الثلاثاء، 1 سبتمبر 2009

ركعتا الشيخ أحمد بمب في مكتب الحاكم باندر مغزى ودروس *

يعتاد المريدون في مثل هذه الأيام الاحتفال بذكري حدث تاريخي وديني يتمثل في قيام الشيخ الخديم بأداء ركعتين في مكتب الحاكم الفرنسي بمدينة اندر (سانت لويس) في اليوم الخامس من سبتمبر ١٨٩٥م قبيل محاكمته. وتُعتبر هذه الواقعة سابقة تاريخية لها دلالات وأبعاد كبيرة بالنظر إلى ما كانت تتمتع به السلطة الفرنسية المستعمرة من الهيبة أمام أعين الأفارقة، ولما كانت تشتهر به من ممارسات ترهيبية ضد الشيوخ المسلمين.

مغزى الركعتين :

إن ركعتي الشيخ داخل مكتب الحاكم العام للمستعمرة الفرنسية بمدينة اندر لحدث تاريخي جلل له دلالات عميقة حسب منطق الإنسان العادي الذي يحلل الأحداث تحليلا تاريخيا ضمن سياقه الاجتماعي والسياسي، لاشك في ذلك ؛غير أنه لا تعتبر هذه الواقعة أمرا غير عادي بالنظر إلى رؤية الشيخ ومنطقه ومبادئه.
فالشيخ الخديم في حقيقة الأمر، منسجم مع نفسه في كتاباته وتعاليمه وحياته العملية ولا تخالف أفعاله أقواله.وقد أوضح منذ بداياته إعراضه عن الدنيا وإقباله إلى الله وتوكله عليه يقول  رضي الله عنه:
        قالوا اركن لأبواب السلاطـــين *** تحز جوائز تغني كــلـما حـــــــين
        فقلت حسبي ربي واكتفيـت به *** فلستُ راضيَ غير العلم والـديـــن
       فلست أخشى ولا أرجو سوى ملكي*** لأنـــه جل يغنــيني وينحيـني
وكتب بعد ذلك في مسالك الجنان "
      وكل ما أصابنا لم يكن *** يريد أن يخطئنا في الزمن
      وكل ما أخطأنا لم يكن *** يريد أن يصيبنا من محن
        فثق به ثم عليه اتكـلا *** وعنك دع تذبذبا ووجــــــلا
كان الشيخ يعيش في هذا الحال من التوحيد الرائع، فلم يكن يفرق بين السلاطين والسوقة، وقد اعتاد أن يصلي في أي محل نزل فيه ولا يميز في ذلك بين مكتب الحاكم أو منزل مريد من مريديه. 

دروس من الحدث

وعلى كل حال يرى المريون في هذه الحدث بعدا دينيا وتاريخيا ينبغي تخليد ذكراه على مر السنيين، وعلى هذا الأساس تعتبر المناسبة فرصة لتأمل هذا الواقعة ولاستخلاص دروس منها. ومما يمكن استفادته من دروس ما يلي:

أولا: أن التوكل على الله والثقة به هو الذي يعطي للإنسان حريته ، فإذا كان المؤمن متوكلا على الله حق توكله وواثقا به فإنه يتحرر من رق الخوف من 
غير الله تعالى كما يتخلص من عبودية غيره  كالمادة والهوى والجاه ، وقد يكون الإنسان في الواقع حرا تجاه الخلق ، ولكنه يظل عبدا لهواه أو لحب الجاه أو لشهوته ، يقول تعالى " أفرأيت من اتخذ إلهه وأضله الله على علم " [ الجاثية 23] وقال عليه السلام " ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى "

ثانيا : أكد الشيخ بفعله أنه يقابل مكائد المستعمرين وتهديداتهم وعنفهم بسلاح التقوى والتوجه إلى الله، وقد أثبت التاريخي أن الوسائل السلمية هي أفضل وسيلة إلى تحقيق الأهداف ، وقد قدم الشيخ هذا الدرس قبل مائة سنة قبل غاندي ولوثر بكثير.

ثالثا: من المعروف أن أكبر التحديات أمام أصحاب الثقافات والعقائد والتقاليد هي الاندماج في ما يسمى بالعولمة ومسايرة الاقتصاد العالمي دون الذوبان وفقدان الهوية .
وأفضل وسيلة لرفع هذا التحدي هو الدرس الذي قدمه الشيخ في رسوخ الإيمان بالله والثقة بالنفس وعدم الخوف والتردد أمام شرقي أو غربي ، والإيمان بعالمية عقيدته.
فهذه بعض من الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا الحدث التاريخي الذي يمكن أن يكون في المستقبل موضوع دراسة أوسع وأكثر عمقا .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
سام بوسو عبد الرحمن

هذا المقال ملخص من محاضرة ألقيتها حول المناسبة بمدينة سانت لويس بالولايات المتحدة الأمريكية يوم ٥ سبتمير ٢٠٠٤ حول مغرى الركعتين وبعض دروسهما.

الخميس، 30 يوليو 2009

كلمة وفد الطريقة المريدية في الملتقي الصوفي بمراكش، المملكة المغربية

نظمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، تحت رعاية جلالة الملك محمد السادس، اللقاء الثاني من " لقاءات سيدي شيكر للمنتسبين إلى التصوف" من ١٠ إلى ١٢ يوليو ٢٠٠٩.
وقد مثل الطريقة المريدية في هذا اللقاء وفد يتكون من السادة : شيخنا امباكي بن الشيخ محمد الأمين بار وسام بوسو عبد الرحمن ومرتضى بوسو إمام وعبد الصمد امباكي وعبد الأحد جن.
وباسم الوفد ألقيت كلمة وجيزة حول الطريقة المريدية ومؤسسها وذيلتها بسبعة أبيات مرتجلة عن اللقاء. وفيما يلي نص الكلمة مع الأبيات:

لحمد لله وحده ،والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛
معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية،
السادة أصحاب الفضيلة، مشايخ الطرق الصوفية.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أتناول الكلمة في هذه الجلسة الكريمة باسم الوفد القادم من مدينة طوبى، الممثل للطريقة المريدية في هذا اللقاء الميمون.
فالطريقة المريدية طريقة صوفية أسسها الشيخ محمد بن محمد بن حبيب الله المشهور بالشيخ أحمد بَمْبَا خدبم الرسول – صلى الله عليه وسلم – في نهاية القرن التاسع عشر في منطقة السنغال بأفريقيا الغربية.

