الخميس، 31 أغسطس 2023

الشيخ محمد المنتقى ورؤيته التربوية

كان التربية والتعليم في مقدمة أوليات الشيخ محمد المنتقى  - حفظه الله تعالى - عندما وصل إلى سدة الخلافة المريدية في سنة ٢٠١٨م، ولا يكون اهتمامه هذا غريبا بالنسبة من اطلع على جانب من سيرته، ومواقفه تجاه العلم والعلماء. فلم يكن مشروعه التربوي "مجمع الشيخ أحمد الخديم للتربية والتكوين" سوى ترجمة لرؤيته التي تعكس بدورها رؤيةَ شيخه وجده الشيخ أحمد بمب مؤسس مدينة طوبى رضي الله تعالى عنه. وتحاول هذه المقالة الوجيزة تسليطَ الضوء على طرف من مسيرة الشيخ محمد المنتقى العلمية، ومواقفه تجاه العلم والعلماء، ورؤيته المتجسدة في مشروعه التربوي.

التربية والتعليم في الإسلام وفي المريدية

تحتل التربية والتعليم مكانة بارزة في سائر الأديان السماوية عموما، وفي الإسلام خصوصا، فقد بين القرآن الكريم أن التزكية والتعليم يأتيان في مقدمة مهام الأنبياء والمرسلين يقول تعالى :"هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين"[الجمعة، ٢]

وفي الآيات الأولى المنزلة من الذكر الحكيم إشارة جلية إلى وسائل التربية والتعليم من قراءة وكتابة ودعوة إلى استخدامها؛ يقول تعالى "اقرأ باسم ربّكَ الذي خلق *خلقَ الإنسان من علق* اقرأ وربّك الأكرم *الذي علَّمَ بالقلم*علَّمَ الإنسان مالم يعلم".[العلق ١-٤] 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم المربي والمعلم الأول، ربّى أصحابه بسلوكه وأقواله على القيم الإسلامية السامية، وهداهم على الصراط المستقيم، فنشروا الإسلام، وسيطروا على مناطق شاسعة، وبنوا حضارة عظيمة في فترة قياسية. 

وسار على خطى صحابته الكرام العلماء الصالحون ورثة الأنبياء، ومنهم شيخنا أحمد الخديم رضي الله تعالى عنه، وقد عُرف بجهاده الشريف الذي جاهده لرفع راية الإسلام وإقامة مجتمع إسلامي حقيقي مستخدما فيه وسيلتي التربية والتعليم. وكانت مهمته الأساسية تجديد الدين وإحياء السنة النبوية الشريفة بالتعليم والتأليف والتربية على العمل وعلى الأخلاق السامية. وبفضل دعوة الشيخ الإصلاحية التي لقيت استجابة سريعة نشأت الطريقة المريدية منهجا للتربية والتزكية والخدمة.

وفي إطار هذه المهمة الجليلة، خلّف الشيخ رضي الله تعالى عنه تراثا علميا ضخما من مؤلفات ومراكز علميةٍ كان مريدوه يشرفون عليها، كما أطلع كبار مريديه على نيته إقامةَ صرح علمي كبير في طوبى، أعدَّ له العدة، من جمع الكتب والمراجع وإعداد المعلمين والمربين، قبيل انتقاله إلى جوار ربه، سنة ١٣٤٦هـ (١٩٢٧م).

وقد حرص خلفاء الشيخ رضوان الله تعالى عليهم وأبناؤه وكبار مريديه على النهوض بمهمة التربية والتعليم، فاهتموا ببناء المدارس لتحفيظ القرآن، وإنشاء مراكز لتربية المريدين. فانتشرت في طوبى وغيرها من قرى الطريقة المدارسُ والمجالسُ التعليميةُ، وظهرت فيها منذ الستينيات من القرن العشرين الميلادي معاهدُ إسلامية نظامية، أبرزها معاهد الشيخ أحمد امباكي غيدي فاطم ومعاهد الشيخ محمد المرتضى المعروفة باسم المعاهد الأزهرية. وفي هذه البيئة العلمية نشأ وترعرع الشيخ محمد المنتقى عالما مربيا ومحبا للعلم والعلماء.

الشيخ محمد المنتقى عالما ومربيا 

عرف الشيخ محمد المنتقى، قبل أن يصل إلى سدة الخلافة، عالما مربيا محبا للعلم وداعيا إلى العناية بالتربية والتعليم.  فقد كرّس جزءاً كبيراً من حياته لتحصيل العلم بالتعلُّم والاطلاع، وعانا في ذلك معاناة كبيرة، وفتح الله تعالى عليه، فحصل منه على حظ وافر.   يتحدث الشيخ بنفسه عن مسيرته الدراسية فقال: وبدأتُ دراسة القرآن في السنة الخامسة من عمري، ثم نقلني منها شيخي ووالدي الشيخ محمد البشير إلى "طوبى امبل"، قرية من مؤسساته، ثم نقلني منها إلى "جربيل" العاصمة الأقليمية، وأكملت دراساتي القرآنية على يد الشيخ مور امبي سيسي معلم القرآن الصالح الشهير.

