شهدت ساحة التعليم الإسلامي في غرب إفريقيا تحولات مهمة شكّلت محطات بارزة في مسيرته التاريخية، وأسهمت في تحديد ملامحه في مختلف المراحل والسياقات التاريخية، كما انعكست آثارها على حياة المجتمعات المسلمة في المنطقة.
وكان التحول الكبير، إن لم نقل الثورة المعرفية، التي أحدثها الشيخ أحمد الخديم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من أبرز تلك المحطات. فقد عالج الشيخ إشكالات عميقة كان التعليم الإسلامي يعانيها، من بينها طلب العلم لأغراض وضيعة، كالتباهي والتنافس واقتناص الجاه، والانشغال بالروايات الجوفاء والجدل العقيم، فضلًا عن احتكار طلب العلم الشرعي من قِبل فئة محدودة من المجتمع.
لقد أحدث الشيخ، في مجال التربية والتعليم، ثورة حقيقية غيّرت وجه التعليم والتعلّم، وأعاد من خلالها تحديد المقاصد النبيلة التي تستحق بذل النفس والنفيس في سبيل تحصيل العلم، كما دعا الجميع إلى طلبه دون استثناء. ولم يقتصر تجديده على تصحيح المقاصد وتوجيه المتعلمين، بل امتد إلى تطوير المناهج وأساليب التدريس، من خلال ما يمكن وصفه بـالتحويل الديدكتيكي للمتون العلمية المتداولة في مدارس عصره، بما يجعلها أكثر استجابة لمتطلبات التربية والتكوين.
وعلى درب الشيخ الخديم سار نجله المجاهد الشيخ محمد المرتضى، رضي الله تعالى عنه، ففتح أبواب المعرفة أمام الجميع في المدن والأرياف، واعتمد التعليم النظامي في وقت كانت فيه الأساليب التقليدية لا تزال مهيمنة على مجال التعليم الإسلامي. وقد شكّلت جهوده نقلة نوعية في مسيرة التعليم الشرعي، إذ أسهمت في تطويره بما يتجاوب مع مقتضيات العصر، وفي توسيع دائرة المستفيدين منه، حتى أصبحت المدارس الأزهرية حاضرة في مختلف ربوع البلاد.
وبعد هذه التحولات المهمة في مسيرة التعليم الإسلامي، برزت مرحلة جديدة كان بطلها ومهندسها وحامل لوائها صاحب الرؤية الطموحة، الشيخ مام مور امباكي مرتضى. فقد فتح، برؤيته الثاقبة، آفاقًا واعدة أمام التعليم الإسلامي، من خلال تجربة رائدة تجسّد مفهومًا حضاريًا يمكن التعبير عنه بمصطلح «المهندس الإمام».
ويعبّر هذا المفهوم عن ثنائية متكاملة تجمع بين التكوين الديني والمهني، وتسهم في معالجة إشكالية بنيوية ظلّ يعانيها النظامان التربويان السائدان: نظام تعليمي ديني لا يولي عناية كافية لبناء الكفاءات العلمية والتقنية القادرة على مواجهة التحديات التكنولوجية والتنموية، ونظام تعليمي تقني لا يولي القيم الأخلاقية والروحية ما تستحقه من اهتمام، رغم ضرورتها لتحقيق التوازن في حياة الإنسان والمجتمع.
ومن هنا، جاءت فكرة الشيخ مام مور امباكي مرتضى، القائمة على توفير تكوين مهني متين وتعليم جامعي راق لحَمَلة شهادات التعليم الإسلامي، لتشكّل مبادرة تجديدية تستجيب لحاجة ملحّة طالما عجز النظام التربوي الرسمي عن تلبيتها منذ الاستقلال. فهي لا تقتصر على تمكين خريجي التعليم الإسلامي من اكتساب مهارات مهنية، بل تسعى إلى بناء شخصية متكاملة تجمع بين رسوخ التكوين الشرعي، والكفاءة التقنية، والالتزام الأخلاقي، والقدرة على الإسهام الفاعل في التنمية.
وبذلك، قدّمت هذه التجربة نموذجًا تربويًا وحضاريًا يمكن للمجتمعات المسلمة أن تستلهمه في مواجهة إشكالية الفصل بين التعليم الديني والتكوين التقني، وهو فصل ظلّ من العوامل التي تعوق تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.