وهي طريقة مبنية على أسس التوحيد والعبادة والتزكية؛ أي على الإيمان والإسلام والإحسان، يقول الشيخ :
أدعـو إلى الإلـه بالتوحـيد والفقه عن تصوف مجـيد

والتصوف عند الشيخ المؤسس هو العمل الخالص المبني على العلم الذي يثمر الصفاء وحسن الخلق
فالحاصل الصوفي عالم عمل بعلمه حقيقة ولم يمــل

وصار صافيا من الأكــدار ممتلئ القلب من الأنوار

وقد كانت لمنهج الشيخ الخديم في الدعوة والتربية آثارا قوية وعميقة في نفوس الشعوب أثارت حفيظة المستعمرين الفرنسيين، فاضطهدوه، ونفوه عن أرضه وأهله وأتباعه، فصبر وثابر، ولم يلجأ إلى استعمال العنف في مواجهتهم، بل تبنى جهادا سلمية، ومقاومة ثقافية. يقول في إحدى قصائده رادا على تهمة أنه يعد لجهاد مسلح :
إني أجاهد بالعلــوم وبالتقـي عبدا خديما والمهيمن شاهـد
ولذا، كان الشيخ سباقا إلى مبدإ اللاعنف، ولم يكتف بذلك بل عفا عن هؤلاء الذين اضطهدوه ونفوه، فقال:
عفوت عن الأعداء طرا لوجه من نفاهم لغيري سرمدا لست أدفع

ومن أبرز جهود الشيخ إلى جانب مكافحة الاستعمار سعيه لتوحيد المسلمين بقلمه وممارساته؛ فقد عمل على توحيد صف المسلمين، وتلاحم الطرق الصوفية من أجل تحقيق الغاية السامية المشتركة، يقول في كتابه (مسالك الجنان):
فكـل ورد يــورد المريـــــدا لحضـرة الله ولـن يحــيـــــــدا

سواء انتمى إلى الجـــيلاني أو انتمى لأحـمد التيجــاني

أو لسواهما مـن الأقطـــاب إذ كلهم قطعا على الصـواب

وباسم الطريقة المريدية يوجه الوفد الممثل لها برئاسة ابن الخليفة ومستشاره للشؤون الخارجية السيد شيخنا امباكي، شكرا جزيلا خالصا إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس – نصره الله – على رعايته السامية لهذا المؤتمر سائلا الله أن يجازيه عن الإسلام والأمة خير الجزاء. كما يتوجه بالشكر الجزيل إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على تنظيمها الناجح لهذا اللقاء الثاني من " لقاءات سيدي شيكر العالمية للمنتسبين إلى التصوف "، فهذا اللقاء يجسد ذلك الفكر الوحدوي لشيخنا أحمد بمبا الذي عبر عنه في الأبيات المذكورة سلفا.

وفي الختام أستسمحكم بأن أقرأ على أسماعكم أبياتا سبعة نظمتها عن هذا اللقاء الميمون تبركا بأولياء مراكش السبعة – رضوان الله تعالى عليهم، وهي:

لِقَاءُ أَحِبَاءِ الجَــلِيلِ ضُــــيُـــــوفِــــــــــهِ عَلَى أَرْضِ إِخْلاَصٍ وَحُبٍّ بِمَغْربِ
لقَاءٌ تَجَلَّتْ فِــــيهِ رُوحُ مَحـَـبَّـــــــــةٍ مِنَ المَلِكِ الرَّاعِي لأَهْلِ التَّــقَـرُّبِ
لِقَــاءٌ يُغَــذِّي قَلْبَ كُلِّ مُوَحِّـــــــــــدٍ يَرُومُ رضَى المَوْلَى بِكُلِّ تَــــــأَدُّبِ
لِقَاءٌ سَيُرْضِي اللهَ وَالْمُصْطَفَى النَّـبِي وَيُغْضِبُ شَيْطَانًا وَأَهْلَ التَّعَصُّـبِ
لِقَاءٌ يُجَلِّي قِيمَةَ الصِّـدْقِ وَالوَفـَــــا مَعَ الزُّهْـدِ وَالإِيثـَار دُونَ تَذَبْذُبِ
مَنـَارٌ لإِخْـوَانٍ لَهُمْ هِـمَـمٌ عَـــــلَـــتْ يَشـِـعُّ بِنُورِ اللهِ فِي كُلِّ مَـــــذْهَبِ
رَعَـى اللهُ مَـنْ يَرْعَـى لِقَاءَ مَـــــــوَدَّةٍ بِأَرْضِ رِجَـالٍ سَبْعَةٍ ذَاتِ مَنْصِبِ

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجمعة، 29 مايو 2009

المريدية والسياسة ... نظرة مستقبلية

إن علاقة الطريقة المريدية بالسياسية تعتبر من القضايا التي حظيت بقدر لا بأس به من الدراسة والتحليل من المنظور التاريخي، ولكن مسألة العمل السياسي في إطار مشروع إستراتيجي خاص، لم تطرح كثيرا من قبل المريدين أنفسهم، وإن وُجد لدى بعضهم شعور بضرورة التحرك في هذا المجال. ومن هنا ينبغي طرح الخيارت المحتملة أمام المريدية في ظل الحياة السياسية الراهنة و التطورات الحالية.

ففي واقع الأمر، لم تكن المريدية، منذ ولادتها، بمعزل عن الحياة السياسية في السنغال؛ بل ما زال ولم يزل حضورها قويا في المسرح السياسي. بيد أنه لم توجد، بشكل جلي، مؤشرات تدل على وجود محاولات، أو نية مبية، لدى زعماء الطريقة، لتوصيل أبنائها إلى سدة الحكم أو لمزاولة السلطة بأنفسهم بصفة مباشرة؛ وإنما كانت لهم مواقف سياسية تمليها عليهم الظروف أوالأوضاع.

