الجمعة، 9 يوليو 2021

جديد المكتبة المريدية .. "مننُ الرحيم الرحمن في سيرة الشيخ بابكر انجاي تيارغان"

 إن التاريخ الإسلامي في إفريقيا جنوب الصحراء حافلٌ بشخصيات عظيمة خدمت الدعوةَ الإسلامة خدمةً جليلةً، وتركت بصماتِها على الحياة الروحية والاجتماعية لعددٍ كبيرٍ من المسلمين. ولكن سيَرَ هؤلاء الشيوخ مجهولةٌ لدى كثير من الدارسين لهذا التاريخ. ولا توجد خدمة للتراث الإسلامي في المنطقة أجلُّ من تخليد حياة هؤلاء العظماء، لما تنطوي عليه من قيم يحتاج إليها عالمُنا المعاصرُ الذي يتسمُ بماديته الطاغية. 

وهذه مهمةٌ نبيلةٌ حاول النهوضَ بها  الباحثُ الدكتور الحاج انجاي في هذه الدراسة التي خصصها لأحد مشايخ السنغال. وهو الشيخ بابكر انجاي تيارﮔان رضي الله عنه، أحدِ كبار المريدين الأوائل الذين بايعوا مولانا الشيخ أحمدَ الخديم رضي الله تعالى عنه مؤسسَ الطريقة الصوفية المعروفة بالمريدية، وتربَّوا على يديه، وجاهدوا في نشر دعوته وتعاليمه، وظهرت آثار تربيته المُبارَكةِ على حياتهم. 

وقد كان المؤلف موفقاً في اختياره لهذه الشخصية الفذة التي تحتاج الأجيال الحاضرة والقادمة إلى الوقوف على حياتها المليئة بالدروس، والتي تُجسد تعاليمَ شيخه في أدق تفاصيلها؛ فقد نهل وارتوى من مناهله الصافية، فصار عالماً عاملا بعلمه، و مُربياً، ومرقياً لأتباعه، وفق منهج شيخه وأسلوبه. وقد برع باحثنا في إبراز هذا الجانب المهم في كتابه من خلال إيراد شواهدَ كثيرةٍ من تعاليم الشيخ الخديم - رضي الله تعالى عنه -  التي تنعكس على سلوكيات  المرجَم له، وتصرفاته، ومعاملاته، وآرائه، وكشوفاته.  

والقارئ لصفحات الكتاب يلمَس في أول وهلة مدى حرص الكاتب على الالتزام بالموضوعية في تناوله، وبالتحقق من مصادره ومروياته الشفهية، كما يقف على سعة اطلاعه وتعمُّقه في تاريخ المريدية، وفي التراث الصوفي للشيخ الخديم  رضي الله تعالى عنه.  

وعلى الرغم من كثرة العراقيل التي تعترض الباحثَ في هذا المجال، والتي تعود في الغالب إلى ندرة المصادر وصعوبة استغلالها، فقد نجح المؤلف في تحقيق هذا الإنجاز العلمي الكبير؛ فأتحف المريدين،  والدارسين، والمهتمّين بالتراث الإسلامي في غرب إفريقيا بمرجع قيِّم حول حياة واحد من رجال الطريقة المريدية الذين بجهودهم التربوية وتعاليمهم أسهموا في نشر الإسلام، وتوسيع الدعوة المريدية في طول البلاد وعرضها.

فجزى الله خيراً الباحث الدكتور الحاج انجاي، ورضي عن الشيخ المترجم له، وعن شيخه المربي مولانا أحمد الخديم. 

سام بوسو عبد الرحمن

الأربعاء، 30 يونيو 2021

الشيخ مام مور امباكي فاضل فقيد أهل القرآن

 
عجّت مواقعُ الشبكة العنكبوتية مساء أمس الثلاثاء بخبر وفاة الشيخ مام مور امباكي بن الشيخ محمد الفاضل ابن الشيخ أحمد الخديم رضي الله تعالى عنهم. فقد أحدث هذا الغياب المفاجئ للشيخ مام مور ذهولاً كبيراً بين المريديين عموماً وأهل القرآن الكريم خصوصاً.