وقد بدأت ملامح نجاح هذه التجربة تتجلى في توجه مؤسسات جامعية إسلامية أخرى نحو تبنّي هذا النموذج. كما تنبّهت وزارة التعليم العالي إلى أهمية هذه التجربة ونجاعتها، وإلى ضرورة توسيع نطاقها داخل الجامعات الحكومية، بما يتيح الاستفادة من إمكاناتها في تطوير منظومة التعليم العالي وتعزيز إسهامها في التنمية الوطنية.
وهكذا، تتجلى أهمية تجربة الشيخ مام مور امباكي مرتضى في كونها لا تمثل مجرد إضافة إلى مسيرة التعليم الإسلامي، بل تعبّر عن رؤية تجديدية تسعى إلى بناء الإنسان المتكامل: علمًا وإيمانًا، وكفاءةً ومهارةً، وأخلاقًا وعملًا؛ وهو ما يفتح آفاقًا واعدة أمام مستقبل التعليم الإسلامي في السنغال وغرب إفريقيا.
إنّ المتابع لفعاليات المغال يلاحظ بوضوح الطفرة العلمية والثقافية التي تشهدها هذه المناسبة المباركة، ولا سيما في هذه الدورة التي تميزت بارتفاع ملحوظ في المستوى العلمي للأنشطة المنظمة في إطارها،، سواء من حيث نوعية الإصدارات، أو الندوات، أو الدراسات البحثية، أو مستوى المشاركين فيها.
فقد شهد المغال صدور عدد من المؤلفات التي تعنى بالتراث الإسلامي المريدي، كما نُظّمت حفلات لتقديم هذه الإصدارات، إلى جانب ندوات علمية رفيعة المستوى شاركت فيها شخصيات أكاديمية وعلمية مرموقة من داخل السنغال وخارجها. كما أُنجزت دراسات علمية تناولت قضايا متعددة ذات صلة بالتراث المريدي وبالمغال على وجه الخصوص
ومن أبرز الإصدارات التي قُدمت ضمن فعاليات المغال الرواية التاريخية للباحث سرين مام مور امباكي حمدي، والتي تناول فيها بأسلوب سردي شيق ومتميز سيرة الشيخ أحمد بمبا رضي الله عنه وتعاليمه، مع التعريف بعدد كبير من الشخصيات المريدية والأماكن المرتبطة بتاريخ الطريقة. وقد جاءت الرواية، بما حوته من معلومات موثقة أشبه بموسوعة مصغرة عن المريدية، لما اتسمت به من ثراء في المضمون وعمق في المعالجة.
ومن الإصدارات القيمة كذلك كتاب الباحث شعيب كيبي، الذي تناول فيه فقه الشكر، مؤصلًا هذا المفهوم ومبرزًا دلالاته الشرعية والتربوية، باعتباره الأساس الذي يقوم عليه الاحتفال باليوم الثامن عشر من شهر صفر، وهو اليوم الذي أمر الشيخ الخديم رضي الله عنه بإحيائه شكرًا لله تعالى.
كما صدر كتاب »منابر الشهادة في شرح مراقي السعادة«، ألّفه مفتي ولاية كاليفورنيا الشيخ بلال حلاق، وهو شرح لمتن »مراقي السعادة« في علم التوحيد للشيخ الخديم رضي الله عنه، وقد قدّم فيهالمؤلف شرحًا علميًا وتحليلًا دقيقًا لهذا المتن العقدي الذي وضعه الشيخ أحمد بمبا رضي الله عنه.
وفي مجال البحث العلمي، أُنجزت عدة دراسات تناولت موضوعات ذات أبعاد تنموية واجتماعية، من أبرزها دراسة حول الآثار الاقتصادية للمغال، وأخرى حول إشكالية تشغيل الشباب في طوبى، وثالثة حول تحديات النقل والمواصلات في المدينة. وقد أُنجزت الدراسة الأولى من طرف جامعة الشيخ أحمد الخديم بالتعاون مع جامعة علي ديوب ببامبي، بينما أنجزت الدراستان الثانية والثالثة من قبل دائرة الخبراء التي أطلق عليها الخليفة العام للمريدية اسم "أصحاب الجنة".
أما الندوات العلمية، فقد شكّلت بدورها محطة بارزة ضمن البرنامج الثقافي للمغال. فقد نظمت جامعة الشيخ أحمد الخديم ندوة علمية حول شبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وتأثيراتها،، كما نظمت دائرة روض الرياحين ندوة تناولت إسهامات زعماء المسلمين في الحفاظ على الهوية الإسلامية السنغالية، في حين نظم حزب الترقية، بالتعاون مع اللجنة المنظمة للمغال، ندوة دولية بعنوان:» الشيخ أحمد بمبا في عيون الفكر العالمي والأكاديمي«، شارك فيها باحثون وأكاديميون من جامعات ومراكز بحثية مختلفة.