و قد اختلفت آراء المحللين في تقييم تلك المواقف؛ فمنهم من يرى لها مبررات مقبولة باعتبارها «مواقف تمليها المصالح الاستيراتيجية للسنغال وللمريدية »(الباحث شعيب كيبي، المريدية والسياسة، ٢٠٠٩)، ومنهم من يرى أن الساسة، في الحقيقة، هم الذين نجحوا أحيانا في استغلال نفوذ "الشيوخ" لخدمة مطامحهم السياسية دون أن يكون لهؤلاء تأثير حقيقي في القرار الساسي أو في توجهات الأنظمة الحاكمة. ومن المراقبين الأجانب من يعلل علاقة الشيوخ بالسلطة بالنفعية الآنية المتبادلة بين الطرفين، وخاصة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي (المريدون بين الطوباوية والرأسمالية، سوفي بافا و دانيال بليتراخ، لو موند دبلوملتيك، نوفمبر ١٩٩٥)

وفي السنوات الأخيرة، وبناء على التطورات الديمقراطية والتغيرات الطارئة في الحقل السياسي، لوحظت وجوه بارزة تنتسب للمريدية تتقلد مناصب عليا في الدولة ( رئاسة الدولة، رئاسة مجلس الشعب ومجلس الشيوخ، الوزارات ...)، كما بدأ المريدون العاملون في بعض الإدارات الحكومية يتحررون شيئا فشيئا من ربقة الخوف من إظهار هويتهم المريدية على الملأ.

ولكن وصول بعض أبناء الطريقة إلى مناصب عليا في الدولة، سواء كان بجهودهم السياسية الفردية، أو بمساعدة من زعمائها – وإن ساهمت في كسر بعض الحواجر المعنوية - لم يفد الطريقة إفادة كبيرة، في رأينا، لا من الناحية المادية، من حيث توفير أو تعزيز مؤسسات تربوية وثقافية واقتصاية واجتماعية، تجر النفع لأبناء الوطن بشكل عام وللمريدين بشكل خاص، وتسهم في إصلاح المجتمع، ولا من الناحية المعنوية، من حيث تجسيد قيم المريدية وتعاليمها عبر أعمالهم الإدارية وممارساتهم اليومية. وقد يتولد من ذلك إحساس لدى بعض المريدين بعدم جدوى تأييدهم لأشخاص يدعون التعلق بالشيخ الخديم دون أي التزام بتعاليمه، في سلوكهم ومعاملاتهم.

ومن ناحية أخرى، ظهر في موقف الخلافة المريدية، خلال العقدين الأخيرين، نوع من الحياد تجاه القوى السياسية المتنافسة التي كانت تسعى لخطب وُدها في المواسم الانتخابية، الأمر الذي أعطى انطباعا لعديد من الأتباع بأن لهم استقلالا كاملا في خياراتهم السياسية، في الوقت الذي ازدادت قناعاتهم بقوة تأثير أصواتهم الانتخابية؛ وأصبح الصوت الانتخابي سلاحا يُشهر أمام السلطات المنتخبة في حالة فشلها في إيجاد حلول مرضية للمشكلات الاقتصادية المعضلة.

وفي ظل هذه الظروف التي تبشر بمزيد من الانفتاح في المناخ السياسي، وتنذر في الوقت نفسه بمزيد من التأزم في الأوضاع الاقتصادية، وتشهد تفجر المعلومات بفضل التكنولوجيات الجديدة ووسائل الإعلام المختلفة، أصبح من اللازم، في نظرى، مراجعة علاقة المريدية بالسياسية ومحاولة تحديدها بشكل إجرائي.

وهنا تأتي عدة تساؤلات: هل تتبنى الطريقة موقف الحياد وعدم التدخل في الشؤون السياسية مع إطلاق سراح أتباعها للتحرك داخل الأحزاب السياسية المختلفة، حسبما تمليه عليهم مصالحهم وقناعاتهم الشخصية؟ أم تتدخل في الشؤون السياسية لتأييد الأطراف التي ترى في تأييدها مصلحة لأبنائها وللوطن فتساعدها بنفوذها وقوتها، على الوصول إلى السلطة أوالبقاء عليها؟ أم تسعى إلى المشاركة الفعلية في العمل السياسي بغرض توصيل أبنائها إلى مراكز اتخاذ القرار؟ أم ...أم ؟

ومهما اختلفت وجهات النظر حول هذه المواقف فإني أرى من الضروريات الملحة، في ظل هذا المناخ السياسي، أن يعمل المهتمون بالسياسة وبمستقبل البلد من المريدين على بلورة وصياغة رؤية سياسية استراتجية متميزة، واضحة المعالم والأهداف، مبنية علي أصول المريدية وتعاليمها، وذلك لعدة أسباب منها:

أولا: أن المريدية، بما فيها من تعاليم ومبادئ وقيم، يمكن أن تكون مرجعية لتحديد سياسات تربوية واقتصادية واجتماعية وبيئية تلبي مطالب المواطنين على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم، وتشكل أساسا لتنمية البلاد تنمية شاملة.

ثانيا: أن المريدية تزخر في المجالات المختلفة بالكفاءات اللازمة القادرة على بلورة رؤية استراتجية أصيلة تمثل إطارا جيدا لتوحيد وتنسيق جهودها، وتضع في اعتبارها التحديات التربوية والاقتصادية والاجتماعية... التي تواجه المريدين بشكل خاص والمواطنين بشكل عام.

ثاليا: أن غياب رؤية استراتجية واضحة المعالم للمريدية تجاه الشأن السياسي قد يفسح المجال لاستغلال عواطف ومشاعر جمهور غفير من المريدين لتحقيق مكاسب سياسية شخصية باسم الطريقة على حساب المصلحة العامة، وفي ذلك خطورة كبيرة تتمثل في تحميل المريدية فشل أشخاص يحسبون عليها ولا يجسدون تعاليمها.