ثم عدت إلى قرية "طوبى امبُل" بإذن من الشيخ الوالد فبدأت دراسة العلوم الشرعية واللغة العربية على العلامة الإمام العادل الشهير الشيخ حبيب الله، وذلك في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات.

وفي عام 1953م دفعتني نزعة علمية إلى الطلب من الشيخ الوالد إذنه بالخروج من البلد إلى مورتانيا فأذن لي، فتعلمت في مورتانيا اللغة العربية، وحينما أتقنت علمي النحو والصرف عدت إلى السنغال، وتابعتُ دراساتي - بإذن من الشيخ الوالد - على العالم العلامة الصالح الشيخ محمد دم في "جربيل" رحمه الله تعالى.

وبعد هذه الرحلة العلمية الثرية لم يشف غليل الشيخ من المعرفة، فعقد العزم على الرحيل مرة أخرى ولكن والده صرفه عن ذلك، وأرشده من جديد إلى العالم العلامة الشيخ حبيب الله امباكي، رحمه الله تعالى، وفي ذلك يقول :  "وفي أواخر الخمسينيات شغفتني مرة أخرى تلك النزعة العلمية بصورة عجيبة، ولكن الشيخ الوالد نصح لي بالإقامة فقال لي: "إن الشيخ حبيب هذا عالم وهب له الله فهما متميزا عليك بالإقامة ومراجعة جميع ما درسته وتصحيحه وتكميله عنده"، ففعلت ذلك حتى درست عليه مختصر الشيخ خليل وعلم العروض. 

اشتغل الشيخ محمد المنتقى بالتربية والتعليم بعد مرحلة التحصيل، فأنشأ عددا من المعاهد للتربية والتعليم، منها معهد الشيخ أحمد الخديم لتحفيظ القرآن الكريم وللدراسات  الإسلامية، في طوبى  (١٩٩٦) ومعهد توغار، ومعهد طيب النفس. وفي هذه المعاهد تقيم غالبية التلاميذ ويعيشون على نفقة الشيخ وتحت رعايته الشاملة. 

وأما محبة الشيخ محمد المنتقى للعلم والعلماء فهي معروفة للجميع، ويشهد لها سلوكُه مع العلماء من إكرام وبذل وإعانة، ومع العلم من قراءة ونشر. فالشيخ يُقرب العلماء ويُكرمهم، ويساعدهم ويتبنى أعمالهم. 

ومنذ عدة سنوات يخصص الشيخ محمد المنتقى نهارا كاملا يلتقي فيه بالمشتغلين بالعلم لتكريمهم وتشجيعهم، فيُعد لهم ما لذَّ وطاب من الأطعمة والأشربة، ثم يعقد معهم جلسة يستمع إليهم قبل إلقاء خطاب تشجيعي إليهم.

ولما وصل إلى الخلافة جعل التربية والتعليم في مقدمة أولوياته، وكان المشروع الأول الذي بادر بإقامته هو بناء صرح علمي كبير تنفيذا لرغبة جده مؤسس الطريقة المريدية.

وكان هدف الخليفة الجديدة توطيد مكانة العلم والتعليم في مدينة طوبى؛ وذلك لرفعها إلى صفوف المدن الإسلامية المعروفة في العلم؛ كالمدينة المنورة والكوفة والبصرة. فمن ثَم، طمح إلى إيجاد برنامج تربوي متكامل مَبني على أسس التربية الإسلامية، وجامع لجميع المجالات العلمية الضرورية في الحياة الدينية والدنيوية للإنسان. والمشروع يهدف كذلك إلى تحقيق أحد أهم مشاريع الشيخ الخديم الذي كان يريد أن يبني في طوبى مركزا علميا يستقبل الدراسين من جميع أنحاء العالم. 

مجمع الشيخ أحمد الخديم للتربية والتكوين 

وفي يوم 05 من فبراير 2018م أعلن الشيخ محمد المنتقى امباكي في خطاب  رسمي، إلى العالم عامة وإلى المريدين خاصة مشروعَه الرائد في بناء مجمع ذي بُعدٍ عالمي للتربية والتعليم في مدينة طوبى. وطلب من دائرة " روض الرياحين " برئاسة المنسق العام الشيخ أحمد البدوي امباكي أن تضعَ وتصمم له محتوًى ومخططاتٍ.

وفي هذا الخطاب وضع الشيخ الخطوط العريضة للمشرع من أهداف وغايات بعيدة، وبرزت فيه رؤيته البعيدة في التربية، ومن أبرز النقاط الواردة فيه:

· أنه أقام المشروع من باب الخدمة،

أنه طالما نذر إقامة مدرسة لصالح الأمة تكون امتدادا لتلك المدرسة التي ذكرها شيخنا الخديم،  

أنه لا يمكن إحياء تراث الشيخ إلا بالاعتماد على العلم،

وأن العلم يمثل أولوية بين جميع مجالات الخدمة،

وأن المشروع يشمل جميع مراحل الدراسة من البداية إلى القمة،

وأنه يكرس حياته وجميع إمكانياته لإنجاز هذا المشروع.