وهذا مجرد استعراض سريع لبعض الأنشطة العلمية والثقافية التي شهدتها هذه النسخة من المغال، والتي تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الطريقة المريدية تمضي بخطى ثابتة نحو ترسيخ ثقافة العلم والبحث والإنتاج المعرفي.
و ينسجم هذا التوجّه انسجامًا تامًا مع رؤية الشيخ أحمد بمبا ومنهجه التربوي، إذ جعل العلم أحد الأسس الجوهرية للطريقة المريدية، وقد ابتهل إلى الله تعالى في منظومته «مطلب الفوزين» أن يجعل طوبى مدينةً للعلم والمعرفة والبحث، مؤكدًا بذلك أن المعرفة تمثل أحد الأركان الأساسية لمشروعه التربوي والحضاري.
وهنا يجدر التنويه بالجهود الكبيرة التي بذلتها اللجنة المنظمة للمغال، تخطيطًا وتوجيهًا وإشرافًا، وبإسهامات مختلف المؤسسات والهيئات العلمية والثقافية التي أسهمت في إنجاح هذه الفعاليات، حتى أصبح المغال، إلى جانب كونه مناسبة إيمانية وروحية، موسمًا علميًا وثقافيًا بامتياز.. وخلاصة القول، فإن النهضة العلمية التي يشهدها المغال مرشحة لأن تصبح دافعا حقيقيا للتنمية المستدامة في مجال الإنتاج العلمي. فمن خلال تحفيز مؤسسات المريدية على مواصلة أنشطتها في البحث والنشر وتثمين المعارف على مدار العام، تسهم هذه الدينامية في ترسيخ هذا الزخم العلمي واستمراره، متجاوزة بذلك الإطار الزمني المحدود للمغال.
احتضنت منطقة كوكودي بأبيدجان يومي 13 و14 يونيو 2026 ندوة علمية حول الطريقة المريدية، نظمتها دائرة خدمة الخديم تحت عنوان: «المريدية بين التصور العام والمعرفة الأصيلة»، وذلك بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين والشخصيات الدينية والرسمية من ساحل العاج وخارجها. وترأس الجلسة الافتتاحية الشيخ محمد المأمون بن الشيخ محمد الفاضل، ممثل الخليفة العام للطريقة المريدية، بحضور عدد من أئمة وشيوخ الطرق الصوفية، وممثلين عن المجلس الأعلى للأئمة والمساجد، إلى جانب القنصل السنغالي وممثلين عن بلدية كوكودي، فضلاً عن حضور لافت للباحثين والطلبة والمهتمين بالشأن الديني والثقافي. وهدفت الندوة إلى تقديم رؤية علمية موضوعية للطريقة المريدية، والتعريف بأصولها الفكرية والتربوية، وتصحيح بعض التصورات الخاطئة والأحكام المسبقة التي ما تزال متداولة حولها في بعض الأوساط. وفي كلمته الافتتاحية، عرض الشيخ محمد المأمون وثيقة تاريخية مهمة وهي رسالة مكتوبة بخط يد الشيخ احمد الخديم رضي الله عنه يعرف فيها نفسه. كما ألقى الإمام داوود كوني الأمين العام للمجلس الأعلى للأئمة والمساجد، ممثل شيخ الأئمة الشيخ عثمان جاكيتي، كلمة أكد فيها أهمية مثل هذه المبادرات العلمية في ترسيخ قيم الحوار والتفاهم وتعزيز المعرفة المتبادلة بين مختلف المكونات الدينية. وتوزعت أعمال الندوة على عدد من المحاضرات العلمية المتخصصة. فقد تناول الدكتور سام بوسو من جامعة الشيخ احمد الخديم موضوع «اكتشاف مبادئ المريدية من خلال كتابات مؤسسها»، مسلطًا الضوء على المرتكزات الفكرية والمنهجية المستمدة من مؤلفات الشيخ أحمد بمبا. من جهته، ركز البروفيسور محمد غالاي انجاي الإمام ببروكسيل عاصمة بلجيكا على أبعاد دعوة الشيخ أحمد بمبا وما تضمنته من قيم روحية واجتماعية أسهمت في بناء الفرد والمجتمع، فيما خصص الشيخ صوفي بلال جالو من دولة مالي مداخلته لاستعراض الأبعاد الروحية لشخصية الشيخ أحمد الخديم ودورها في التربية والسلوك. أما الأستاذ عبد الله فهمي