رابعا: أنه سيكون من الصعب توعية العامة في المريدية بهدف تعبئتها وتوحيد كلمتها سياسيا في المستقبل، إذا لم تتضح المبادئ أوالرسالة التي يجب أن تتحرك من أجلها أو تدافع عنها والتي تمثل معايير لاختيار من يمثلونهم؛ الأمر الذي قد يحول هؤلاء العامة إلي لعبة تتلاعب بها الأطراف المتنافسة على السلطة، أو إلى سلعة في أيدي ذوى النفوذ الطامعين.

هذه بعض من الأسباب التي تجعل عملية إعادة النظر في العلاقة بين المريدية والسياسة ضرورة ملحة، وخاصة في هذا الوقت الذي ينكب فيه المفكرون والساسة والمجتمع المدني على وضع تصورات مستقبلية حول مصير البلد في مختلف مجالات الحياة.
ولا أعتقد أن للمريدية، أو لغيرها من القوى الدينية، محلا في اعتبارات هؤلاء وتصوراتهم، إن لم يكن محاولة لإقصائها عن المسرح السياسي وعن دوائر اتخاذ القرار، بدليل تشبثهم بعلمانية الدولة واستماتتهم في حمايتها وتأكيدها وتخليدها.

فالظروف إذن حاسمة ومصيرية، وليست وقتا لأحلام اليقظة أو للتلاعب بالعواطف والخيالات أو للجري وراء المصالح الشخصية الآنية، وإنما للتفكير الجاد وللسعي الحثيث نحو إيجاد وبلورة استراتجية بناءة واضحة في مختلف المجالات ولا سيما في المجال السياسي الذي – شئنا أم أبينا - يتحكم في جميع المجالات الأخرى ويحدد مصيرها أو يؤثرفيه بشكل واسع.

بقلم / سام بوسو عبد الرحمن
تياس مايو ٢٠٠٩
تعليق للأخ المفتش هارون انيانغ

الاثنين، 9 فبراير 2009

وقفة مع قصيدة القاضي مَجاخاتي كالا

بقلم / سام بوسو عبد الرحمن
قال القاضي :

1. مُربَّونَ قَدْ غَضُّوا مِنَ اصْواتِهم غَضَّا﹡كأبصارِهِم حتى يُظَنُّوا معًا مَرْضَـى
2. أرَادوا أطبآ أوْ مساكينَ هَمَّهـــــم ﹡ذَوُو صدقاتٍ مُقرضوا رَبِّهم قَرْضَــــــا
3. فلمَّا أَدَرْنَا بَيننا القولَ ســــــاعـــةً ﹡ عرضــتُ عليهمْ خدمـةً كَبُرَتْ عَرْضًا
4. فَهَانَ عليهم عَرضُهَا وتَنـَـــاوَلُـــوا﹡فؤوسًا بأيدي أقويآ قبضوا قبْضـــــا
5. فـغابوا وأصواتُ المعــاول لم تغِبْ ﹡كأسيافِ بدرٍ يومَ حقُّ النبي قد ضَـآ
6.وأمُّوا فـــلاةَ الأرض أيــة غيضـــــةٍ﹡كثيرة أشجارٍ مُشقَّقة الأعـــضـــــــآ
7. وولوا حُـفــاةً لم يكونوا لـــــيعبـــأوا﹡بِحَرٍّ وشوكٍ بلْ بمَنْ حكمُه مُمْضـــَى
8. ولم يَلـــقَ منهم واحدٌ أجنبــــيـــــةًتحاذيه إلا وهْــوَ أطرقَ أو أغْضـــــَى
9. وما رفعوا الأصواتَ إلا بذكرِهم ﹡وما أخَّروا الأوقاتَ نفلاً ولا فــرضــا
10. وتاللهِ لو أن المربِّيَ قـادهــــــم﹡ليَنفوا عن الأرضِ العِدَى زلزلوا الأرضا


مناسبة القصيدة
حرر الشاعر الكبير المفلق قاضي مجخت كالا هذه الأبيات لوصف مريدي الشيخ أحمد بامبا ومدحِهم، حين مدُّوا إليه يدَ العون في حقوله.

تحليل الأبيات

عرض الشاعر في هذه الأبيات العشرة فِلْمًا قصيرا وغنيا بالمعاني السامية، ضمَّنه مشاهد رائعة، وصورا ناطقة، ليقدم وصفا لمجموعة من مريدي الشيخ الخديم، رضي الله عنه، منوِّها بما قاموا به من عمل بطولي، وبما تحلوا به من خصال حميدة، والتزموا به من آداب سلوكية حسنة، وذلك بأسلوب أدبي بليغ ومحكم.

وقد أتقن الشاعرُ حبكَ فِلْمِه بتسلسل منطقي جميل وأخاذ؛ استهله بوصف هؤلاء المريدين بأنهم "مُرَبَّوْنَ" تربية حسنة ظهرت آثارُها في سلوكهم ومعاملاتهم، فهم يلتزمون غضَّ أبصارهم وخفضَ أصواتهم حتى يُخيَّل إلى من لم يطلع علي حقيقتهم، أنهم إما "مرضى" ضعفاء، يلتمسون أطباء معالجين، وإما "مساكين" معوزون يترقبون وصولَ من يتصدق عليهم ويحسن إليهم.
ولكن، سرعان ما تبدد لديه هذا الانطباع الأول، حين باشرهم وتعامل معهم؛ فقدا اكتشف فيهم شجاعةً فائقة وسرعة استجابةٍ مذهلةً، فلم يتردد هؤلاء المربون في قبول ما عرضه عليهم من خدمة جليلة وكبيرةٍ في عينه، بل استصغروا تلك الخدمة المطلوبة منهم، "فهان عليهم عرضها".
ثم شرع الكاتب في إبراز صفاتِ الرجولة والقوة والإقدام، عند تأهُّبِهم وانطلاقِهم السريع إلى العمل: تناولوا فؤوسا بقوة وثبات، وتوجهوا إلى الغابة الكثيفة، فغابت أشخاصهم من بين الأشجار الكثيرة الوارفة، ولكن أصواتَ معاولهم لم تزل تطرق الأسماعَ لقوة الضرب وتواليه؛ فهي تعمل عملها في تقطيع الأشجار بشدةٍ تُذَكِّرُ بسيوف المجاهدين يوم معركة بدر الكبرى. وتتجلى سرعةُ الحركة وشدة القوة وعلو الهمة في الأفعال المستخدمة بصيغة الماضي" تناولوا فؤوسا، قبضوا قبضا، أمّوا فلاة الأرض، ولوا حفاة".

