السبت، 28 فبراير 2026

شروط تحقيق الأمل في المنظور الخديمي

 ينتاب الإنسانَ أحوالٌ وجدانية وشعورية مختلفة؛ بعضها يشكّل طاقةً محفِّزة وقوةً دافعة نحو العمل والإنتاج والتقدم المادي والمعنوي، وبعضها يسبب التراخي والتسيّب ويثبّط الهمم. ومن الصنف الأول "الأمل" إذا فُهم حقَّ الفهم ووُظِّف للانطلاق نحو بلوغ الغايات الدينية والدنيوية. أما إذا لم يُفهم على وجهه الصحيح فإنه يتحول إلى أمنية مجردة لا قيمة عملية لها. وهذا المفهوم له حضور لافت في كتابات الشيخ أحمد الخديم رضي الله تعالى عنه. وفي هذه السطور نحاول تجلية الشروط التي تجعل الأمل منتجًا، والحالات التي تحوّله إلى سبب للفشل والخيبة، من خلال نصوص الشيخ.

إن الشيخ الخديم حين يتناول الأمل في كتاباته إنما يتناوله من منظور تربوي صوفي؛ إذ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسير إلى الله تعالى وحسن الظن به، وهو ضد اليأس والقنوط من رحمة الله. والمتأمل في تلك الكتابات يلاحظ أن الأمل، في رؤية الشيخ، ليس مجرد شعور وجداني، وليس تهرّبًا من الواقع، بل يتأسس على سلوك واعٍ، ويرتكز على دافعية حقيقية، وتطلّع صادق نحو غايات سامية، وطموحٍ في مصير مشرق.

ومن هنا نلاحظ أن الشيخ يربط دائمًا الأمل بالعمل الصالح المبني على العلم والمعرفة الصحيحة. يقول في قصيدته المقيدة بحروف "يوم عاشوراء":

مدَّ لي العلمَ الصحيحَ والعمل          الصالحَ الذي يقودُ لي الأملْ

ويقول في قصيدته "عصمة جميع المعصومين":

مننتَ بالعلم الصحيح والعمل       الصالحِ الذي يُحقِّقُ الأملْ

فالشيخ لم يُطلق هنا العمل الذي يحقق الآمال، بل قيّده بالصالح وقرنه بالعلم الصحيح، ووضع الأمل بهذا المنظور في إطاره الصحيح؛ لأن الأمل من دون الأخذ بالأسباب الواقعية يثمر غرورًا، أو يمثّل حالة نفسية وأخلاقية تقوم على خداع النفس ورؤية الأشياء على خلاف حقيقتها، ويؤدي إلى الدوران في حلقة مفرغة. ومن أمثلة هذه الحالة أن يرجو الإنسان الفوز بالسعادة الأخروية دون سلوك الطريق المؤدي إليها. وفي هذا المعنى يقول:

رجاءُ جنةٍ بلا طاعــــــــــــات         بسنةِ الماحي غرورٌ يأتي

ويؤكد الشيخ في مواضع أخرى شرطية العمل في تحقق الأمل، فيقول في مسالك الجنان:

ومنه يُعرفُ الرجاءُ وهو الأملْ         بأخذِ أسبابٍ بإكثارِ العملِ

ومن ابتهالاته في قصيدته "نور الدارين":

وهبْ لي العلمَ الصحيحَ والعمل          الصالحَ الذي يُكمِّلُ الأملْ

وهكذا يتضح جليًّا أن الأمل المنتج عند الشيخ لا يستند إلى التراخي والتسيّب والتواكل، بل إلى العلم الصحيح والعمل الصالح، وهما الشرطان الأساسيان لتحقيق آمال الإنسان في مختلف مجالات الحياة.

ومن ناحية أخرى، يرد في كلام الشيخ بشكل متكرر التحذيرُ من طول الأمل، باعتباره عائقًا للعمل ومثبِّطًا للهمم. ويمكن أن يُفهم من هذا التحذير ضرورةُ التخطيط للوصول إلى الأهداف المنشودة، وهو ما يتقاطع مع الفكرة الحديثة في عالم التدبير والحسابات، وهي "أفق التوقعات"؛ فكلما بعُد أفق التوقعات قلّت دقة النتائج.

فإطلاق العنان للآمال وتطويلها بلا حدود معقولة يثني عن العمل كليًّا أو يؤدي إلى إساءته. وفي ذلك يقول الشيخ في "مغالق النيران":

فلتقطعوا التسويفَ قصِّروا الأملْ             إذ دونَ ذينِ ليس يُمكنُ العملْ

ويقول في "إلهام الودود":

وقَصِّرِ الأملَ إذ طولُ الأملْ             يُفضي المطيعينَ إلى سوءِ العملِ

ويمكن في النهاية أن نستنتج من هذه الرؤية الخديمية أن صناعة الأمل أو إحياءه لا بد أن تمر عبر خلق شروطه؛ فالخطوة الأولى أن تكون للإنسان أهداف نبيلة واضحة، ومعرفة صحيحة تمكّنه من القيام بالعمل الصالح. وبتوفر هذين الشرطين يكون للأمل معنى، ولا يتحول إلى أمنية فارغة. وأي استراتيجية لصناعة الأمل – في سياق السعي لتحقيق السِّلم – تبدأ بالضرورة بالتربية الصحيحة، والتكوين الجيد، وخلق فرص للعمل.

 

د. سام بوسو عبد الرحمن

نواكشوط 11 فبرائر 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شروط تحقيق الأمل في المنظور الخديمي

  ينتاب الإنسانَ أحوالٌ وجدانية وشعورية مختلفة؛ بعضها يشكّل طاقةً محفِّزة وقوةً دافعة نحو العمل والإنتاج والتقدم المادي والمعنوي، وبعضها يسب...