ويمكن أن نستنتج من ذلك الخطاب حرصَ الشيخ منتقى على خدمة شيخه الشيخ الخديم في مجال التربية والتعليم وفقا لطبيعة العصر، وبعدَ نظر ه وعلوَّ همته، حيث يرتفع سقفُ طموحاتِه إلى فترة ثلاثة قرون، ويرنو إلى المدن العلمية العريقة (المدينة المنورة، البصرة، الكوفة)، ونلمس فيه أخيراً تقديرَه للكفاءات الذاتية بإناطة المسؤولية على عاتق علماء الطريقة بقيادة روض الرياحين.

 ورؤية الشيخ محمد المنتقى التربوية هذه، تنبثق من رؤية الشيخ الخديم رضي الله تعالى عنه المتمركزة على عبادة الله، وطلب العلم النافع، والعمل الصالح، والتحلي بالأدب المرضي وهي التي بُنيَتْ علي أساسها قوائمُ مدينة طوبى الرامية أن تكون مسكن التعلم والإرشاد للمؤمنين في جميع أرجاء العالم.  وفي ذلك، يقول الشيخ الخديم في قصيدته " مطلب الفوزين " داعيا الله سبحانه وتعالى أن يحقق بغيته:

               واجعله دأبا مسكن التعلم ومـوضع الفكرة والتــفهم

وكان الشيخ المؤسس رضي الله تعالى، قد أعد العدة لإقامة صرح علمي يكون مقصد الطلاب من مخلف أرجاء المنطقة، فجاء هذا المشروع إسهاما في تحقيق رغبته. 


وفي الختام، نخلص إلى القول إن المشروع التربوي العملاق برؤيته البعيدة، ومكوناته المتعددة، وبرامجه المتنوعة يعكس في واقع الأمر علوَّ همة الشيخ الخليفة وبُعد رؤيته في ميدان التربية، ويتوج مسيرته المباركة في سبيل خدمة العلم والدين، ويجسد، في التحليل الأخير، مكانةَ التربية والتعليم في منهج الشيخ الخديم رضي الله تعالى عنه.

                                                         د. سام بوسو عبد الرحمن 

 

السبت، 29 يوليو 2023

يوميات بعثة الحج ... من طوبى المحروسة إلى الحرمين الشريفين

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يوفّق من شاء من عباده بفضل وجوده وكرمه، والصلاة والسلام على صاحب الروضة الشريفة سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وخديمه وأمته أجمعين.

وبعد، فقد وفّقنا الله تعالى ومنّ علينا وكرَّمنا بحجّ بيته الحرام وزيارة نبيّه المصطفى، صلى الله تعالى عليه وسلم، في بعثةٍ ميمونةٍ اختارها سماحةُ الخليفة مولانا الشيخ محمد المنتقى، حفظه الله تعالى وأيّده ونصره، فأردنا في هذه السطور سردَ أحداثِ هذه الرحلة المباركة سرداً موجزاً؛ تخليداً لذكرى هذه المنَّة العظيمة.

أعضاء البعثة

كانت هذه البعثةُ المباركةُ تتكون من هؤلاء الشيوخ: الأستاذ عافية أحمد انيانغ، والإمام الحاج فاضل بوسو تيرنو، وصالح امباكي بن الشيخ محمد الفاضل شعيب، ومصطفى امباكي حفيد الشيخ الخليفة، وشيخ فاطم امباكي ومام تيرنو امباكي ابنَي الشيخ مصطفى البشير، وسميِّ الخليفة منتقى بن الشيخ محمد مصطفى فاضل، والدكتور سام بوسو عبد الرحمن كاتب هذه السطور، والأستاذ النشيط مختار سيك قائد البعثة، وعبد العزيز امبي. ومن هؤلاء: السيدات سخن خديجة امباي حرم الشيخ الخليفة، وسخن مسلمة امباكي بنت الشيخ شعيب، وسخن مي امباكي بنت الخليفة، وسخن مام مريم امباكي بنت الشيخ أست فاي، وسخن مام فاط بنت الشيخ أستُ فال، وقد تشرّف برفقة هذه البعثة حجاجٌ آخرون.

الانطلاق

في مساء يوم الثلاثاء 2 من ذي الحجة 1444هـ، الموافق للعشرين من يونيو 2023م، بعد صلاة العشاء، كان انطلاقنا من «دار المنن» مقر إقامة الشيخ الخليفة بمدينة «طوبى» المحروسة، وفيه ودّعنا من رافقونا من الأهل والأقارب، الذين كانت مشاعر العطف تلوح في وجوههم.

وقبل الانطلاق إلى هذه الرحلة المباركة بيومين، استقبلنا سماحة الخليفة الشيخ محمد المنتقى -حفظه الله تعالى ورعاه- في بيته، وغمرنا بعطفه ومحبته ومباركته، وقد ذكَّرنا أثناء الجلسة بمكانة هذه العبادة في الإسلام، وباهتمام الشيخ الخديم رضي الله تعالى عنه بها، ثم دعا لنا طويلا بعد أن وصّانا بما وصانا به من إخلاص النية وقصد التقرب إلى الله تعالى وابتغاءِ مرضاته.