وما أقوي تحملهم وجلدهم ومثابرتهم! فلم يكترثوا، وهم راجلون حفاةٌ، بشدة حرارة الأرض ولا بكثرة الأشواك وحدتها؛ لا لأنهم فقدوا الشعور والإحساس، ولكن دوافعهم الإيمانيةَ أذهلتهم، واستحوذ عليهم استحضارُ عظمةِ مَن لا يُرَدُّ حكمه سبحانه وتعالى.

وهذه الروح الإيمانية، إلى جانب التربية، هي التي أثمرت فيهم العفةََ والالتزامَ بحفظ الجوارح، وخاصة العين واللسان، عن مخالفة أوامر الله تعالى، ولذا لا يُصوِّبون بصرهم نحو امرأة أجنبية يلقونها، ولا يرفعون صوتهم إلا أثناء ذكر الله تعالى، ولا يلهيهم تحمسُهم للعمل الذي هم مكبون عليه عن أداء الصلوات المفروضة والمسنونة في أوقاتها.

وفي ختام هذا المشهد الرائع، أظهر الشاعرُ انبهارَه، وأتي بحكم استخلصه من واقع تعاملهم مع هؤلاء المريدين الهيِّنين الليِّنين في مظهرهم، والأقوياء الأشداء في مخبرهم؛ فأقسم بالله بأنه لا يعجزهم شيء أمرهم به مربيهم؛ فلو قادهم لمحاربة الأعداء ولإخراجهم من المنطقة لزلزلوا الأرض من تحت أرجلهم! وكلمة "قادهم" توحي بملازمتهم امتثال أوامر مربيهم.

ولقد أحكم شاعرنا المُفلق تصويرَ مشاهده بأسلوب سردي سلس، لا تكلف فيه ولا غموض؛ فجاءت الصور البيانية بانسياب وتناسق، كما في تشبيه المعاول وحركاتها المتتابعة بسيوف المجاهدين يوم معركة بدر الكبرى!

وما أعجب وأحسن التقابلَ بين صورة المطلع المفعمة بمعاني اللباقة والرقة والليونة وصورة المنتهى التي كلها قوةٌ وشجاعةٌ وإقدامٌ!.
قارن إن شئت بين العبارتين " غضوا من أبصارهم" في البداية و"زلزلوا الأرض" في النهاية.

وهكذا تكون شخصيةُ المريدِ الكامل التربية: أدبٌ في المعاملة، وجديةٌ في العمل، والتزامٌ في السلوك، ومواظبةٌ في العبادات، وشجاعةٌ في جميع المواقف، كما رسمها شاعرنا رحمه الله تعالى بهذه الروعة وهذا الإتقان.

سام بوسو عبد الرحمن

الأربعاء، 14 يناير 2009

تعليق وجيز على كتاب الدكتور أحمد لوح

كيف نعيد للمسجد مكانته؟

[وأي مسجد يعنى الكاتب !
]
قرأت، منذ فترة، الكتاب الذي يحمل عنوان "كيف نعيد للمسجد مكانته" فوجدته قيما ومفيدا في موضوعه؛ فقد تناول فيه المؤلف البارز الدكتور أحمد لوح، بأسلوب واضح سلس ومحكم، مسائلَ عديدة تتعلق بالمسجد وأحكامه وبقضايا متصلة به، ووثقها بأدلة قوية ووجيهة. و منهجية صاحبنا في الكتاب تنِمُّ، بحق، عن مقدرة وحنكة وعمق في التفكير.

ولكني قدا ستوقفني المنهج الذي يقترح المؤلف أن يُدرس في المساجد، لأنه اختار كتبا ينتمي أصحابها جلهم إلى مدرسة فكرية معروفة تسمي نفسها "السلفية" ويسميها آخرون "الوهابية" نسبة إلى الشيخ محمد عبد الوهاب الشهير (رحمه الله).

وهذه المدرسة معروفة بعدائها السافر لكل ما يمت إلي الأشعرية والصوفية بصلة، وقد وصل الأمر ببعض أفرادها إلى إقصاء هاتين الطائفتين من زمرة أهل السنة والجماعة آتين في ذلك بقطيعة إبستيمولوجية سافرة وبتفنيد تحَكُّمي لما هو معروف في تاريخ الفكر الإسلامي ومُدَرسٌ فى أغلب مدارس وجامعات العالم الإسلامي من أن الأشعرية والماتريدية هما التياران المجَسِّدان، في علم التوحيد، لمذهب أهل السنة والجماعة، وأن الصوفية ليست مقابلة لطائفة أهل السنة والجماعة بدليل أن عديدا من عمالقة هذه الفرقة - بل ومن بين العلماء الحنابلة الأجلاء - وربما غالبيتهم، كانوا صوفيين حقيقيين.


وما يُهمنى قوله حول المنهج المقترح في الكتاب هو أنه : إذا كانت "أل" المصاحبة لكلمة المسجد عهديةً تشير إلى مساجد أهل السعودية والمنتمين إليها فكريا، فلا غبار على المنهج، وأما إذا كانت للجنس لتعم الكلمة جميع مساجد العالم الإسلامي، فعندنا في السنغال مناهج أراها أكثر مواءمة لمساجدنا، ولا تقِل فعالية ونجاعة في تزويد رُواد مساجدنا هذه بالتربية الإسلامية الصحيحة المطلوبة. هذا، إذا لم يكن الهاجسُ الحقيقي وراء اقتراح المنهج تحويلَ مساجدنا إلي مراكز لنشر مذهب فكري معين!
سام بوسو عبد الرحمن

