٍ وَانْكِسَارٍ، وَمَعَ ذَلِكَ يُرْجَى أَنَّكُمْ خُضْتُمْ غِمَارَهُ قَدْرَ المُستَطَاعِ بِصِدْقٍ، فَالشَّيْخُ يَنْشُدُ مِنَّا التَّجَرُّدَ التَّامَّ مِنَ جَمِيعِ حُظُوظِ الذَّاتِ إِيثَاراً لِلْبَاقِي عَلَى الْفَانِي.
وَكَمَا أَسْلَمَ هُوَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَفْسَهُ كُلِّيَّةً لِلَّهِ فَلَمْ يُبْقِ فِيهَا مُتَّسَعاً لِغَيْرِهِ، كَذَلِكَ تُحَاوِلُونَ أَن تَبَذُلُوا أَنْتُمْ وُسْعَكُمْ لِاقْتِفَاءِ هَذَا الْأَثَرِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ مَنَّ عَلَى الشَّيْخِ بِتَحَقُّقِ مُرَادِهِ؛ فَإِنْ تَخَلَّفَ الْبَعْضُ عَنْ هَذَا الْمِضْمَارِ، فَتِلْكَ سَوَابِقُ الْأَقْدَارِ؛ إِذِ اللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ قَاسِمُ الْأرْزَاقِ والْحُظُوظِ وَمُصَرِّفُ الْمَرَاتِبِ.
وَلَمَّا كَانَتْ إِرَادَةُ اللَّهِ قَدْ مَضَتْ بِإِرْضَاءِ الشَّيْخِ وَتَحْقِيقِ مَقْصَدِهِ، وَقعَ بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ أَنْ يُقِيمَ طَائِفَةً تَحْمِلُ هَذَا السِّرَّ وَتَنْهَضُ بِهَذَا الْعِبْءِ؛ طَائِفَةً تُحًاوِل أَن تَخْلَعَ أَثْوَابَ الرُّعُونَةِ، وَتَنْسَلِخ عَنْ رَغَبَاتِ النَّفْسِ وَتَعَلُّقَاتِ الْخَلْقِ، لِتَقْصُرَ هِمَّتَهَا عَلَى خِدْمَةِ الشَّيْخِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكُمْ مَظْهَراً لِهَذِهِ الْبَرَكَةِ وَسَبَباً لِهَذَا الِاجْتِمَاعِ.
مَا كَانَ لِهَذَا الْعِبْءِ أَنْ يُحْمَلَ لَوْلَا تَوْفِيقُ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَمَا يُيَسِّرُهُ اللَّهُ يَتَيَسَّرُ، إِنَّ مَا بَلَغْتُمُوهُ الْيَوْمَ لَيْسَ بِحَوْلٍ وَلَا قُوَّةٍ، بَلْ هُوَ تَوْفِيقٌ مَحْضٌ، إِذِ اصْطَفَاكُمُ اللَّهُ لِتَكُونُوا الشَّاهِدَ الْعَمَلِيَّ عَلَى إِتْمَامِهِ لِمُرَادِ الشَّيْخِ؛ ذَلِكَ الْمُرَادُ الْمُتَمَثِّلُ فِي إِيجَادِ جِيلٍ يَتَجَرَّدُ عَنْ كُلِّ إِرَادَةٍ تُعَارِضُ الْمَقْصِدَ الَّذِي رَبَّى الشَّيْخُ الْمُرِيدِينَ عَلَيْهِ مِنْ إِخْلَاصِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، لِتُصْبِحَ هِمَّتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى رِحَابِ الشَّيْخِ خَالِصَةً لِلَّهِ وَحْدَهُ.