الرحلة

وصلنا إلى «مطار بليز جانج» حوال الساعة الحادية عشرة ليلا، وكان برفقتنا الشيخ مام تيرنو بن الشيخ محمد المنتقى، فقمنا بإجراءات السفر، وأخذنا اللقاح الأخير ضد الحمى الصفراء، ثم ركبنا الطائرة التي انطلقت بنا في الثالثة صباحا من يوم الأربعاء 3 ذي الحجة 1444هـ الموافق لـ22 يونيو 2023م، وحطت بنا، بحمد لله تعالى، في مطار «جدة» في الواحدة ظهراً بالتوقيت المحلي، وبعد استراحة قصيرة أقلَّتنا الأتوبيسات متجهةً نحو «مكة المكرمة»، ووصلنا إليها ليلا فرحين منبسطين رغم شدة التعب والإرهاق، بعد رحلة دامت أكثر من اثنتي عشرة ساعة من «دكار» إلى «جدة»، ومنها إلى «مكة المكرمة».

وقد أحرمنا إحرامَ مفردين ونحن على متن الطائرة عند موازاة «الجحفة»، ميقات أهل «مصر» و«المغرب» و«إفريقيا الغربية».

الوصول إلى «مكة المكرمة» و«طواف القدوم»

وفور وصولنا إلى «مكة» ونزولنا في «فندق الجامعة» بمنطقة «العتيبية» بالقرب من «جامعة أم القرى للطالبات»، على بعد ثلاث كيلومترات من الكعبة المشرفة، وضعنا أمتعتنا واسترحنا قليلا، ثم تهيأنا للتوجّه إلى الكعبة المشرفة التي طالما اشتقنا لرؤيتها!

فطفنا «طواف القدوم»، وصلّينا خلف «مقام إبراهيم». وسعينا بين «الصفا والمروة» مبتهلين إلى الله تعالى، وهذا «السعي» هو ثاني أركان الحج بعد الإحرام.

وعند نهاية الشوط الأخير من سعينا ارتفع آذان الفجر، فصلينا صلاة الفجر والصبح بالقرب من «المروة»، ومكثنا في مصلانا للذكر والدعاء إلى الإسفار، ثم عدنا إلى الفندق شاكرين الله تعالى.

وفي صباح يوم الجمعة تهيأنا، أنا والشيخ عافية والإمام الحاج فاضل والشيخ صالح؛ للتوجه إلى المسجد الحرام لأداء صلاة الجمعة، فوجدنا مع تبكيرنا أن المسجد امتلأ بالمصلين، فكنا مضطرين للصلاة تحت أحد الجسور القريبة من المسجد، ثم رجعنا تحت أشعة شمس لاذعة الى محطة الأتوبيسات، حيث استأجرنا سيارة تاكسي لتقلنا الى الفندق. وأخذنا قسطا من الراحة لمدة يومين.

الذهاب إلى «منى» في «يوم التروية»

وفي فجر يوم الاثنين الثامن من ذي الحجة، يوم التروية، ركبنا الباصات متوجهين إلى «منى» على بعد حوالى سبع كيلومترات من «مكة»، ووصلنا إليها ضحوة، وكان من حسن حظنا أن نزلنا في إحدى المخيمات الفاخرة القريبة من الجمرات.

قضينا «يوم التروية» في «منى» وصلينا فيها الصلوات الخمس، وقصرنا الرباعية منها دون جمع.

وقوف «عرفة»

وفي صباح اليوم التاسع، «يوم عرفة»، واصلنا الرحلة إلى «عرفة» وفيها قضينا النهار وجزءا من الليل.

كانت الأجواء في «عرفة» مفعمةً بالروحانية، فقد نزلنا في خيمة واسعة، وانهمك الحجاج بلباسهم البيض في عباداتهم وابتهلاتهم، وأذكارهم وتلاواتهم، إلى دخول وقت الظهر، فصلينا الظهر والعصر قصراً وجمعاً، وباشر الشيخ صالح امباكي في خيمتنا إمامة الصلاة وقراءة «دعاء يوم عرفة» بنظم شيخنا أحمد الخديم رضي الله تعالى عنه. واستمر الحجاج في أعمال التقرب إلى الله والابتهال، إلى أن مالت الشمسُ نحو الغروب، فخرجنا أنا والشيخ عافية، والشيخ صالح، والحاج محمد الفاضل برفقة الأخ شريف حسن بوسو والسيد مختار سك إلى «جبل عرفة»، حيث مكثنا بُريهة للابتهال إلى الله تعالى وقراءة بعض القصائد الخديمية.


النزول في «مزدلفة» والعودة إلى «منى»

وبعد غروب الشمس قفلنا راجعين نحو «مزدلفةَ»، وكان مظهر الحجاج المضطجعين على الأرض في جوف الليل في لباسهم البيض يبعث في الأذهان مشهد يوم القيامة! ونزلنا فيها قدر ما صلَّينا وجمعنا الحصيات للجمرات.

ثم واصلنا السير نحو «منى» ووصلنا إليها في الواحدة صباح يوم العيد، ولما نزلنا من الأتوبيس ضللنا الطريق، وظللنا نتوه إلى وقت صلاة الصبح، فصلينا ثم انتظرنا في أحد الشوارع إلى الشروق، وذهبنا إلى «جمرة العقبة»، وبعد الرمي واصلنا البحث عن المخيم إلى الساعة التاسعة صباحا، واهتدينا أخيرا إلى مخيمنا، وقد أنهكنا طول المشي!