كان الشيخ مام مور رجلاً تقياً عالماً عابداً معروفاً بالكرم، واللطف، وصلة الرحم. وقد شهد له رفقاء دربه بالتواضع، ولين الجانب، وسلامة الصدر. كان محباً للقرآن وأهله، كان يختم القرآن في ثلاثة أيام، ولم يتخلف عنه طيلة ثلاثين سنة، ولم يتوقّف مجلسه التعليمي رغم كثرة مسؤولياته وشواغله.

كان رحمه الله تعالى صادق الإرادة، محباً للشيخ الخديم رضي الله تعالى عنه، عالي الهمة، قويّ العزيمة، لا يصرفه عن ورده ولا عن "وقفه" صارف. وقف بجانب الخليفة الشيخ سيدي المختار مساعداً مخلصاً وأمينا، وكان للشيخ منتقى سنداً متيناً في مهمة الخلافة . فقد ائتمنه الشيخ سيدي المختار - رحمه الله تعالى - على القطاع التربوي، وعهد إليه شؤون المؤسسات التربوية في طوبى، وجدّد له الشيخ المنتقى - حفظه الله تعالى - هذه الأمانة، وأبلى فيها بلاء حسنا، شهد بذلك القاصي والداني.

كان جريئاً على الحق لا يخاف عليه لومةَ لائم، كان حريصاً على حفظ قيم المريدية وآدابها. كان ذا رؤية بعيدة، حاملا هموم المسلمين مهتمّاً بقضاياهم.

ألحقه اللهُ تعالى بوالده الشيخ محمد الفاضل وجده الشيخ الخديم رضوان الله تعالى عليهما وجعل الفردوس الأعلى مثواه

الأربعاء، 5 مايو 2021

جديد المكتبة المريدية : كتاب " الشيخ مختار بنت لوح، حياته وتراثه العلمي"

تزخر 
الطريقة المريدية - والحمد لله - بعلماء صالحين وأدباء مخلصين، آثروا التواضع والزهد والخمولَ، فكرسوا أنفسَهم لتعليم المريدين ما علَّمهم الله تعالى، وفي العمل به بإخلاص وتفان، وقد خلف بعضهم تراثاً علمياَ قيما، ولكن هذا التراث يتعرض في أحيان كثيرة للإهمال والضياع، الأمر الذي أسهم نوعا في اختفاء جانب كبير من الإنتاج العلمي والأدبي لهؤلاء العلماء الصالحين.

ولذلك انتابني شعورٌ بالاعتزاز والارتياح، وأنا أتصفح هذا البحث القيم عن حياة العالم العابد المريد الصادق الشيخ مختار بنت لوح رضي الله تعالى عنه وعن تراثه العلمي. 
فالجهد العلمي المبارك الذي بُذل في هذا البحث يُمثل خطوةً مهمةً في سبيل إنقاذ وحفظ التراث العلمي للمسلمين في إفريقية جنوب الصحراء عامة، وللمجتمع المريدي بصفة خاصة.

إن ظهور هذا الكتاب، في حقيقة الأمر، حدثٌ تاريخيٌّ في الساحة الفكرية الإسلامية عامة، والمريدية خاصة لاعتبارات عدة؛ فمنزلة الشيخ المترجم له ودوره في تاريخ الطريقة وتراثه العلمي و الأدبي يرشحان هذا السفر العظيم عن حياته ليتبوأ بكل جدارة مكانة مرموقة في المكتبة الإسلامية، كما أن الجهد الفكري الذي بذلته هيئةُ إحياء تراث الشيخ مختار بنت لوح في جمع المادة العلمية للكتاب بمنهجية صارمة، وفي تذليل كثيرٍ من العقبات التي تعتري أمثال هذه المشروعات يمكنُ أن يفتح آفاقا واسعة لمعاقلَ علميةٍ كثيرة تزخر بكنوز تراثية نفيسة وتلعب بها أيدي الإهمال والضياع في الوقت الحاضر. فهذه المبادرة أنموذج رائع سوف تحتذي به - لا محالة- أسرٌ أخرى، لها تراث علمي وأدبي يستحق أن يُعتنى به في هذه المنطقة.