من فرنسا فقد تناول خصائص التصوف الخديمي وخصوصياته الفكرية والتربوية. وشهدت جلسات النقاش تفاعلاً كبيرًا من قبل الحضور، الذين طرحوا العديد من الأسئلة والاستفسارات حول تاريخ المريدية ومبادئها وتجربتها التربوية، وقد أجاب المحاضرون عنها بإجابات موسعة أسهمت في إثراء الحوار وتعميق الفهم. وفي اليوم الثاني، انتقلت فعاليات اللقاء إلى الجانب الروحي، حيث اجتمع المريدون القادمون من مختلف مناطق ساحل العاج في جلسات لقراءة قصائد الشيخ أحمد الخديم وإنشادها. كما شهدت المناسبة حضور عدد من أفراد أسرة أمباكي المقيمين في البلاد، إلى جانب الشيخ محمد المأمون والشيخ محمد المرتضى عبد الأحد، الذي وجه للمريدين جملة من التوصيات والإرشادات، داعيًا إلى التمسك بقيم العلم والعمل والإخلاص التي قامت عليها رسالة الشيخ أحمد بمبا. وقد عكست الندوة الحضور المتزايد للمريدية في الفضاء الديني والثقافي بساحل العاج، كما شكلت مناسبة لتعزيز التعارف والتواصل بين الباحثين والمهتمين بالتراث الإسلامي والتصوف في غرب إفريقيا، مؤكدةً أهمية المعرفة العلية الرصينة في بناء جسور التفاهم وتصحيح الصور النمطية.
تعريب د. سام بوسو عبد الرحمن - تعليق د. عبد الأحد امباكي عبد الباقي
بمناسبة الزيارة العامة لدائرة "حزب الترقية" بتاريخ 28 ذي القعدة 1447هـ/ 16 مايو 2026م، ألقى سماحة الخليفة الشيخ محمد المنتقى امباكي، حفظه الله تعالى، خطاباً عميق الدلالات ساميَ المعاني، يشكل تجديداً للميثاق المريدي وتذكيراً بلب الدعوة الخديمية. وقد وضع عليه الأخ الحبيب، الباحث اللبيب، الشيخ الدكتور عبد الأحد امباكي عبد الباقي تعليقاً سبر أغواره، وجلّى معانيه، وأبرز دقائقه؛ فرأينا ضرورة نشر الخطاب مع هذا التعليق، سائلين الله تعالى أن يعم نفعه.
الدكتور السيد سام بوسو الأخ العزيز الباحث الحصيف الحبيب والخبير الأديب الأريب أبعث إليكم بخالص التحية وصادق الود/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد فلقد طالعت الخطاب المعرب متأملا إياه بعد أن استوقفني الخطاب الأصلي المسموع والمشاهد وسبى قلبي وفكري عمقا ودلالة منذ أن تابعته؛ ولذلك بادرت في اليوم نفسه إلى الاتصال هاتفيا ببعض من أراهم من أولى الناس بالتهنئة والمباركة وإسداء الشكر والدعاء لهم في هذه المناسبة السعيدة، مع التركيز على ما رأيت أنه هو لب كلام سيدي الشيخ محمد المنتقى حفظه الله تعالى، ألا وهو صدق التوجه إلى الله تعالى، وما أدراك ماهو صدق التوجه إلى الله تعالى الكريم! فكأن هذا الخطاب في فحواه ومعناه يمتزج امتزاجا روحيا وفكريا بديعا بينه وبين نص قديم متجدد لمحتسب الفقهاء العلامة الرباني المحدث الفقيه المحقق الإمام أبي العباس أحمد زرق الفاسي رضي الله عنه المتوفى سنة 899 هـ، الموافق تقريبًا 1493 م، وذلك في قواعده من كتابه المرجع الكبير المعروف ب تأسيس القواعد والأصول وتحصيل الفوائد لذوي الوصول أو قواعد التصوف وشواهد التعرف، وإن حال بينهما القرون فإنهما ينبعان من مشكاة نورانية واحدة إذا استنطقنا الروابط وفكّكنا دلالاتها تتكشف لنا صورة مدهشة من التوازي بين عمق سيدي الإمام زروق -رضي الله عنه -الأصيل الفريد في قواعد التصوف وبين الخطاب الحيوي النابض لسماحة الشيخ محمد المنتقى مباكي حفظه الله تعالى، والذي صاغه حضرتك مترجما ترجمة دقيقة في عمومها متسمة ببراعة لغوية التقطت أدق الجوانب الروحية.