وبعد الاستراحة تحلَّلنا واغتسلنا وحلقنا ولبسنا ثيابنا العادية.

أيام التشريق

وفي اليوم التالي، الحادي عشر من ذي الحجة، أول أيام التشريق، رمينا الجمرات الثلاثة بعد الزوال، وقمنا بالأمر نفسه في اليوم الثاني، وهو يوم الجمعة، وتوجهنا إلى «مكة» قبل غروب الشمس من يوم الجمعة متعجلين في يومين.

وأتذكر موقف الشيخ عافية في إصراره على أن يكون رمي الجمرات بعد الزوال، وقد كانت الوكالة تريد منا الرمي في الصباح لنتمكن من مغادرة «منى» بعد الظهر، ولكي نلحق بالباصات التي تنطلق إلى «مكة» في الثالثة، وقد دار نقاش طويل حول المسألة، وأخيرا قررنا نحن انتظار الزوال على خلاف جل الحجاج في مخيمنا!


الرجوع إلى «مكة المكرمة» و«طواف الإفاضة»

ولما وصلنا «مكة»، خلدنا للراحة إلى الساعة الثانية صباحا، ثم توجهنا إلى الكعبة لأداء الركن الرابع من أركان الحج، وهو طواف الإفاضة؛ فصلينا الصبح في «المسجد الحرام»، وطفنا بالبيت المشرف سبعة أشواط، مبتهلين ومنشدين لبعض القصائد الخديمة بقيادة المنشد الشيخ صالح امباكي ...

وبعد إتمام الأشواط صلينا خلف «المقام»، وتبركنا بـ«ماء زمزم»، وخرجنا شاكرين الله سبحانه وتعالى.

وتجولنا قليلا في الحرم وتناولنا فيه الفطور تحت «برج الساعة»، واشترينا فيها بعض الأشياء لتخليد ذكرى هذه اللحظات المباركة، كما التقطنا بعض الصور في الحرم، ثم رجعنا إلى الفندق وقد نال منا الجهد، وبدأنا نستريح لعدة أيام قبل أداء سنة العمرة.

أداء سنة العمرة

وفي مساء يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة، توجَّهنا إلى «مسجد أم المؤمنين سيدتنا عائشة» رضي الله تعالى عنها، للإحرام من جديد؛ لأداء سنة العمرة، ثم توجهنا إلى الحرم وصلَّينا في ساحته المباركة صلاةَ العشاء، وشرعنا في الطواف، وبعد إتمام الأشواط السبعة، صلينا ركعتين خلف «المقام» وتبركنا من «ماء زمزم»، وشربنا قهوة أعدتها إحدى المرافقات، سخن مام فاط امباكي؛ تبركا بـ«يوم الذكر» المنظم في «طوبى» بإذن من الشيخ محمد المنتقى، ثم سعينا بين «الصفا» و«المروة»، وتحللنا، وجلسنا في ساحة المسجد للاستراحة.

وأثناء الجلسة نظّمنا حلقة ذكر وإنشاد، ثم توجهنا إلى «محطة جرول»، وركبنا حافلتنا راجعين إلى الفندق في الساعة الثانية صباحا تقريبا.

وبعد يومين، أي في يوم السبت بعد صلاة العصر، زرنا «جبل النور» حيث يوجد «غار حراء»، وهو المكان الذي كان سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم يختلي فيه لعبادة ربه، وفيه نزل عليه الوحي لأول مرة. وهو جبل شاهق، وقد نجح بعضنا -وأنا منهم- في تسلق الجبل والوصول إلى قمته، والحمد لله رب العالمين!

كنتُ أتردَّدُ في الصعود، ثم رأيت عجائز، وشيوخاً بيضا لِحاهم، وأطفالاً صغاراً، يتسلَّقون بحماسة نحو القمة، فلُمتُ نفسي، وعزمتُ على الصعود.

وأثناء الصعود كنت أتخيَّلُ كيف كان سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- حريصا على الابتعاد عما كان عليه كفار «مكة» من عبادة الأوثان، وحريصا على الخلو مع ربه تعالى وسط مجتمع جاهلي متوغل في الجاهلية!

وفي طريق العودة توقَّفنا لدى «مقبرة المعلاة»، حيث دُفِنت سيدتنا خديجة رضي الله تعالى عنها.

وفي هذه المقبرة يوجد قبر والدنا العلامة الزاهد، الشيخ حسن بوسو بن الشيخ امباكي بوسو، الذي توفي في مكة سنة 1976م في موسم الحج. وقد حقق الله تعالى أمنيته في مجاورة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان عبَّر عن هذه الأمنية في بيتين من الشعر رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وهما:

جنَابَ القرْمِ أَخدمُه إذا ما

 

مواجهةُ الحبيبِ هنا تَفوتُ

وأرجو الله في ذا السَّعْيِ حوْزِي

 

مُجَاورةَ الشفيعِ إذا أموتُ

 وأثناء إقامتنا في مكة بعد الحج، زارنا إخوة أفاضل زيارة تفقدية، منهم معالي الدكتور خادم سيلا نائب المفوض العام، وسعادة القنصل العام بجدة السيد شيخنا امباكي بن الشيخ محمد الأمين، والأخ العزيز القاضي محمد المرتضى بوسو أحد مسؤولي المفوضية، والمفوض العام الدكتور أبو بكر سار.