إِنَّ الشَّيْخَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) يَسَعُ بِرَحْمَتِهِ وَنَظَرِهِ الْجَمِيعَ، وَلَئِنْ عَزَّ عَلَى الْعُقُولِ إِدْرَاكُ حَقِيقَةِ مَقَامِهِ الْبَاطِنِ عِنْدَ رَبِّهِ، فَإِنَّ سُنَّةَ اللَّهِ اقْتَضَتْ أَنْ تَكُونَ لِلْبَوَاطِنِ ظَوَاهِرُ تُتَرْجِمُهَا؛ وَأَنْتُمْ فِي الظَّاهِرِ مِن مُجلِّي هَذَا الْمَقْصَدِ. فِيكُمْ ظَهَرَتْ عَلَامَاتُ الِانْقِطَاعِ لِلَّهِ تَعَالَى مُتعَلِّقينَ بِالشَّيْخِ. وَإِنْ لَمْ يَسْلُكِ الْعَوَامُّ ذَاتَ الدَّرْبِ لِوُعُورَتِهِ، فَحَسْبُهُمْ أَنَّ السَّالِكِينَ هُمْ نُخْبَةُ الشَّيْخِ وَخَوَاصُّهُ، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
لِذَا، ارْفَعُوا أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ شُكْراً لِلْمُنْعِمِ؛ فَلَا عَطَاءَ كَعَطَائِهِ، وَلَا مُوَفِّقَ سِوَاهُ، وَبِالتَّوْفِيقِ سَادَ الصَّحَابَةُ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِين) مَنْ بَعْدَهُمْ، وَبَابُ التَّوْفِيقِ مَفْتُوحٌ لَا يُغْلَقُ، يَفِيضُ بِهِ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. وَلَوْلَا هَذَا الْفَيْضُ الَّذِي غَمَرَكُمْ لَمَا ذُلِّلَتْ لَكُمُ الصِّعَابُ، وَلَمَا كُنْتُمْ صُورَةً مُشْرِقَةً لِتَحَقُّقِ أَمَلِ الشَّيْخِ.
إِنَّ حَدِيثَنَا هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا شَهِدْنَاهُ عِيَاناً وَأَدْرَكْنَاهُ بَيَاناً، فَلْتَلْهَجْ أَلْسِنَتُكُمْ بِالشُّكْرِ، إِنَّ كُلَّ مَنْ أَنْزَلَ مَحَبَّةَ الشَّيْخِ فِي سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ، وَتَأَمَّلَ صِدْقَ صِلَتِهِ بِرَبِّهِ، يَنَالُهُ قَبَسٌ مِنْ هَذَا النُّورِ؛ غَيْرَ أَنَّ حَقَائِقَ الْقُلُوبِ تَظَلُّ دَعَاوَى حَتَّى يُصَدِّقَهَا الْعَمَلُ كَمَا صَدَّقْتُمُوهَا؛ فَالشَّيْخُ يَنْظُرُ إِلَى الْجَمِيعِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ، وَلَيْسَ لَهُ وِجْهَةٌ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، يَحْدُوهُ رَجَاءٌ صَادِقٌ فِي أَنْ يَرُدَّ الْخَلْقَ إِلَى الْخَالِقِ، فَلْنُجَدِّدْ عَهْدَ الشُّكْرِ، وَلْنَكُنْ جَمِيعاً عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَقَرُّ بِهَا عَيْنُ الشَّيْخِ، وَمَنْ حَازَ شَرَفَ الِانْتِسَابِ لَهُ، فَلْيَقْضِ حَقَّ هَذِهِ النِّسْبَةِ بِالْجِدِّ فِي خِدْمَتِهِ بِكُلِّ مَا أُوتِيَ مِنْ جَهْدٍ.