ومن ناحية أخرى يشكل الكتاب خدمة جليلة للاجيال الحاضرة والقادمة من المريدين خاصة والمسلمين عامة، لما يحويه بين دفتيه من قيم سامية تُجسدها سيرةُ العلامة الشيخ مختار رضي الله عنه في حياته، من إرادة صادقة، وإخلاص، واستقامة، وزهد، وورع، وتفانٍ، وجدية، وغيرها، ولما يكشفه من حرصه على نفع الخلق من خلال نشر منهج شيخنا أحمد الخديم رضي الله تعالى عنه وفكره.

إن هذا الكتاب بكل المقاييس تحفةٌ ثمينة للدارسين والباحثين الحريصين على الوقوف على منهج الشيخ الخديم التربوي، لكون الشيخ مختار من خيرة الشيوخ المريديين الذين لازموه، وتجلت آثار تربيته المباركة في زكاء نفوسهم، وصفاء قلوبهم، واستقامة سلوكهم، وصلاح أعمالهم، كما قال أحدهم، وهو العلامة الشيخ امباكي بوسو :

     هُوَ الْغَوْثُ والمِغْيَاثُ ربَّي قلوبَنا *** وأجسامَنا فالكلُّ صافٍ وناعمُ

فالشيخ مختار رضي الله تعالى عنه يمثل خير تمثيل ذلك الرعيل المبارك من أتباع العبد الخديم رضي الله تعالى عنه بسيرته وبإنتاجه الذي يعكس المنهج الخديمي القائم على العلم النافع والعمل الصالح والأدب المرضي.

وبالجملة يستحق هذا العمل التشجيعَ والتنويه، كما يستحق أصحابُه الشكرَ والتقديرَ، وفي مقدمتهم خليفة الشيخ مختار السائر على خطاه، العالم المتواضع الشيخ محمد فاضل لوح وجميع أعضاء الهيئة المباركة.

نسأل الله تعالى أن يبارك في هذه الجهود، وينفع بها ويكتبها في ميزان حسناتهم ويجازي الشيخ مختار خير جزائه.

الجمعة، 30 أبريل 2021

الشيخ محمد المنتقى والعلماء الشباب ... لقاء ذو دلالات!

التقى الشيخ محمد المنتقى حفظه الله تعالى بكوكبة 
من العلماء وطلبة العلم والباحثين الشباب، فاحتفى بهم وأكرمهم بحفلة إفطار بهية ليلة الثلاثاء الماضي في طوبى المحروسة.

وهذا اللقاء الرمزي بين قمة الطريقة وخليفتها والشباب المريديين المشتغلين بالعلم ينطوي، في الواقع، على مغزى ودلالات مهمة تتصل بمكانة العلم وقيمة الشباب ودورهم.

فلم تعد تخفى على أي منصف مكانة العلم في منهج الشيخ الخديم ودعوته، وسيرته العطرة. ومع ذلك ما زال الاعتقاد سائدا لدى بعضٍ من أتباع المريدية مفاده أن التعليم الحديث يؤثر سلبا في عقيدة المريد واحترامه لآداب الطريقة، فيشككون في صدق "إرادة" الكثير من أهل العلم، وربما يرجع هذا الموقف إلى غيرة هؤلاء على انتمائهم الروحي، واعتزازهم به، وخوفهم من التأثيرات الخارجية.

ولكن الجهود التي بذلها الشيخ محمد المرتضى رضي الله تعالى عنه غيرت من هذه النظرة بفضل المعاهد الحديثة التي أنشأها في مختلف ربوع البلاد، وتخرج فيها شباب وعلماء لا يشك أحد في صدقهم وإخلاصهم وتفانيهم في خدمة دعوة الشيخ الخديم رضي الله تعالى عنه.

وكان الشيخ محمد المنتقى منذ سنوات تقرب إليه المشتغلين بالعلم ويكرمهم ويحتفي بهم اعترافا بدورهم في خدمة الطريقة، وهو دور طالما تعرض للتنكر والاستخفاف في بعض الأوساط المريدية. وهذا اللقاء الأخير يرمز إلى شرعية دور العلماء والمثقفين حملة الشهادات الجامعية وأهميته في مسيرة الدعوة الخديمية.