الاثنين، 5 يناير 2009

طوبى والحياة السياسية


كان الشيخ الخديم رضي الله عنه مدركا لأهمية البيئة الصالحة في كل مشروع تربوي حقيقيي. وقد وضع، فور إعلان دعوته - التي عرفت فيما بعد بالمريدية - في مقدمة أولوياته إيجادَ مكان ملائم يتسنَّى له فيه غرسُ مبادئه فيمن لبوا دعوته وتربيةُ الرعيل الأول من أتباعه؛ فحرص منذ اختياره لطوبى، هذا المحل الذي سوف يأوي حركته الإصلاحية الوليدة، على رسم الصورة التي يريدها له فضمنها قصيدته المشهورة مطلب الفوزين.
وقد رسَخَ في ذهنية المريدين جميعا أن لطوبى حرمتَها التي تُرعَى ومكانتها التي تراعى، وانصبت جهود خلفاء الشيخ المؤسس وكافةِ أبنائه وكبارِ أتباعه في رعاية هذه الحرمة وحمايتها من سائر أنواع الانتهاكات والسلوكيات غير اللائقة؛ فتميزت الحياة في المدينة المحروسة نسبيا بالهدوء والانسجام والصفاء مقارنةً مع الحياة في المدن الأخرى.
وتَوَفرت لأهل المدينة فرصة ذهبية ليقدموا للعالم نماذجَ يمكن الاحتذاءُ بها في ميادينَ مختلفةٍ من ميادين الحياة : التربية والاقتصاد و الإدارة ... وحتى السياسة.
ومن المؤسف حقا أنه، بدلا من تقديم نموذج لعملية سياسية هادئة ومهذبة مبنيةٍ على مبادئ خلقية دافعُها الحرصُ على خدمة المصلحة العامة وعلى المساهمة في تحقيق الأهداف التي كان الشيخ يتوخى تحقيقها في مدينته، نرى الآن جميعَ أمراض العملية السياسية السنغالية ومساوئها تبدأ في التغلغل داخل أوساط السياسيين الموجودين في المدينة، ومنها :
  • تبادل الاتهامات والشتائم وكلمات بذيئة،
  • استعمال أساليب عنيفة أحيانا لإسكات الخصم أو لإقصائه،
  • تحويل السياسة إلى مجرد عملية ارتزاق،
  • فقدان أي برنامج تنموي حقيقي.

وإذا كانت ممارسة السياسة حقا من حقوق المواطن يضمنها له دستور الدولة في أي مكان فلا مانع من احترام خصوصيات الأماكن التي تمارس فيها، وفي هذا الإطار نفهم بأن منع الأنشطة السياسية في طوبى يخص تلك الممارسات المنافية لحرمة المدينة والتي ترتكب باسم السياسة فأصبحت مرادفة لها.
وفي نظري قد حان الأوان لأصحاب القيم والغيورين على تعاليم الشيخ ومبادئه السامية أن ينظروا في شأن المشاركة السياسية - ولو على المستوى المحلي- سعيا منهم لتحقيق أمنية الشيخ وأهدافه التنموية والتربوية في طوبى، وحتى لا تتحول المدينة المحروسة إلى ألعوبة لمحترفي السياسة وهُواتِها الذين قد لا يتمتعون لا بالكفاءة ولا بالنزاهة الضروريتين للحفاظ على مصالح المدينة المحروسة ؟!!
سام بوسو عبد الرحمن
يناير ٢٠٠٩

مقالات ذات صلة



الخميس، 20 نوفمبر 2008

كيف يخرج المسلم من الأزمة الروحية والخلقية؟

محاضرة ألقيتُها في جامعة غاستون برجي
بمدينة سانت لويس السنغالية
سام بوسو عبد الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ووضع فيه قدرات جسمية وعقلية وروحية، وجعل له إرادة ليتمكن من تسخير هذه القدرات لتحقيق سعادة دنيوية وأخروية، ورسم له الطريق بواسطة الرسل عليهم السلام والكتب المنزلة " ليلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل"
و نظمت هذه الرسالاتُ، بتوجيهات وتعليمات إلهية، علاقات الإنسان بربه وبنفسه وببني جنسه، وبمراعاة هذه التوجيهات والقوانين الأخلاقية تتحقق للبشر التوازن النفسي والروحي والاجتماعي.
وقد يتحكم في البشر أهواء نفسية فتحرفه عن الجادة وتحول دون مراعاة هذه المبادئ فينزلق في هوة عميقة من الأزمات
وقد شهد العالم ومازال أزمات عديدة ومختلفة في الحدة والتعقيد، ولم تخل فترة من فترات الأزمات ممن يتصدون لها من فلاسفة ومفكرين أو دعاة مصلحين انطلاقا من معتقداتهم وخلفياتهم الفكرية.
وعالمُنا المعاصر، نظرا لطبيعته المعقدة، يشهد أشد الأزمات وأكثرها تعقيدا وأوسعها رقعة، فلم يكد مجتمع من المجتمعات يسلم من براثنها.
و التساؤل عن"السبل التي يمكن أن يسلكها المسلم أمام هذه الأزمة الخلقية والروحية في عالم يتسم بالفراغ" يأتي بالفعل في محله وفي وقته.
فما أجدر بالشباب المثقفين المومنين بالقيم الإسلامية أن يتناقشوا مثل هذه القضاياالحاسمة الملحة. فهؤلاء هم المستقبل وعليهم يتوقف مصير الأمة.

وسنحاول من خلال هذا العرض الموجز
  1. أن نرسم صورة تعكس بشكل مقتضب مظاهر الأزمة الروحية والخلقية في عالم اليوم،
  2. أن نتطرق إلى الأرضية الفلسفية والفكرية التي أنبتت بذور هذه الأزمة،
  3. أن نتعرض لما يمكن أن يكون مسلكا للنجاة من خضم هذه الأزمة ....
لعلنا نخرج من هذه القاعة بتصور أكثر وضوحا قد يساهم في توجيه سلوكنا للخروج من المأزق الذي يشهده العالم.

I.مظاهر الأزمة الروحية والخلقية

إن المجتمع الإنساني يتكون من أفراد وجماعات. ونواة المجتمع الأولى هي الأسرة، وفوقها مؤسسات أوسع من سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية.
وفي جميع هذه المستويات تبرز مؤشرات الأزمتين الروحية والخلقية.
على المستوى الفردي نجد:
  • تقديس الثروة المالية بشكل قد أدى بكثير من الناس إلى استعمال جميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة للحصول على الأموال الطائلة ويشهد لذلك تفشي ظاهرة القمار والدعارة وتجارة المخدرات وبيع الأطفال والجرائم المسلحة فالإحصائيات حول هذه الظواهر مروعة.