 وكان لقائد بعثتنا السيد مختار سك وزميله شريف حسن بوسو دور كبير في خدمة الحجاج ومعاونتهم في قضاء حوائجهم بنشاط وأريحية.

وقد ساد غرفتَنا طيلة مكثنا في «مكة» جو مفعم بالمتعة والإفادة بين نقاشات علمية وروايات جميلة وطرائف مليحة وأحاديث مفيدة ومراجعات فقهية ... وكانت الغرفة تضم كلا من الشيخ صالح والشيخ عافية والحاج فاضل والشيخ مصطفى ومني.

الرحلة إلى المدينة المنورة

وفي ظهر يوم الخميس 25 من ذي الحجة 1444هـ (17 يوليو 2023م)، غادرنا «مكة المكرمة» في الحافلات متوجهين إلى المدينة المنورة لزيارة سيد الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كانت حرارةُ الشمس اللاذعة تعيد إليَّ ذكرياتِ هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وما قاسه هو وصحابته لرفع كلمة «لا إله إلا الله» ونشر رسالته، بعد أن سامه قريش ألوانا من الأذى وحارب دعوته بكل قسوة.

كان كثيرٌ منا يشكو من مشقة الرحلة ونحن داخل حافلات مكيفة الهواء، فكيف بمن قطع هذه المسافة على ظهر جمل وحيدا مع صديقه الوفي رضي الله تعالى عنه؟!

وصلنا إلى «المدينة المنورة» بعد ست ساعات من السفر، ونزلنا في «فندق البراق» الذهبي القريب من الحرم النبوي الشريف، وبعد تناول العشاء وسط زحمة شديدة استعددنا لزيارة الروضة الشريفة والصلاة في المسجد النبوي الذي قال عنه عليه السلام «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».

دخلنا الحرم وتوجهنا إلى الروضة الشريفة، وسلمنا على صاحبها -صلى الله عليه وسلم- وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، ثم دخلنا المسجد وصلينا المغرب والعشاء، ثم جلسنا لقراءة القرآن والقصائد الخديمية والذكر والدعاء إلى وقت صلاة الصبح، فصلينا فيها وعدنا إلى الفندق.

هكذا قضينا في «المدينة المنورة» بجوار «المسجد النبوي» أربعة أيام زرنا خلالها «بقيع الغرقد»، مقابر العديد من صحابة الرسول وأهل بيته الشرفاء رضي الله تعالى عنهم، و«مسجد قباء» الواقع في جنوب «المدينة»، وهو مسجد له فضل عظيم؛ لأنه أول مسجد بني في الإسلام، وقد ثبت عن النبي : «أنه كان يزور قباء كل سبت، راكبًا وماشيًا»، وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه ركعتين كان كعمرة». وبحمد الله تعالى صلينا فيه ركعات، راجين من الله تعالى أن يتقبلها منا!

وبالقرب من محل إقامتنا يوجد «مسجد الغمامة»، وهو مسجد بناه سيدنا عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- في الموضع الذي صلى فيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم آخر صلاة عيد في حياته، وما زال يصلَّى فيه الصلوات الخمس غلى الرغم من قربه الشديد للمسجد النبوي..... وسبب التسمية -كما روي- أن النبي صلى الله تعالى وسلم كان يصلي في هذا المكان صلاة الاستسقاء فظللته غمامة أثناء الصلاة!

وأثناء وجودنا في «المدينة» زارنا الأخ الفاضل السيد الإمام غاي والشيخ القاضي محمد يحظيه بن الحسن، ودار بيننا حديث شائق وذكريات جميلة حول العلاقة الروحية التي جمعت بين الشيخ الخديم -رضي الله عنه- وجده أحمدو بن الحسن أول من أخذ الورد المأخوذ من المريدين.

كما التقينا في «المدينة» برجال نشطاء في خدمة الحجاج منهم الأخ العزيز سرين امباكي لوح محمد.

التأهب لمغادرة «المدينة المنورة»

وبقلوب مفعمة بمشاعر متباينة ما بين فرحة غامرة لزيارة المسجد النبوي والروضة الشريفة وحزن عميق لمفارقة هذه البقعة الطاهرة، رتبنا حقائبنا في مساء يوم الاثنين 27 من ذي الحجة 1444هـ/ 17 من يوليو 2023م؛ للتوجه إلى «جدة»، وكنا نتوجس خيفة من طول هذه الرحلة التي قد تدوم ست ساعات من «المدينة» إلى «جدة» بالسيارة، وتسع ساعات من «جدة» إلى «مطار بليز جانج» بالطائرة، وحوالي ساعتين من المطار إلى «طوبى».

ولكن بفضل الله تعالى تطوَّع أحد المريدين بواسطة الشيخ صالح امباكي بشراء تذاكر لبعضنا ليسافروا عبر القطار السريع الذي يقطع المسافة بين «المدينة المنورة» و«جدة» في ساعتين، وقد هوَّن ذلك عناء هذه الرحلة بشكل كبير.