وَلْنَعْلَمْ أَنَّ مَوَائِدَ الْفَضْلِ مَبْسُوطَةٌ، لَا تَخْتَصُّ بِفِئَةٍ دُونَ أُخْرَى؛ فَتَوْفِيقُ اللَّهِ فَضْلٌ عَمِيمٌ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ صَدَقَ فِي الطَّلَبِ، وَعَلَيْنَا أَلَّا نَجْعَلَ فِي قُلُوبِنَا مُرَاداً يُزَاحِمُ مُرَادَ الشَّيْخِ (الَّذِي هُوَ مُرَادُ اللَّهِ)، عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فَكُلُّ حَيٍّ مُطَالَبٌ بِتَحْقِيقِ عُبُودِيَّتِهِ قَدْرَ طَاقَتِهِ، وَفِي ذَلِكَ عَيْنُ التَّأَسِّي بِالشَّيْخِ فِي خِدْمَتِهِ لِلْمُصْطَفَى ﷺ، خِدْمَةً مُكَلَّلَةً بِتَوْحِيدِ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا. فَالْمَدَارُ كُلُّهُ عَلَى صِحَّةِ السُّلُوكِ، وَعَلَيْنَا جَمِيعاً أَنْ نَسْلُكَ الطَّرِيقَ إِلَى اللَّهِ، فَهَذَا هُوَ قُطْبُ الرَّحَى.
فَاطْمَئِنُّوا وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّ لِلشَّيْخِ عِنْدَ رَبِّهِ ذُخْراً لَا يَنْفَدُ، وَقَدْ تَوَّجَهُ مَوْلَاهُ بِتَاجِ الْقَبُولِ الْمُطْلَقِ، وَفِي هَذَا بَرْدٌ وَسَلَامٌ لِقُلُوبِنَا، بَيْدَ أَنَّ هَذِهِ الطُّمَأْنِينَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ دَافِعاً لِلْمَزِيدِ مِنَ صِدْقِ التَّوَجُّهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، لَا سَبَباً لِلرُّكُونِ وَالْفُتُورِ؛ إِذِ الْقَصْدُ إِدَامَةُ الصِّلَةِ بِاللَّهِ، فَلْيُشَمِّرِ الْجَمِيعُ، رِجَالاً وَنِسَاءً، صِغَاراً وَكِبَاراً، نَحْوَ حَضْرَةِ اللَّهِ فِي كُلِّ نَفَسٍ، مُتَّخِذِينَ مِنْ صِدْقِكُمْ أُسْوَةً، إِنَّ زِمَامَ تَرْبِيَتِنَا وَتَوْجِيهِنَا مَعْقُودٌ بِيَدِ الشَّيْخِ، فَلْنَلْتَمِسْ مُرَادَهُ وَلْنَبْذُلِ الْمُهَجَ فِي تَحْقِيقِهِ.
فَلْنُجَاهِدْ أَنْفُسَنَا حَقَّ الْجِهَادِ، لِنَكُونَ مُسْلِمِينَ بِبَوَاطِنِنَا وَظَوَاهِرِنَا، وَمُرِيدِينَ صَادِقِينَ يَتْبَعُونَ الشَّيْخَ أَحْمَدَ الْخَدِيمِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ؛ فَهُنَا مَحَطُّ الرِّحَالِ، وَهُنَا مَفَاتِيحُ الْفَوْزِ بِرِضْوَانِ اللَّهِ.
وَبِهَذَا نُجَدِّدُ عِرْفَانَنَا لَكُمْ، وَنُشَاطِرُكُمْ فَرَحَةَ هَذَا الِاصْطِفَاءِ؛ فَمَا نِلْتُمُوهُ هُوَ عَطَاءٌ مَحْضٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ، نُعْلِنُ تَجْدِيدَ بَيْعَتِنَا الرُّوحِيَّةِ، وَنَشُدُّ الْمَآزِرَ بَعَزْمٍ لَا يَلِينُ! فَإِنْ كُنَّا بِعُيُونِنَا الْقَاصِرَةِ قَدْ رَأَيْنَا عَظَمَةَ صَنِيعِكُمْ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْخِدْمَةِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يُعَايِنُهَا بِبَصِيرَتِهِ النَّافِذَةِ أَجْلَى وَأَبْهَى؛ إِذْ هُوَ خَبِيرٌ بِمَنَابِعِ صِدْقِهَا وَبَوَاعِثِ وُجُودِهَا.
فَلْنُقْبِلْ جَمِيعاً بِنِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ لِتَجْدِيدِ الْعَهْدِ، عَاقِدِينَ الْعَزْمَ عَلَى بَذْلِ مُهَجِنَا وَكُلِّيَّتِنَا فِي خِدْمَةِ طَرِيقِ الشَّيْخِ؛ إِذْ ذَاكَ هُوَ الْمَبْدَأُ وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهَى.