وفي أمريكا على سبيل المثال"يذكر ألين بيور وإيميل بيريز في كتابهما (أمريكا: العنف والجريمة) أن معدل الجريمة الأمريكية - مثلاً - طبقاً لسنة 1998م بلغ ما يلي:
1وقوع جريمة سرقة عادية كل 3 ثوان.
2وجريمة سطو كل 14 ثانية.
3وجريمة سرقة سيارة كل 25 ثانية.
4وجريمة سرقة مقرونة بالعنف كل 60 ثانية.
5وجريمة اغتصاب كل 6 دقائق.
6وجريمة قتل كل 31 دقيقة.

ويقدر إجمالي كلفة الجريمة العنيفة في الولايات المتحدة (عدا المخدرات) بأكثر من 700 بليون دولار سنويًّا، وهو مبلغ يجاوز إجمالي الدخل السنوي الفردي في نحو 120 دولة في العالم. "
ويقدر عدد المتعاطين للمخدرات بنحو أكثر من 12 مليون شخص في أمريكا وحدها. 1

  • نزعة فردية متزايدة بدأت تُغيِّب قيما اجتماعية عديدة كاحترام الآباء والمعلمين وكبار السن ومراعاة آداب التعامل مع الآخرين

وعلى المستوى الأسري نشهد :
  • تحولا في النسيج القيمي للأسرة فقد ظهرت تشكيلات عائلية متنوعة وغريبة كالأسرة المثلية ( أنثى/أنثى وذكر/ذكر). والشواذ حصلوا في عديد من الدول على اعتراف رسمي ومما نتج عن انهيار قيمة الأسرة كثرة الأطفال غير الشرعيين وتفشي الأمراض المعضلة كالإيدز وكثرة حالات الطلاق وغير ذلك. ففي فرنسا مثلا بلغت نسبة الولادة دون الزواج 40% من مجمل مواليد 1997.
  • والأخطر من ذلك أن الشذوذ تحول من انحراف إلى" خيار" والدعارة من ظاهرة لا أخلاقية إلى حالة قانونية.

على مستوى الحياة السياسية نلاحظ:
  • تفشي الفساد والرشوة على جميع القطاعات الحكومية في جميع الدول تقريبا.
  • تقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة لدى رجال السياسة.
  • سلوكيات غير أخلاقية: وعود كاذبة تبادل الشتائم والاتهامات.

على مستوى الحياة الاقتصادية تسود ممارسات لا أخلاقية مثل:
  • أعمال الغش من أجل تحقيق أرباح
  • وأعمال التجسس والتزوير في البضائع
  • التحايل على حقوق العاملين

على مستوى الحياة الدينية تبرز ظاهرة
  • النفاق والشكلية لدي كثير من المتدينين
  • حصر التدين على هامش الحياة العامة
  • عمليات التشهير والتشنيع بالمراجع والمقدسات الدينية
  • تفشي الشعوذة والتحايل

وهذه الظواهر تعكس الأزمة الخلقية والروحية التي يعيشها العالم، وبالتأمل نجد أن هذه الأزمة تنبت على أرضية فلسفية وفكرية جعلتها متنامية ومنتشرة في جميع مناطق العالم.


II.الأرضية الفلسفية والفكرية للأزمة الروحية والخلقية

الأزمة الروحية والخلقية لم تتولد اعتباطا أو عفويا وإنما نبتت في أرضية فلسفية خصبة وتوجهات فكرية فرضت سيطرتها على مناطق عدة في العالم بوسائل وطرق متعددة ومختلفة.
وستتضح لنا جذور الأزمة إذا وقفنا على هذه التيارات الفلسفية التي غيرت أنماطا الحياة في الغرب وشكلتها ثم أفرزت المشكلات السلوكية التي تعرضنا لها، ولذا نشير بدون الخوض في التفاصيل إلى الفلسفة المادية والفردية والبراغماتية. وهذه هي أهم التيارات الفلسفية وأقواها في عالمنا المعاصر.

1-المادية.
فهذه الفلسفة تستبعد وجود أي مبدأ روحي وتعتبر أن المادة هي الحقيقة الوحيدة في الوجود. فالماديون يرون أن الإنسان فوق قيمه لأنه وضعها.
وتؤدي هذه الفلسفة إلى الارتباط بالأشياء والممتلكات المادية وتقديم قيمة الثروة المالية على غيرها.
في عالم الصيرورة المادية لا توجد قيم تتجاوز سطح المادة وكل شيء خاضع للقانون المادي.

2- الفردية.

الفردية تيار فلسفي وسياسي يضع حقوق الفرد ومصالحه وقيمه فوق حقوق الجماعة ومصالحها وقيمها وقد وصل بعض المتطرفين في النزعة الفردية على رفض جميع أنواع السلطة وخاصة الحكومية والدينية ورفعوا الشعار الذي صاغه جان غراف 1854 ـ 1939(Jean Grave) وهو: لا رب ولا سيد فلا يتبع أحد سوى إرادته« Ni Dieu, ni maître, chacun n’obéit qu’à sa propre volonté2 فالحرية الفردية هي المقدمة فوق جميع الاعتبارات3

3- البراغماتية.

تعتبر البراغماتية أهم المدارس الفلسفية التي نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر، وتتميز بالإصرار على النتائج والمنفعة كمكونات أساسية للحقيقة، كما ترفض مفهوم الحقيقة والعقلانية والأخلاق، وتعارض كل الأفكار التي ليست لها تطبيقات عملية وبصفة خاصة ما يتعلق بالغيبيات. فالحقيقة بالنسبة إليهم أمر نسبي.