ومن ناحية أخرى يحمل تخصيص هذه الجلسة المباركة للشباب خريجي الجامعات الإسلامية مغزى آخر؛ ففيه إشارة إلى أهمية دور الشباب في الطريقة منذ تأسيسها، فقد كان الشيخ رضي الله تعالى عنه محاطا بشباب ذوي همم عالية، جلُّهم في الثلاثينيات من العمر ، وقد تحملوا مسؤولياتهم على أكمل وجه في نشر الدعوة وتربية الأتباع وتعمير القرى، وحافظوا على منهج شيخهم في أصعب الظروف. فكأن الشيخ الخليفة يذكر شباب المريدية اليوم بمسؤوليتهم، وأهمية دورهم، ليقفوا بجانبه كما وقف سلفهم بجانب جده المؤسس للطريقة رضي الله تعالى عنه، وخاصة في سبيل إنجاز مشروعه التربوي الطموح.

ويمكن أن نقول: إن هذا اللقاء المعبر لَتشجيع لنهضة ثقافية تحمل شعلتها شباب من المريدين يتحلون بقوة الإرادة والعزيمة في خدمة التراث المريدي بإخراج كنوزه إلى العالم أجمع. 

فهو رسالة موجهة إلى هؤلاء الشباب أنفسهم وإلى عامة المريدين وإلى العالم، بضرورة زيادة الاهتمام بالعلم والعلماء، فكلمات الشيخ تنم، في حقيقة الأمر، عن إحساسه العميق بقيمة الشباب المتحلين بالعلم، وهي قيمة لا تقاس بالمليارات من الأموال، وخاصة إذا كان علو الهمة يحدوهم، ومن هنا دعاهم الشيخ إلى ان يقدروا لهذه الثروة الهائلة حق قدرها ويتحملوا مسؤولياتهم.

إن هذا المشهد الجميل يعزز أملنا ويدعونا إلى مزيد من التفاؤل بمستقبل واعد للإسلام عموما وللمريدية خصوصا في هذا القطر السعيد. يشعر المرء بالاعتزاز حين يتلمس في الجيل الصاعد همة عالية وطاقة متدفقة واستعدادا قويا لرفع التحديات ولتحقيق ما كان يراوده من طموحات.

حفظ الله شيخنا المنتقى، وأطال فينا بقاءه، وسدد خطى أبنائنا وبناتنا وإخوتنا 

وأخواتنا، وفقهم وإيانا لما فيه خير الأمة في الدنيا والآخرة.

 سام بوسو عبد الرحمن 

يوم الأربعاء 15 رمضان 1442ه / 28 أبريل 2021م

الثلاثاء، 30 مارس 2021

الاحتجاجات العنيفة في السنغال ... نظرة تأملية

في بداية شهر مارس الجاري حدثت في البلاد احتجاجات عنيفة لم يسبق لها مثيل منذ استقلالها، حسب كثير من المراقبين، وراح ضحيتَها عددٌ من المواطنين، وآذنت بأزمة خطيرة، تهدد أمن البلاد واستقراره. وقد اندلعت تلك الأحداث على خلفية اتهام شخصية بارزة من المعارضة السياسية باغتصاب فتاة كانت تعمل في صالون للتدليك.

ترددت كثيراً في الكتابة عن الأحداث أيامها، ولكن بعد هدوء العاصفة، نحاول إلقاء نظرة تأملية على بعض جوانب الأحداث لعلنا نخرج منها بدروس مفيدة.

وبعيداً عن الشعلة التي أذكت الأزمة، أودّ أن أنظر إلى القضية من خلال زاويتين: وهما دور السلطة القضائية، وحضور السلطة الدينية في البلاد.

فالقضاء في كل مجتمع ركن ركين لاستقراره وأمنه، فهو المفزع والملجأ للمواطنين في خلافاتهم، يتقبلون قرارته وأحكامه، مهما كانت مرة، يسلبهم حرياتهم وممتلكاتهم، فيستسلمون لحكمه ويخضعون لسلطته، فهو صمام أمان في فض النزاعات. ومن هنا كانت المسؤولية على السلطة القضائية جسيمة. 

وحين تتضعضع ثقة شريحة واسعة من الشعب في هذه السلطة فإنها ترى فيها تهديدا للأمن، بدلا من أن تكون ضمانا له. وسواء كان فقدان الثقة مبنيا على أساس سليم أو على ظنون خاطئة.