نَشْكُرُكُمْ كُلَّ الشُّكْرِ عَلَى اسْتِقَامَةِ سَيْرِكُمْ، وَنَعْقِدُ النِّيَّةَ عَلَى أَنْ نَكُونَ سَنَداً لَكُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذِي قَبْلٍ، وَلَكِنْ لِنَكُنْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ مَا تَرَوْنَهُ مِنْ حُسْنِ عَمَلِكُمْ لَيْسَ إِلَّا قَبَسٌ مِنْ أَنْوَارِ الشَّيْخِ وَبَرَكَةِ نَظَرِهِ وَحُسْنِ اجْتِبَائِهِ، فَالْفَضْلُ كُلُّهُ لِلَّهِ الَّذِي أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ، فَلْيَبْقَ هِجِّيرَانَا دَائِماً إِدَامَةُ الشُّكْرِ، وَاسْتِنْهَاضُ الْهِمَمِ، وَرَدُّ الْأَمْرِ كُلِّهِ لِلَّهِ تَسْلِيماً وَتَفْوِيضاً.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، نَرْفَعُ أَسْمَى آيَاتِ الشُّكْرِ لِآلِ الشَّيْخِ الْأَكَارِمِ الْحَاضِرِينَ مَعَنَا؛ الَّذِينَ لَمْ يَسُقْهُمْ إِلَى مَجْلِسِنَا هَذَا سِوَى صِدْقِ الْمَحَبَّةِ لِجَنَابِ الشَّيْخِ وَالتَّفَانِي فِي مَرْضَاتِهِ.
نَشْكُرُهُمْ عَلَى نُبْلِ أَرْوَاحِهِمْ، وَصَفَاءِ سَرَائِرِهِمْ، وَجَمِيلِ صَنِيعِهِمْ، وَعَلَى حُضُورِهِمُ الَّذِي لَمْ يَقْصِدُوا بِهِ شَيْئاً إِلَّا خِدْمَةَ الشَّيْخِ وَالْإِشَادَةَ بِمَقَامِكُمْ قَصْدَ وَجْهِ اللَّهِ.
كَمَا نَشْكُرُ الْمَشَايِخَ الْأَجِلَّاءَ، وَكُلَّ مَنْ حَضَرَ بِقَالَبِهِ، أَوْ حَضَرَ بِقَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ وَحَالَتِ الْأَعْذَارُ دُونَ شُخُوصِهِ وَحُضُورِهِ وَنُذَكِّرُ أَنْفُسَنَا وَإِيَّاكُمْ بِأَنْ نَجْعَلَ مُرَادَ الشَّيْخِ مِنَّا نُصْبَ أَعْيُنِنَا فِي كُلِّ نَفَسٍ، مُجِدِّينَ فِي السَّيْرِ إِلَيْهِ بِهِمَّةٍ لَا تَعْرِفُ الْكَلَلَ. وَمَهْمَا بَدَتْ عَقَبَاتُ الطَّرِيقِ، فَغَايَةُ الشَّيْخِ شَاخِصَةٌ لَا تَتَبَدَّلُ وَهِيَ أَنْ نَنْطَرِحَ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى أَعْتَابِ اللَّهِ، وَأَنْ يُحَاطَ بِالْعِنَايَةِ كُلُّ مَنْ سَلَكَ هَذَا السَّبِيلَ.
وَمِسْكُ الْخِتَامِ: حَمْدُ اللَّهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ عَلَى مَا أَسْبَغَ وَتَفَضَّلَ، مُسَلِّمِينَ لَهُ الْقِيَادَ تَسْلِيماً لَا يُخَالِطُهُ مُنَازَعَةٌ، مُنْقَادِينَ لِأَمْرِهِ حَتَّى نَبْلُغَ مِنَ الْقُرْبِ مَقْعَدَ صِدْقٍ يَرْضَاهُ لَنَا.