وصلنا إلى «مطار الملك عبد العزيز الدولي» بـ«جدة»، ونزلنا من القطار السريع ثم استأجرنا سيارة تاكسي لتقلنا إلى صالة الححاج، وانتظرنا فيها حوالي ثلاث ساعات، ثم صلينا فيها صلاة الصبح قبل الشروع في إجراءات ركوب الطائرة، وقد انطلقت بنا في الساعة الثامنة والنصف صباحا، متوجهة إلى «مطار بليز جانج»، وحطت بنا في الساعة الثانية بعد ظهر يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من ذي الحجة 1444هـ الموافق للثامن عشر من يوليو 2023م.

من المطار إلى الشيخ الخليفة

وبعد استلام الأمتعة والخروج من المطار، وجدنا في استقبالنا الشيخ مام تيرنو امباكي ابن الشيخ محمد المنتقى، وقد ازدادت سعادتنا لمَّا علمنا بأن سماحة الخليفة شرَّفنا بإرسال سيارته الخاصة؛ لتقلنا من المطار إلى منزله بـ«دار التنزيل» مباشرة، ووصلنا إليه في السابعة السابعة مساء. ووجدنا أن الشيخ حفظه الله تعالى كان يعدّ لنا مأدبة لضيافتنا وإظهار سعادته وشكره لله تعالى بعودتنا سالمين غانمين!

ولا يمكن لأحد أن يتصور ما كنا نشعر به من غبطة وسعادة في هذه اللحظات ونحن ننتظر رؤية طلعة الشيخ البهية، والتبرك بكرمه، وملاقاة الأهل والأصدقاء!

وبعد تناول ما لذ وطاب من الأطعمة والأشربة، استقبلنا الشيخ الخليفة بالوجه الطلق الباسم الذي كان بلسماً شافيا لكل ما عانيناه من وعثاء السفر، فسلّمنا عليه، وقدمنا إلى حضرته هدايا رمزية اقتنيناها من الأماكن المقدسة. وكانت هذه الجلسة الطيبة مسك ختام لرحلة مباركة لن ننساها مدى الحياة!

تقبل الله منا ومن شيخنا محمد المنتقى وأبقاه ذخرا للإسلام والمسلمين.

                                                         د. سام بوسو عبد الرحمن

                                طوبى غرة شهر محرم 1445هـ/ الموافق لـ 19 يوليو 2023م.

تحميل بصيغة pdf

السبت، 20 مايو 2023

نظرة تحليلية على الخطاب الجامع لسماحة الخليفة العام للطريقة المريدية مولانا الشيخ محمد المنتقى امباكي بمناسبة عيد الفطر المبارك 1444هـ

 

بمناسبة عيد الفطر ألقى شيخنا محمدٌ المنتقى امباكي الخليفةُ العام للطريقة المريدية خطاباً جامعاً ووجيزاً (15 دقيقة)، ومليئا بمعانٍ سامية لا تحصى، وفوائد جليلة لا تعد ولا تستقصى. وهو خطاب يفتح آفاقاً واسعةً أمام وحدةِ المسلمين في هذا البلد، ويضعُ أسساً متينةً لترسيخ السلام والوئام فيه، وهو خطابٌ منهجي يُحدد الأسسَ والمبادئ، ويبين الشروط، ويضع النقاط فوق الحروف، خطاب متسمٌ بالصراحةِ والصدقِ، ولكنَّه مفعمٌ بروح الأخُوَّة، ومشاعرِ العطف على المسلمين، والحرصِ على مستقبل هذا البلد وتماسكِ مجتمعِه. ويتضمَّنُ توجيهاتٍ، ووقفةً مهمةً حول العلاقات بين المسلمين في البلاد ودعوةً إلى الوحدة باعتبارها شرطا لتحقيق السلام.

1.            التوجيهات

في مستهلّ الخطاب بعد عبارات الشكر الموجهة إلى إخوته ومريديه وإلى سائر المسلمين جدَّد الشيخُ الخليفةُ -حفظه الله تعالى ورعاه- توجيهاتِه وإرشاداتِه التي ما زال يُردِّدها في كل مناسبة، وتتمثل في:

أ‌-  الأخذ بتعاليم الإسلام والتمسك بها قدر المستطاع؛

ب‌-  الالتزام بما تقتضيه «الإرادة الصادقة» من واجبات وحقوق؛

    ج- التخلق بمكارم الأخلاق في معاملاتنا، وتجنب الأخلاق السيئة.

 يقول في مستهل الخطاب: «فلن نطيل الكلام؛ لأنّ ما أقوله يكون تكرارا لما سبق أنْ قلتُه: وهو أن نجتهد أكثر في مراعاة تعاليم ديننا وفي العناية بها، ونجتهد أيضا في مراعاة مقتضى «إرادتنا» وفي تحسينها، وأن نجتهد كذلك في علاقاتنا فيما بيننا، وفي التحلي بمكارم الأخلاق في معاملاتنا، وهي الأخلاق الحميدة الجميلة، وأن نحرص على مكافحة أضداد هذه الأخلاق الحميدة الموجودة فينا، ونضاعف جهودنا في تطبيق هذه الأخلاق في تعاملنا، من حيث الاحترامُ المتبادلُ، ونيةُ الخير، والتضامنُ؛ ابتغاء لمرضاة الله تعالى».