والملاحظ أن مسألة العدالة كان لها حضور قوي في مسيرة الأحداث؛ فلو كان جميع أطراف القضية على ثقة كاملة بالمؤسسة القضائية، لما أثيرت كل هذه الضجة بمجرد استدعاء مواطن ليمثل أمام القضاء، مهما كانت صفته. ولكن مع الأسف الشديد، هناك سوابق شكَّكت الكثير في نزاهة القضاء وخاصة في القضايا التي تمس المعارضين للنظام. وخلاصة الكلام في هذه الزاوية أن العدالة النزيهة الشفافة هي الضامن الأساسي للاستقرار في المجتمع، وأن التلاعب بها أخطر عامل يهدد الأمن والسلام. 

وأما الزعامة الدينية فقد أظهرت الأحداث أن لها دوراً كبيراً ومسؤوليةً جسيمةً في سيادة الأمن في المجتمع. ففي السنوات الماضية كانت بعض الاصوات ترتفع بالفعل للتقليل من شأن الزعامة الدينية في البلاد والتنكر من دورها وتأثيرها في الحياة السياسية في البلاد، وتدعي بأن زعماء الدين لم يعد لهم نفوذ في الساحة السياسة، وخاصة في بداية الولاية الولي للرئيس الحالي.

وفي بداية هذه الأزمة لم يُسمع للشيوخ صوتٌ، وتساءل العديد عن سبب سكوتهم عما يحدث في البلد. وذهب آخرون إلى تفسير هذا السكوت بأنهم يشعرون بعدم اكتراث الحكام بهم، لأنه قد سبق أن رفض رئيس الجمهورية الحالي طلباتهم بشأن الإفراج عن سياسيين تمّ اعتقالهم وسجنُهم من قبلُ.

وعند ما تغيَّر مجرى الأمور، وتمَّ وضعُ المعارض رهن الاعتقال بتهمة أخرى، وهي الإخلال بالنظام العام، اصطبغت القضية بصبغةٍ سياسيةٍ أكثر بروزاً واندلعت في عدد من المدن الكبيرة مظاهراتٌ ضخمة تخلَّلتها عملياتُ سلب ونهب ومواجهاتٌ دامية بين المتظاهرين وقوات الأمن.

وهنا عزمت قوى المعارضة على تنظيم مظاهرات ومسيرات أخرى للمطالبة بالأفراج عن المعارض المحتجز وعن غيره من المعلقين في القضية، فأصبحت الأوضاع أكثر تأزُّما وتفاقُماً.  وفي هذه الظروف تدخلت الزعامةُ الدينية في البلد، وبعثت وفداً إلى رئيس الجمهورية ليلتمس من جانبه التهدئة، ثم يصدر بياناً لدعوة القوى الشعبية إلى التخلي عن قرارها بتنظيم مظاهرات أخرى، فبدأت بوادر الانفراج تلوح بعد الإفراج عن المعارض في اليوم التالي ووضعه تحت الرقابة القضائية. ولكن مع إصرار المعارضة على مواصلة احتجاجاتها، بادر الشيخ محمد المنتقى الخليفة العام للطريقة المريدية بوساطة أدت إلى تهدئة الأجواء وإلى الإفراج عن بعض المعتقلين السياسيين.

فكأنَّ هذه الأحداث جاءت لتبرهن للسنغاليين بأن دور الزعامة الدينية لا يمكن الاستغناء عنه لكونه عاملا من عوامل الاستقرار والسلام في المجتمع؛ فقد أنقذت وساطتُها موقفا كان منذراً بمواجهات لا قبل للأطراف المعنية بعواقبها وتداعياتها.

وعلى ضوء ما جرى، يمكن القول إن سلطة الدينية في البلاد لا ينبغي الاستهانة بها لسعة نفوذها في الشعب.

ومن الدروس التي يمكن أن نستخلصها في النهاية أن الشعب الذي يشعر بالظلم تصعب السيطرة عليه إذا ثارت، وأن العدالة لا تُتخذ أداةً لتصفية الحسابات السياسية، وأن القيادة الدينية الواعيةَ بمسؤولياتها دعامةٌ للأمن والاستقرار في البلد. فإذا لم يستوعب السياسيون هذه الدروس - لا قدر الله! - ستكون هذه الأحداث خسارة كبيرة.