شُكْراً لَكُمْ!
نص التعليق
الدكتور السيد سام بوسو الأخ العزيز الباحث الحصيف الحبيب والخبير الأديب الأريب أبعث إليكم بخالص التحية وصادق الود/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد فلقد طالعت الخطاب المعرب متأملا إياه بعد أن استوقفني الخطاب الأصلي المسموع والمشاهد وسبى قلبي وفكري عمقا ودلالة منذ أن تابعته؛ ولذلك بادرت في اليوم نفسه إلى الاتصال هاتفيا ببعض من أراهم من أولى الناس بالتهنئة والمباركة وإسداء الشكر والدعاء لهم في هذه المناسبة السعيدة، مع التركيز على ما رأيت أنه هو لب كلام سيدي الشيخ محمد المنتقى حفظه الله تعالى، ألا وهو صدق التوجه إلى الله تعالى، وما أدراك ماهو صدق التوجه إلى الله تعالى الكريم! فكأن هذا الخطاب في فحواه ومعناه يمتزج امتزاجا روحيا وفكريا بديعا بينه وبين نص قديم متجدد لمحتسب الفقهاء العلامة الرباني المحدث الفقيه المحقق الإمام أبي العباس أحمد زرق الفاسي رضي الله عنه المتوفى سنة 899 هـ، الموافق تقريبًا 1493 م، وذلك في قواعده من كتابه المرجع الكبير المعروف ب تأسيس القواعد والأصول وتحصيل الفوائد لذوي الوصول أو قواعد التصوف وشواهد التعرف، وإن حال بينهما القرون فإنهما ينبعان من مشكاة نورانية واحدة إذا استنطقنا الروابط وفكّكنا دلالاتها تتكشف لنا صورة مدهشة من التوازي بين عمق سيدي الإمام زروق -رضي الله عنه -الأصيل الفريد في قواعد التصوف وبين الخطاب الحيوي النابض لسماحة الشيخ محمد المنتقى مباكي حفظه الله تعالى، والذي صاغه حضرتك مترجما ترجمة دقيقة في عمومها متسمة ببراعة لغوية التقطت أدق الجوانب الروحية.
إليكم قراءتي المتواضعة لهذا التلاقي البديع بين هذين النصين
إن سر الأسرار في السير إلى الله تعالى بسلوك الصراط المستقيم هو صدق التوجه إلى الله تعالى بما يرضى حيث يرضى والإقبال عليه تعالى بالكلية، وهذا أعظم خيط ناظم بين النصين وهو جوهر التصوف الحقيق، فسيدي الإمام زروق رضي الله عنه في قاعدته الاستثنائية القاعدة الرابعة من كتابه المذكور آنفا حسم الجدل التاريخي أو الاختلاف حول تعريفات التصوف التي ناهزت الألفين، بردّها كلها إلى أصل مكين (وَقَدْ حُدَّ التَّصَوُّفُ وَرُسِمَ وَفَسِّرَ بِوُجُوهٍ تَبْلغُ نَحْو الْأَلْفَيْنِ تَرْجِعُ كُلُّهَا لِصِدْقِ التَّوَجُّهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا هِيَ وُجُوهٌ فِيهِ وَاللهُ أَعْلَمُ ).
وعندما ننتقل إلى خطاب الشيخ محمد المنتقى -حفظه الله- نرى ذلك يتجسد واقعا حيا يتنفسه مولانا العبد الخديم وكبار أتباعه رضي الله عنهم، فكأن المترجم الحصيف، د. سام بوسو قد التقط هذه الحكمة الزروقية ببراعة فائقة، موظفا مصطلحي التوجه والإقبال لترجمة حال مولانا الشيخ الخديم "تَوَجَّهَ إِلَى مَوْلَاهُ... فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ إِقْبَالاً خَالِصاً مُصَفَّىً مِنْ كُلِّ الشَوَائِبِ الجَلِيَّةِ وَالْخَفِيِّة"، إنه لجميل هذا التطابق، فسيدي زروق يرى التصوف "صدق توجه"، والشيخ المنتقى يرى رفعة شيخه الإمام العبد الخديم في كونه "لَمْ يَلْتَفِتْ لِغَيْرِ رَبِّهِ، بَلْ تَوَجَّهَ إِلَى مَوْلَاهُ"، هذا التكرار لمفردات الإقبال والتوجه هو ترسيخ للقاعدة في وجدان المريدين، وتذكير بأن طريقهم هو امتداد أصيل لما قرره أئمة التصوف السني.