إليكم قراءتي المتواضعة لهذا التلاقي البديع بين هذين النصين
إن سر الأسرار في السير إلى الله تعالى بسلوك الصراط المستقيم هو صدق التوجه إلى الله تعالى بما يرضى حيث يرضى والإقبال عليه تعالى بالكلية، وهذا أعظم خيط ناظم بين النصين وهو جوهر التصوف الحقيق، فسيدي الإمام زروق رضي الله عنه في قاعدته الاستثنائية القاعدة الرابعة من كتابه المذكور آنفا حسم الجدل التاريخي أو الاختلاف حول تعريفات التصوف التي ناهزت الألفين، بردّها كلها إلى أصل مكين (وَقَدْ حُدَّ التَّصَوُّفُ وَرُسِمَ وَفَسِّرَ بِوُجُوهٍ تَبْلغُ نَحْو الْأَلْفَيْنِ تَرْجِعُ كُلُّهَا لِصِدْقِ التَّوَجُّهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا هِيَ وُجُوهٌ فِيهِ وَاللهُ أَعْلَمُ ).
وعندما ننتقل إلى خطاب الشيخ محمد المنتقى -حفظه الله- نرى ذلك يتجسد واقعا حيا يتنفسه مولانا العبد الخديم وكبار أتباعه رضي الله عنهم، فكأن المترجم الحصيف، د. سام بوسو قد التقط هذه الحكمة الزروقية ببراعة فائقة، موظفا مصطلحي التوجه والإقبال لترجمة حال مولانا الشيخ الخديم "تَوَجَّهَ إِلَى مَوْلَاهُ... فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ إِقْبَالاً خَالِصاً مُصَفَّىً مِنْ كُلِّ الشَوَائِبِ الجَلِيَّةِ وَالْخَفِيِّة"، إنه لجميل هذا التطابق، فسيدي زروق يرى التصوف "صدق توجه"، والشيخ المنتقى يرى رفعة شيخه الإمام العبد الخديم في كونه "لَمْ يَلْتَفِتْ لِغَيْرِ رَبِّهِ، بَلْ تَوَجَّهَ إِلَى مَوْلَاهُ"، هذا التكرار لمفردات الإقبال والتوجه هو ترسيخ للقاعدة في وجدان المريدين، وتذكير بأن طريقهم هو امتداد أصيل لما قرره أئمة التصوف السني.
إرادة وجه الله وصدق التوجه إلى الله تعالى الكريم
يؤصل الإمام زروق في قاعدته السابعة لاسم التصوف، مرجحا اشتقاقه من الصُّفَّة، مستندا إلى الآية الكريمة: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. هذا القصد الخالص لوجه الله هو لب الحقيقة.
وبالتأمل في خطاب الشيخ المنتقى نجده يستحضر هذا المعنى بحذافيره، واصفا الطائفة الصادقة من المريدين بأنها "تَحْصُرُ هِمَّتَهَا فِي خِدْمَةِ الشَّيْخِ لِوَجْهِ اللهِ الْكَرِيمِ". ويؤكد أيضا "فَالشَّيْخُ لَا يَطْلُبُ سِوَى قصد التوجه إلى اللهِ"، وكأن الخطاب يستحث همم المريدين العصريين ليقتدوا ويقتفوا آثار أهل الصفة الأوائل، إنها رسالة واضحة في أن التصوف الحق هو امتداد لحال أولئك الذين لم تصرفهم فاقة ولا غنى عن إرادة وجه ربهم، صدق التوجه إلى الله تعالى الكريم من حيث يرضى بما يرضى وهو ذات المعنى الذي خطّه الإمام زروق في قاعدته الثامنة، حيث نفى ارتباط التصوف بفقر أو غنى، وربطه حصرا بإرادة وجه الله الديان.
التجرد والتخلية
يفكك الإمام سيدي زروق في قاعدته التاسعة مراتب السالكين مبينا منزلة الفقير قائلا إنه إِذَا سَقَطَ مَا سِوَى الحَقِّ مِنْ يَدِهِ فَهُوَ الفَقِيرُ
هذا السقوط لكل ما سوى الحق صاغه سيدي الشيخ المنتقى بعبارة بالغة الدلالة حين تحدث عن ضرورة "التجرد"، قائلاً: "فَالشَّيْخُ لَا يَهُمُّهُ إِلَّا التَّجَرُّدُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى مِنَ الذَّاتِ، فِي سَبِيلِ التَّوَجُهِ إِلَى اللَّهِ". هذا هو عين الفقر الصوفي عند سيدي الإمام زروق رضي الله عنه؛ انقطاع تام عن حظوظ النفس، وانسلاخ من رغباتها، ليغدو العبد "بِرَبِّهِ لِرَبِّهِ" والمريد هنا بتوجيه الشيخ المنتقى مدعو لبلوغ هذه المرتبة التي يتخلى فيها القلب عن كل شيء إلا خالقه تعالى.