هذه الفلسفات التي أشرنا إليها هي التي توجه حياة الغالبية العظمى من الشعوب الغربية، وهي كما نرى تتعارض بشكل كبير مع الرؤى والمبادئ الإسلامية ومع ذلك قد تغلغلت داخل الشعوب المسلمة وانتقلت عدواها إلى البلاد الإسلامية.
وأصبحت النظم التربوية في بلاد المسلمين تتبنى نظريات تربوية منبثقة من هذه الفلسفات مع ما تترتب على ذلك من آثار في سلوك النشء.
وليس من الغرابة إذن أن يواجه المسلمون نفس المشاكل والأزمات التي يواجهها الغرب. وسؤالنا الآن : ما هو المخرج من هذه الأزمة؟


III.كيفية الخروج من هذه الأزمة

قبل أن أبدي تصوري لهذا الموضوع أود أن أشير إلى أن هذه القضية ليست قضية سهلة فقد كانت موضع اهتمام و جهود المصلحين والمربين، وما نشاهدها في العالم الإسلامي من حركات ودعوات إصلاحية في القرون الأخيرة إنما هي استجابة للأزمة الروحية والخلقية، ويمكن أن نصنف هذه الحركات والدعوات إلى ثلاث اتجاهات أو مدارس كبرى :

المدرسة الصوفية: وهي تتجه نحو تزكية النفس وتربية الروح وتصفية القلب من الأمراض سعيا نحو الوصول إلى المعرفة بالله؛ وتوجد طرق صوفية عديدة في مناطق العالم المختلفة.
المدرسة السلفية: وهي تركز جهودها على جانب العقيدة ومحاربة ما تسميها البدع والمحدثات وتميل إلى التمسك بحرفية النصوص؛ ولا يهتم أصحاب هذه المدرسة بالسياسة ولا بالسلطة ومن روادها الشيخ محمد عبد الوهاب وتلاميذه. وقد تأثر بهذه المدرسة جماعات عدة منها حركة الفلاح في السنغال.
مدرسة الإصلاح السياسي: وتتميز بتركيز أصحابها على العملية السياسة باعتبار أن السلطة السياسية هي الأداة الوحيد لإصلاح الأوضاع وأن الحل يكمن في إيجاد حكومة إسلامية. ومن الرواد الأوائل لهذه المدرسة السيد جمال الدين الأفغاني(1839/1897) وتلاميذه محمد عبده ورشيد رضا. وقد تأثرت بهذه المدرسة جماعة إخوان المسلمين والأحزاب السياسية الإسلامية التي تنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية. (وربما جماعة عباد الرحمن في السنغال)

وكل واحدة من هذه للمدارس الإصلاحية حاولت أن تستجيب للأزمات التي تعرض لها المسلمون وقدمت طبقا لقراءتها للإسلام طرقا للخروج من الأزمة التي تعيشها البشرية وهي تتكامل فيما بينها ولها قاسم مشترك وإن ركزت كل واحدة منها على جانب معين من جوانب الحياة ـ دون إغفال الجوانب الأخرى ـ حسب سياقاتها التاريخية، فمرجعها واحد وهو القران الكريم والسنة النبوية الشريفة .

وبعد هذه الإشارة نقو ل بأن هناك ثلاثة مبادئ لا بد منها للخروج من الأزمة الروحية والخلقية

المبدأ الأول: الإيمان بالله تعالى وتوحيده
الإيمان بوجود خالق يأمر وينهى ويشرع لخلقه وتوحيده بالعبودية هو الذي يعصم الإنسان من الانزلاق والتحول إلى عبادة المادة وينجيه من الأزمة الروحية، لأن العالم المعاصر وفلسفاته لا تجيب على الإشكاليات الكونية مثل الميلاد والموت والسعادة والهدف من الوجود، يقول تعالى: « ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى»
فالإيمان مصدر النجاة في الدنيا والآخرة ومصدر الشعور بالأمن يقول تعالى: «الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون»
ولذا يقول الشيخ الخديم
أول واجب على المريد تحصيل زاده من التوحيد

المبدأ الثاني: العمل الصالح

فالإيمان لا يصدق بدون العمل بمقتضاه « فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل » ولذا يربط القرآن الإيمان بالعمل الصالح يقول تعالى: « والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر»
والعمل الصالح لا ينحصر في الشعائر كما يفهم البعض ولكنه يشمل صالحات الدنيا عمارة الدنيا يقول تعالى هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها
فالإسلام يجمع بين الروح والمادة بين الدنيا والآخرة بين تكنولوجيا والأخلاق.
والصلاح يترتب عليه الإصلاح يقول الشيخ الخديم في دعائه
ولتدخل المصلح في يدي وفي داري وثبتنه بالهادي الوفي

المبدأ الثالث: تزكية النفس4

فلا ينجو الإتيان بدون تزكية نفسه، ففلاح الإنسان مرهون بعملية التزكية هذه، فقد أقسم الله تعالى عدة مرات على أنه قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها.
وكانت من أسس مهام النبوة يقول تعالى هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم. ويقول عليه السلام إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق
وتزكية النفس تعني تخليتها من الرذائل مثل حب الدنيا والكبر والحقد والحسد ونحوها وتحليتها بالفضائل كالتواضع نية الخير والسماحة وغيرها من الأخلاق الإسلامية.
فالتحلي بالأخلاق من دلائل صدق الإيمان ففي الحديث : أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وفيه أيضا: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، فليكرم ضيفه، فليصل رحمه، فليقل خيرا أو ليصمت الخ

الخاتمة

إننا في هذا العرض حاولنا تقديم صورة عن الأزمة الروحية والخلقية في العالم وإبراز الخلفية الفلسفية لها ثم بينا شروطا ثلاثة لابد منها لمواجهة الأزمة: الإيمان والعمل الصالح وتزكية النفس ولم نتعمق في التفاصيل أو نتوسع في التعاليم الإسلامية، ونرجو أن تأتي المساهمات والمناقشات بمزيد من التوجيهات وان تلقي الضوء على بعض الجوانب الهامة التي لم نصل إليها أثناء العرض.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

داكار 06/02/2006








جامعة الشيخ أحمد الخديم تحقّق إنجازًا أكاديميًا بارزًا بالحصول على الاعتماد المؤسسي

حقّقت جامعة الشيخ أحمد الخديم بطوبى إنجازًا أكاديميًا نوعيًا بحصولها على الاعتماد المؤسسي (Habilitation institutionnelle) من الهيئة الوطنية ...