إرادة وجه الله وصدق التوجه إلى الله تعالى الكريم
يؤصل الإمام زروق في قاعدته السابعة لاسم التصوف، مرجحا اشتقاقه من الصُّفَّة، مستندا إلى الآية الكريمة: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. هذا القصد الخالص لوجه الله هو لب الحقيقة.
وبالتأمل في خطاب الشيخ المنتقى نجده يستحضر هذا المعنى بحذافيره، واصفا الطائفة الصادقة من المريدين بأنها "تَحْصُرُ هِمَّتَهَا فِي خِدْمَةِ الشَّيْخِ لِوَجْهِ اللهِ الْكَرِيمِ". ويؤكد أيضا "فَالشَّيْخُ لَا يَطْلُبُ سِوَى قصد التوجه إلى اللهِ"، وكأن الخطاب يستحث همم المريدين العصريين ليقتدوا ويقتفوا آثار أهل الصفة الأوائل، إنها رسالة واضحة في أن التصوف الحق هو امتداد لحال أولئك الذين لم تصرفهم فاقة ولا غنى عن إرادة وجه ربهم، صدق التوجه إلى الله تعالى الكريم من حيث يرضى بما يرضى وهو ذات المعنى الذي خطّه الإمام زروق في قاعدته الثامنة، حيث نفى ارتباط التصوف بفقر أو غنى، وربطه حصرا بإرادة وجه الله الديان.
التجرد والتخلية
يفكك الإمام سيدي زروق في قاعدته التاسعة مراتب السالكين مبينا منزلة الفقير قائلا إنه إِذَا سَقَطَ مَا سِوَى الحَقِّ مِنْ يَدِهِ فَهُوَ الفَقِيرُ
هذا السقوط لكل ما سوى الحق صاغه سيدي الشيخ المنتقى بعبارة بالغة الدلالة حين تحدث عن ضرورة "التجرد"، قائلاً: "فَالشَّيْخُ لَا يَهُمُّهُ إِلَّا التَّجَرُّدُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى مِنَ الذَّاتِ، فِي سَبِيلِ التَّوَجُهِ إِلَى اللَّهِ". هذا هو عين الفقر الصوفي عند سيدي الإمام زروق رضي الله عنه؛ انقطاع تام عن حظوظ النفس، وانسلاخ من رغباتها، ليغدو العبد "بِرَبِّهِ لِرَبِّهِ" والمريد هنا بتوجيه الشيخ المنتقى مدعو لبلوغ هذه المرتبة التي يتخلى فيها القلب عن كل شيء إلا خالقه تعالى.
التلازم والاتزان بين الشريعة والحقيقة هو ضابط السلوك السوي
لم يترك الإمام زروق في قاعدته الرابعة مجالا للزندقة أو التفسق، بل وضع حدا صارما يقرر تلازم الفقه والتصوف والإيمان، مستشهدا بمقولة الإمام مالك الشهيرة: وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ تَحَقَّقَ.