التلازم والاتزان بين الشريعة والحقيقة هو ضابط السلوك السوي
لم يترك الإمام زروق في قاعدته الرابعة مجالا للزندقة أو التفسق، بل وضع حدا صارما يقرر تلازم الفقه والتصوف والإيمان، مستشهدا بمقولة الإمام مالك الشهيرة: وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ تَحَقَّقَ.
وفي قال العبد الخديم رضي الله عنه في كتابه العظيم مسالك الجنان في جمع ما فرقه الديماني
وهذا الميزان الشرعي الدقيق حاضر بقوة في خطاب الشيخ سيدي محمد المنتقى حفظه الله، فبالرغم من تحليق الخطاب في فضاءات المحبة والتجرد والروحانيات، فإنه يرد الأمور دوما إلى نصابها الشرعي المكين "وَالْمُهِمُّ هُوَ الِاجْتِهَادُ، وَأَلَّا يَكُونَ لَنَا مُرَادٌ يُزَاحِمُ مُرَادَ الشَّيْخِ؛ فَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ الشَّرْعِيُّ، مِصْدَاقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾" هو بذلك يؤكد أن التوجه والإقبال لا يستقيمان خارج إطار العبودية المحضة التي حددتها الشريعة، العمل والاجتهاد هما القالب الذي يُصب فيه هذا الصدق، مصداقا لقاعدة زروق: "إِذْ لَا عَمَلَ إِلَّا بِصِدْقِ تَوَجُّهٍ".
عبقرية الترجمة في إجادة جسر بين التنظير والتطبيق
لا يسعني هنا إلا أن أشيد ببراعة أخي الدكتور سام بوسو، ذلك أن ترجمة النصوص العرفانية محفوفة بصعوبات جمة؛ لافتقارها إلى أكثر من مجرد النقل اللفظي، بل احتياجها إلى فقه عميق بالمصطلح الصوفي، لقد نجح المترجم بامتياز في استدعاء المعجم الزروقي (صدق التوجه، الإقبال، إرادة وجه الله، التجرد من الحظوظ) ليعبر عن مقاصد الشيخ المنتقى، فخرج النص العربي متينا رصينا متجذرا في التراث الأصيل، ومحتفظا بحرارة الخطاب الأصلي وحميميته، لقد كان أمينا في نقل المعنى إلى حد كبير وعبقريا في هندسة المبنى الذي ربط حاضر سلوك المُريد اليوم بماضي التأصيلات الزروقية.
أفق منهجي وضبط اصطلاحي استشرافي
ومن جماع ما سبق يبدو لنا ملاحظة عامة -يا فضيلة الشيخ سام- وهي أن سيدي الشيخ محمد المنتقى ومثله من أهل الذوق والعرفان نفعنا الله بحسن التأدب معهم - حين يتكلم فهو كثيرا ما ينطق بلغة وجدانية عالية المستوى متسمة برموز كثيرة ومكثفة المعاني والدلالات، وبالتالي فترجمة كلامه إلى اللسان العربي قد تنقله من محيطه التربوي الداخلي أو الخاص إلى المجال العام أو إلى الفضاء الأكاديمي، فيحتاج حينئذ بالتأكيد إلى ضبط اصطلاحي محكم تجنبا لأي لَبسٍ أو إشكال قد يوهم بمعنى مخالف أو مناقض للمراد والمقصود من إخلاص العبادة لله تعالى وحسن التأدب معه تعالى وصدق التوجه إليه تعالى، وتمحيض الخدمة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدق المحبة ودوام الاقتفاء وحسن الاتباع في السر والعلن، وذلك كله بالتعلق بالوارث الأكمل العارف بالله عبد الله وخديم رسوله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه..