السبت، 27 فبراير 2021

خطابنا الدعوي أمام مظاهر الانحرافات

في هذه الأيام نشهد بعض السلوكيات الغريبة من أشخاص يدّعون النبوة أو ينصبون "كعبتهم" الخاصة ليطوفوا حولها أو يتوجهون إلى مسجد جامع بقصد الطواف حوله، ومثل هذه التصرفات التي تتصادم صراحةً مع تعاليم الإسلام يدعونا إلى وقفة تأملية لإعادة النظر في خطابنا الدعوي وتقويم مدى فعاليته أمام مظاهر الانحراف المختلفة. 

إن المطلع على تاريخ البشر يجد أن الجانب العقدي أشد الجوانب غموضا في حياة الإنسان، وأكثرها تأثيرا في سلوكه وميوله، فأحيانا ينفلت عن سيطرة العقل، بل يتحول إلى موجه له نحو متاهات مظلمة. 

وقد كان أبرز مهام الأنبياء والمرسلين تصحيح وترسيخ العقائد التي هي أس الأعمال والعبادات، وهي مهمة ورثها العلماء الصالحون والأولياء المصلحون. 

ولا تزال العقيدة على الرغم من جهود هؤلاء المصلحين تمثل أرضية خصبة تنبت فيها بسهولة مختلفُ أنواع الانحرافات. وسرعة نمو هذه الانحرافات وعدمها يتوقفان على فعالية وسائل التربية والإرشاد التي يعتمدها مجتمع ما لمعالجتها وللوقاية منها؛ ومهما يكن من أمر فإن استئصالها يُعد ضربا من المستحيلات لأنها نوع من الابتلاءات الإلهية " ليبلوكم أيكم أحسن عملا". 

وحينما ننظر في مناهج المصلحين أصحاب الطرق الصوفية ونرى فعاليتها وتأثيرها في حياة الناس في عهد الشيوخ المؤسسين رضوان الله عليهم، يمكن أن نتساءل عن مدى احتفاظها بتلك الفعالية وبذلك التأثير في عصر الخلف؟ وهذا التساؤل قد يؤدي بنا إلى مكمن الخلل في الاستخدام أو القصور في التوظيف. 

وهنا أضع الخطاب الدعوي المريدي بشكل خاص في محل التوصيف والتقويم لمعرفة ما له وما عليه من حيث التعامل مع مظاهر الانحراف الملحوظة في عصرنا الحالي. 

فقد مر هذا الخطاب، في تقديري، بمراحل؛ وهي مرحلة التأسيس على يد الشيخ رضي الله عنه، ومرحلة التأصيل على يد كبار أتباعه أمثال العلامة محمد عبد الله العلوي الشنقيطي والعلامة الشيخ محمد البشير وكاتب سيرته الشيخ محمد الأمين جوب وغيرهم، ومرحلة التوظيف التي نعيشها حتى الآن. 

وما نلاحظه في هذه المرحلة الأخيرة هو تنوع دوافع التوظيف وأساليبه: فهناك توظيف للخطاب يرمي إلى تجلية حقيقة الدعوة الخديمية والتعريف بها ودحض ما يثيره المغرضون حولها، وتوجيه المريدين إلى التمسك بتعاليم الشيخ أحمد الخديم وإلى تطبيقها في حياتهم، وإظهارها كمشروع مجتمعي ينبغي الرجوع إليها في بناء مجتمع صالح. 

وهناك توظيف آخر يهدف إلى تعبئة المريدين وإثارة عواطفهم من أجل تقوية تمسكهم بشيخهم، وقد يهدف إلى غرض آخر مادي بحت؛ فقد اتخذ البعض هذا الخطاب الفلكلوري وسيلة للكسب المادي بصرف النظر عن آثاره الجانبية السلبية. 

ويختلف الاتجاهان في الأساليب والآليات؛ فبينما يجنح التوظيف الأول نحو الأسلوب العقلاني المنطقي في مخاطبة العقول بمنهج يحاول أن يكون علميا رصينا، ويعتمد على كتابات الشيخ في الغالب، يميل الاتجاه الثاني نحو الأسلوب السردي التمثيلي المثير ويتبنى الروايات الشفهية بكثرة. وطبيعة الأول أنه نُخبوي يتعاطاه المثقفون والدارسون والثاني شعبوي يستهوي الجماهير ويستقطبها بشدة. 