وفي قال العبد الخديم رضي الله عنه في كتابه العظيم مسالك الجنان في جمع ما فرقه الديماني
اَلْعِلْمُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ يَنْقَسِمْ لِظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ سِرًّا كُتِمْ
ظَاهِرُهُ الْـمُصْلِحُ لِلأَعْمالِ وَالْبَاطِنُ الْـمُصْلِحُ لِلأَحوالِ
فَأَوَّلٌ بِاسْمِ تَفَقّهٍ دُعِي وَالثَّانِ عَنْهُمْ بِتَصَوُّفٍ وُعِــي
ثُمَّتَ تَقْدِيمُ الْفَتَى الْفِقْهَ عَلَى تَصَوُّفٍ وُجُوبُهُ قَدِ انْجَـــلَى
فَمَنْ إِلَى إِخْلَالِ الاَوَّلِ انْتَمَى هَلَكَ فِي الدُّنْيَابِحُكْمِ الْعُلَما
وَمَنْ يَكُنْ بِالثَّانِ ذَا الْإِخْلَالِ يَهْلِكْ غَدًا بِحُكْمِ ذِي الْجَلَالِ
فَوَاجِبٌ عَلَى الْعِبَادِ طُرَّا جَمْعُهُمَا لِكَيْ يَنَالُوا الْأَجْرَا
*وَمَنْ تَفَقَّهَ بِلَا تَصَوُّفِ فَذُو تَفَسُّقٍ صَرِيحٍ فَاعْرِفِ*
*وَمَنْ يَكُنْ بِعَكْسِ ذَا فَإِنَّهُ إِلَى تَزَنْدُقٍ أَمَالُوا شَأْنَهُ*
*وَمَنْ لِفِقْهٍ وَتَصَوُّفٍ جَمَعْ فَهْوَ الَّذِي حُقَّ لَهُ أَنْ يُتَّبَعْ*
أَخْرَجَ ذَا الْحُكْمَ الْإِمَامُ مَالِكُ رَحِمَهُ رَضِيَ عَنْهُ الْـمَالِكُ
*وَلْتَعْلَمَنْ بِأَنَّ عِلْمًا وَعَمَلْ هُمَا وَسِيلَتَا السَّعَادَةِ أَجَلْ*
فَفِيهِمَا اجْتَهِدْ وَفِي التَّصْفِيَةِ مِنْ كُلِّ آفَةٍ وَفِي التَّنْقِيَةِ
وَصَحِّحَنْ بِالصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ كِلَيْهِمَا تَظْفَرْ بِالاِخْتِصَاصِ
وَبِاتِّبَاعِ سُنَّةِ الْـمُخْتَارِ صَلَّى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ الْبــــــــــــارِي
وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعْ آثَارَهُمْ مِنْ مُقْتَدًى وَمُتَّبِـعْ
وهذا الميزان الشرعي الدقيق حاضر بقوة في خطاب الشيخ سيدي محمد المنتقى حفظه الله، فبالرغم من تحليق الخطاب في فضاءات المحبة والتجرد والروحانيات، فإنه يرد الأمور دوما إلى نصابها الشرعي المكين "وَالْمُهِمُّ هُوَ الِاجْتِهَادُ، وَأَلَّا يَكُونَ لَنَا مُرَادٌ يُزَاحِمُ مُرَادَ الشَّيْخِ؛ فَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ الشَّرْعِيُّ، مِصْدَاقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾" هو بذلك يؤكد أن التوجه والإقبال لا يستقيمان خارج إطار العبودية المحضة التي حددتها الشريعة، العمل والاجتهاد هما القالب الذي يُصب فيه هذا الصدق، مصداقا لقاعدة زروق: "إِذْ لَا عَمَلَ إِلَّا بِصِدْقِ تَوَجُّهٍ".
عبقرية الترجمة في إجادة جسر بين التنظير والتطبيق
لا يسعني هنا إلا أن أشيد ببراعة أخي الدكتور سام بوسو، ذلك أن ترجمة النصوص العرفانية محفوفة بصعوبات جمة؛ لافتقارها إلى أكثر من مجرد النقل اللفظي، بل احتياجها إلى فقه عميق بالمصطلح الصوفي، لقد نجح المترجم بامتياز في استدعاء المعجم الزروقي (صدق التوجه، الإقبال، إرادة وجه الله، التجرد من الحظوظ) ليعبر عن مقاصد الشيخ المنتقى، فخرج النص العربي متينا رصينا متجذرا في التراث الأصيل، ومحتفظا بحرارة الخطاب الأصلي وحميميته، لقد كان أمينا في نقل المعنى إلى حد كبير وعبقريا في هندسة المبنى الذي ربط حاضر سلوك المُريد اليوم بماضي التأصيلات الزروقية.