بالإضافة إلى ذلك فإن مما ألاحظ من المنهج العلمي التربوي لهذا الشيخ - زاده الله من الحفظ والرعاية والنصر والتمكين والتوفيق والصحة والعافية وطول العمر- في كلامه الوجداني العرفاني أن بعض خطاباته وكلماته تكمل بعضها البعض
فمن ينبري لسبر أغوار كلامه لا مندوحة له عن ضم أطرافه إلى بعض، ولعل من أمثلة ذلك:
أن هذه الكلمة التي أفدتم وأجدتم في تعريبها فالتأمل فيها يتطلب ربطها بتلك الكلمة المختصرة التي بارك بها حفل التخرج للدفعة الأولى من جامعة الشيخ أحمد الخديم قبل بضعة أسابيع؛ فضلا عن رصد وجمع كل أحاديثه التي مضت وركز فيها على قصد التوجه إلى الله - وما أكثرها فلله الحمد والشكر-
ومن ذلك أيضا أن من يبتغي تحقيق مراده ومقصوده من مشروع المدينة العلمية (مجمع الشيخ أحمد الخديم) عليه أن يستعد لتتبع مدونته الكلامية والحالية حول هذا الصرح العلمي العظيم، وقد شملت تلك الخطابات الجوانب التربوية والتمويلية وحسن التسيير والاستشراف الاستراتيجي للمستقبل البعيد، ليستجيب هذا المعلم لمتطلبات التربية الروحية والعلمية للمدينة المحروسة بالإضافة إلى قدر مهم من الاحتياجات الوطنية والإقليمية والدولية في هذا الجانب.
خلاصة القول -أخي الكريم-أن ما سطّره سيدي الإمام زروق رضي الله عنه في قواعده هو بمثابة الهيكل العظمي والقوانين الحاكمة لعلم السلوك، وما لمسناه في خطاب الشيخ المنتقى هو بمثابة اللحم والدم والمكابدة الحية لهذا السلوك في واقع الناس، كلاهما يدوران في فلك واحد وهو أن يتجرد العبد لله بكليته، ويحقق قصد التوجه إلى الله تعالى من حيث يرضى بما يرضى فلا يرى غيره، ولا يقصد إلا وجهه.
وفي الختام أسأل الله العظيم سبحانه وتعالى أن ينير بصائرنا بنور اليقين، وأن يطهر سرائرنا حتى لا تشهد سواه، وأن يجعلنا وإياكم ممن استغنوا به عمن سواه فظفروا بطمأنينة القلوب وسلامة الصدور .
لم تكن الحفلة التي نظمتها جامعة الشيخ أحمد الخديم بطوبى في الثالث والعشرين من أبريل 2026م مجرد احتفاء بتخريج الدفعة الأولى من طلابها، بل كانت مناسبة تحمل دلالات رمزية عميقة؛ فهي تجسد في الواقع قوة الإرادة التي كانت وراء تأسيس مجمع الشيخ أحمد الخديم للتربية والتكوين، الحاضن لهذه الجامعة.
لقد صدح الخليفة الشيخ محمد المنتقى -حفظه الله تعالى- حين وضع الحجر الأساس بعبارته المدوية "بُمُ لالْ سوف" (Bumu lal suf)، ومعناها: "فليبقَ عالياً"، في إشارة إلى ضرورة شحذ الهمم لإنجاز المشروع وإتمام مسيرته على أكمل وجه دون توقف. وقد تحولت هذه العبارة إلى شحنة معنوية ودفعة قوية للمريدين، فحققت أعمال البناء وإعداد البرامج والعملية التعليمية أرقاماً قياسية في سرعة الإنجاز وجودة المخرجات؛ إذ لم تستغرق أعمال بناء المرافق أكثر من 50 شهراً، وفتح المجمع أبوابه في السادس من فبراير 2023م، رغم التحديات الصعبة في تلك الفترة الحرجة التي مر بها العالم والبلاد بسبب تداعيات وباء كورونا والاضطرابات الاقتصادية.
وعلى الصعيد الإداري، حققت الجهود نتائج مبهرة؛ فقد حصلت الجامعة على الرخصة قبل افتتاحها، وعلى الاعتماد المؤسسي في غضون ثلاث سنوات من الافتتاح. وينسحب هذا التميز على الجانب الأكاديمي؛ ففي أقل من ثلاث سنوات، تخرجت الدفعات الأولى من أقسام الدراسات الإسلامية واللغة العربية، والتمريض والقبالة. وتعد هذه النتائج انعكاساً للالتزام المنقطع النظير من الشيخ الخليفة، ومن شيوخ الطريقة ومريديها، وعلمائها وخبراءاتها ورجال أعمالها.
لقد سارت الجهود العلمية جنباً إلى جنب مع الإسهامات المادية؛ فبينما كانت اللجان الفنية -التي تشرفتُ بتنسيقها- تعمل يومياً، ويجتمع رؤساؤها أسبوعياً في إطار لجنة تنسيقية مصغرة تحت إشراف الشيخ أحمد البدوي امباكي، كانت "الجبهة المريدية" تتابع عمليات البناء عن كثب وتعقد اجتماعاتها الدورية. وقد تحركت هذه الفرق بفضل دينامية "الخدمة" التي بثها وعززها صاحب الهمة العالية والرؤية السديدة، مولانا الخليفة الشيخ محمد المنتقى -حفظه الله تعالى-.