ونقطة ضعف الخطاب العقلاني أنه محصور في نطاق الدارسين تقريبا، ولم يتمَّ تنزيله إلى مستوى السواد الأعظم من الناس، ومن هنا يستغل الخطاب الفولكلوري هذه الفرصة ليتغلغل وليهيئ – ربما بدون قصد - أرضية خصبة لمثل الانحرافات التي نشهدها. 

وهنا مكمن خلل في الخطاب المريدي يجب التنبه له والعمل لتصحيحه؛ فليس هناك بد من التفكير في استراتيجيات مناسبة لتعزيز الخطاب العلمي وحقنه بمزيد من الروحانية، من أجل زيادة قدرته على التعامل مع العقول والقلوب والتأثير فيهما في آن واحد، حتى يكون أكثر فعالية في علاج الانحرافات أو الحد من انتشارها. 

والخطاب الفولكلوري، وإن ير البعض أن لها وظيفة التعبئة والتحفيز، يحتاج إلى تهذيب وتوجيه حتى لا يتحول إلى مِعْول لهدم التعاليم الإسلامية الصحيحة التي كرس الشيخ حياته من أجل نشرها. 
 سام بوسو عبد الرحمن 

الأحد، 31 يناير 2021

 رحم الله الشيخ أتُ جانج فقيد الخدمة!

 ودعنا إلى دار الخلود رجل سجل في تاريخ المريدية المعاصر سطورا لن تمحوها الايام والليالي، وقدم نموذجا رائعا من التضحية والخدمة والانضباط والتفاني ، وترك بصماته في حياة أجيال من الشباب المريدين في سلوكهم ولباسهم وأدابهم. وبعقرية فائقة و نظر بعيد وعزيمة قوية.

ومن خلال دائرة كانت في الأصل إطارا لتغذية الأرواح وشحذ الهمم لطلبةٍ أرادو التمسك بإيمانهم و إرادتهم في بيئة جامعية علمانية - "دائرة الطلبة المريدين" - بنى هذا الرجلُ جهازا تنظيميا عملاقا لخدمة الخلافة المريدية العامة يضم كفاءاتٍ وخبرات مختلفة على أعلى المستويات تتمتع بكافة مقومات البقاء والاستمرار والاستقلالية. وقد أصبح هذا الجهاز تحمل اسم "دائرة حزب الترقية" بتسمية الخليفة الخامس الشيخ صالح رضي الله عنه.

 وبفضل رؤيته الثاقبة اقتنت الدائرة مقرا تحوَّل إلى حي سكني يقيم فيه كبار المسؤلين  وبعض أعضاء الدائرة بصفة دائمة، وأقامت مشاريع استثمارية كبيرة تُمثل مصادر تمويل مهمة لأنشطتها إلى جانب مساهمات الأعضاء. وقد كان إحياء ذكرى الغيبة البحرية للشيخ الخديم "مَغال" يستحوذ على جُل اهتمامات الدائرة. 

 وبعد ثلاثة عقود من الزمن وضعت الدائرة طابعها الخاص على حياة الكثير من الشباب المريدين. وقد مكَّنها تنظيمُها المحكم من تجاوز كثير من المشكلات والعقبات، ومقاومة العديد من المصاعب حتى بدأت جهودُها المبنية على فلسفة الخدمة تؤتي ثمارا ملموسة، من مرافق ومؤسسات ضخمة، تربوية وإعلامية، مسخرةً كلها لتنفيذ المهام التي يضعها الخليفة على عاتقها. إنه الشيخ آت جانج الذي كرس حياته لخدمة الشيخ أحمد الخديم رضي الله عنه. 

إن الشيخ آتُ شخصية نقشت مآثر خالدة على صفحات التاريخ المريدي رحمه الله تعالى وغفر له وجعل الفردوس الأعلى مثواه، وحفظ هذه الدائرة التي كان عقلها ومهندسها وقائدها، والإرث الذي تركه وراءه على أيد أمينة.

جامعة الشيخ أحمد الخديم تحقّق إنجازًا أكاديميًا بارزًا بالحصول على الاعتماد المؤسسي

حقّقت جامعة الشيخ أحمد الخديم بطوبى إنجازًا أكاديميًا نوعيًا بحصولها على الاعتماد المؤسسي (Habilitation institutionnelle) من الهيئة الوطنية ...