أفق منهجي وضبط اصطلاحي استشرافي
ومن جماع ما سبق يبدو لنا ملاحظة عامة -يا فضيلة الشيخ سام- وهي أن سيدي الشيخ محمد المنتقى ومثله من أهل الذوق والعرفان نفعنا الله بحسن التأدب معهم - حين يتكلم فهو كثيرا ما ينطق بلغة وجدانية عالية المستوى متسمة برموز كثيرة ومكثفة المعاني والدلالات، وبالتالي فترجمة كلامه إلى اللسان العربي قد تنقله من محيطه التربوي الداخلي أو الخاص إلى المجال العام أو إلى الفضاء الأكاديمي، فيحتاج حينئذ بالتأكيد إلى ضبط اصطلاحي محكم تجنبا لأي لَبسٍ أو إشكال قد يوهم بمعنى مخالف أو مناقض للمراد والمقصود من إخلاص العبادة لله تعالى وحسن التأدب معه تعالى وصدق التوجه إليه تعالى، وتمحيض الخدمة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدق المحبة ودوام الاقتفاء وحسن الاتباع في السر والعلن، وذلك كله بالتعلق بالوارث الأكمل العارف بالله عبد الله وخديم رسوله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه..
بالإضافة إلى ذلك فإن مما ألاحظ من المنهج العلمي التربوي لهذا الشيخ - زاده الله من الحفظ والرعاية والنصر والتمكين والتوفيق والصحة والعافية وطول العمر- في كلامه الوجداني العرفاني أن بعض خطاباته وكلماته تكمل بعضها البعض
فمن ينبري لسبر أغوار كلامه لا مندوحة له عن ضم أطرافه إلى بعض، ولعل من أمثلة ذلك:
أن هذه الكلمة التي أفدتم وأجدتم في تعريبها فالتأمل فيها يتطلب ربطها بتلك الكلمة المختصرة التي بارك بها حفل التخرج للدفعة الأولى من جامعة الشيخ أحمد الخديم قبل بضعة أسابيع؛ فضلا عن رصد وجمع كل أحاديثه التي مضت وركز فيها على قصد التوجه إلى الله - وما أكثرها فلله الحمد والشكر-
ومن ذلك أيضا أن من يبتغي تحقيق مراده ومقصوده من مشروع المدينة العلمية (مجمع الشيخ أحمد الخديم) عليه أن يستعد لتتبع مدونته الكلامية والحالية حول هذا الصرح العلمي العظيم، وقد شملت تلك الخطابات الجوانب التربوية والتمويلية وحسن التسيير والاستشراف الاستراتيجي للمستقبل البعيد، ليستجيب هذا المعلم لمتطلبات التربية الروحية والعلمية للمدينة المحروسة بالإضافة إلى قدر مهم من الاحتياجات الوطنية والإقليمية والدولية في هذا الجانب.
خلاصة القول -أخي الكريم-أن ما سطّره سيدي الإمام زروق رضي الله عنه في قواعده هو بمثابة الهيكل العظمي والقوانين الحاكمة لعلم السلوك، وما لمسناه في خطاب الشيخ المنتقى هو بمثابة اللحم والدم والمكابدة الحية لهذا السلوك في واقع الناس، كلاهما يدوران في فلك واحد وهو أن يتجرد العبد لله بكليته، ويحقق قصد التوجه إلى الله تعالى من حيث يرضى بما يرضى فلا يرى غيره، ولا يقصد إلا وجهه.
وفي الختام أسأل الله العظيم سبحانه وتعالى أن ينير بصائرنا بنور اليقين، وأن يطهر سرائرنا حتى لا تشهد سواه، وأن يجعلنا وإياكم ممن استغنوا به عمن سواه فظفروا بطمأنينة القلوب وسلامة الصدور .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يمكن تحميل الملف بصيغة pdf من هنا
خطاب الشيخ محمد المنتقى باللغة الولوفية