إن هذا الصرح العلمي يمثل نموذجاً رائعاً لقيمة العمل التطوعي الجماعي الرامي إلى نيل رضا الله تعالى، والقائم على مبدأ "الخدمة" بصورها المختلفة: الخدمة بالمال، والمعرفة والخبرة، والجهد البدني. لقد تجلت روح الخدمة في جميع مراحل هذا المشروع، وجاءت حفلة التخرج تتويجاً لهذه المسيرة المباركة، وفتحاً لآفاق مستقبلية واعدة للطريقة المريدية، وللمجتمع السنغالي، وللأمة الإسلامية جمعاء.
فهنيئاً للخريجين وذويهم، وهنيئاً للأساتذة والإداريين وجميع العاملين في هذا المجمع الرائد.
بحمد الله تعالى، أُسدِل الستار يوم أمس الاثنين 30 مارس 2026م على أشغال الجلسات الوطنية حول المدارس القرآنية، وهي مبادرة تاريخية أطلقها فخامة رئيس الجمهورية في 28 نوفمبر 2024م، بهدف تمكين المدارس القرآنية ووضعهافي المكانة اللائقة بها ضمن النظام التربوي السنغالي، بما يتيح للدولة التكفّل بهذا القطاع الحيوي، نظراً لما يضطلع به من أدوار تاريخية وثقافية ودينية محورية في المجتمع، خاصة في ظل الأزمات المتعددة الأبعاد التي يعرفها.
وقد بادرت وزارة التربية إلى تشكيل لجان عمل أوكلت إليها مهمة الإعداد المحكم لهذه الجلسات والإشراف على تسييرها، وهي: لجنة القيادة برئاسة الأستاذ المربي السيد طاهر فال، ولجنة الدعم العلمي بتنسيق الدكتور سام بوسو، كاتب هذه السطور، ولجنة التنظيم برئاسة المفتشالسيد موسى انيانغ، إلى جانب مجلس المتابعة والتوجيه.برئاسة الأستاذ المربي مختار كيبي.
وعلى مدى سنة كاملة، عملت هذه اللجان بتنسيق وثيق مع مدير الدارات بوزارة التربية، المفتشالسيد بابكر صمب، على إعداد الوثائق المرجعية اللازمة لتنظيم الجلسات، من مذكرات منهجية وخارطة طريق وغيرها، كما نظمت مشاورات واسعة وشاملة ضمّت مختلف الأطراف المعنية، من معلمي القرآن وأصحاب الدارات والشيوخ والسلطات المحلية والمفتشين وأولياء المتعلمين وغيرهم.
وقد انطلقت هذه المشاورات على مستوى البلديات (557 بلدية)، بمشاركة فاقت 28,000 شخص، وتمحورت حول قضايا أساسية شملت المفاهيم والغايات والتوجهات المرتبطة بالدار، إضافة إلى الحوكمة والتمويل والبيئة المعيشية والدراسية، والمناهج، والتكوين، والاندماج، وتوظيف المعلمين.
وعقب ذلك، جُمعت مخرجات هذه المشاورات في تقارير جهوية على مستوى المقاطعات، ثم في تقارير إقليمية. وقامت لجنة الدعم العلمي بتحليل هذه التقارير، إلى جانب المساهمات الواردة عبر المنصة الإلكترونية والمقدمة من بعض الجمعيات والمؤسسات، وصياغتها في تقرير وطني أولي شامل.
وفي يومي 29 و30 مارس، انعقدت الجلسات الوطنية بفندق كنغ فهد بالاس بدكار، بمشاركة نحو 400 مشارك، واختُتمت باعتماد المخرجات النهائية، بحضور معالي الوزير الأول السيد عثمان سونكو، ووزير التربية الوطنية، إلى جانب عدد من الشخصيات البارزة.
ومن المنتظر تقديم هذه المخرجات إلى فخامة رئيس الجمهورية بمناسبة اليوم الوطني للدارات.
وقد عرفت هذه الجلسات التاريخية إقبالاً واهتماماً كبيرين من طرف مكوّنات قطاع الدارات، وفتحت آفاقاً واعدة نحو تطويرها بما يحفظ هويتها وأصالتها، ويعزز إسهامها في تطوير النظام التربوي السنغالي وخدمة المجتمع بصفة عامة.