2.            وقفة حول العلاقة بين زعماء الإسلام و«الطريقة المريدية»

وقف الشيخُ الخليفة -حفظه الله تعالى ورعاه- في خطابه وقفةً مهمة وفريدةً من نوعها حولَ الأخوةِ الإسلاميةِ بين مسلمي البلد، وقفةً وضَّح فيها الأساسَ الذي تنبني عليها علاقاتٌ سليمةٌ من شأنها أن تُفضيَ إلى الوحدةِ وإلى السلام وهو: الاعترافُ بـ«الآخَر» والتقديرُ لمكانته.

فقد شكر سماحةُ الخليفة -حفظه الله ورعاه- المسلمينَ الذين هم إخوةٌ في الدين وفي النسب، وجيرانٌ في الوطن، وعلى رأسهم القيادات الدينية، شكرهم على جهودهم في مهمة خدمة الإسلام، وهي مهمة مشتركة. ثم نوَّه بالمجبة الصادقة التي يكنها عمومهم لجناب مولانا شيخنا أحمدَ الخديم رضي الله تعالى عنه، وما ينمِّه ذلك من موقف تقديرٍ لمكانة الشيخ الخديم ودوره رضي الله تعالى عنه مع إعطاء جنابِه حقَّه. يقول -حفظه الله تعالى-: «إنّ لدينا معرفةً واضحةً بشيءٍ يهمُّنا كثيراً وهو موقف إخواننا المسلمين الذين يعيشون معنا في هذا البلد تجاه الشيخ الخديم -رضي الله تعالى عنه-، الذي نضعه نحن نصبَ أعيننا؛ فعندنا علمُ اليقين بأنهم يُوفونه حقه، ومن أعطاك حقك فقد برئت ذمّتُه نحوك!».

 وهذا المبدأ المتمثل في الاعتراف والتقدير المتبادل أساس وشرط لا يمكن بناء علاقة متينة وسليمة بدونه.

وبيَّن سماحة الخليفة -حفظه الله تعالى ورعاه- أيضا أنّ لهذا الاعتراف ما يبرِّرُه من سلوك الشيخ الخديم نفسه رضي الله تعالى عنه، وفقاً لقاعدة "الجزاء من جنس العمل؛ فاسمه الحقيقي هو «العبد الخديم»؛ فهو إذاً عبد الله -تعالى- وخديم رسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، ولم يزل يدور في فلكي «العبودية» لله و«الخدمة» لرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم. يقول: « هذا، وكان الشيخ، ولله الحمد والشكر، قد هيَّأ لنا كلَّ شيء، فاسمُه الحقيقي «العبد الخديم»، عبدٌ لله وخديمٌ لرسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، فهو لا يكون سوى «عبد الله»؛ وأما علاقته بالرسول -صلى الله تعالى عليه وسلم-، فهو «خديم له» بإذن من ربه، فهو لم يفارق قط هذه المنزلة بين عبادة الله تعالى وخدمة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم».

ولكن الخليفة -حفظه الله تعالى وأعلا مجده-، من ناحية أخرى، ذكر وأكَّد الموقفَ المطلوب من المريدين، استجابةً لذلك الموقف الإيجابي من إخوانهم، وهو الاقتداءُ بمولانا الشيخ الخديم -رضي الله تعالى عنه- في لزوم العبادة لله تعالى وخدمة المسلمين، وتحسين علاقاتهم معهم، فقال : «وإذا كان إخوتنا الذين تجمعنا بهم روابط النسب والدين والوطن يعرفون الشيخ الخديم [رضي الله تعالى عنه] ويعطونه حقَّه قدر َاستطاعتهم   -ولا نشك فيه- فجزاء ذلك أن نقوم نحنُ بواجبنا، فنتمسك بعبادة الله تعالى كما يريدها منا، ويريدها الشيخ لنا، ونلتزم التزاما تامًّا بخدمته في الإسلام، وذلك بخدمته في المسلمين، وهكذا تكون استجابتُنا لإخوتنا المسلمين، وخاصة لزعماء الإسلام الذين يشاطروننا المهمة».

3.            الدعوة إلى السلام وبيان شروطه

وقف الشيخ الخليفةُ -حفظه الله تعالى ورعاه- في خطابه على نقطة مهمة، وهي دعوة زعماء الإسلام إلى السعي لترسيخ السلام ليس في السنغال فحسب، بل في العالم كله، مع بيان شروطه التي منها:

·   الصدق في التَدَيُّنِ والتوجه إلى الله تعالى، وهو أساسُ أي تعاملٍ سليمِ بين المسلمين؛

·   وحدةُ الصف، ويقوم على وحدة الأهداف وتوحيد الجهود؛

·   التفاهم، ويتطلب التعارفَ والتواصلَ والتشاور؛

·   إخلاص النية في طلب مرضاة الله تعالى.

فإذا تحققت هذه الشروطُ يتحقق «السلام» الذي يَنشُده العالمُ ولا يعرف كيف ولا أين يجده. يقول في الخطاب: «فلنضاعف الجهود في مهمتنا المشترَكة، وليكن همُّنا أن يكون إسلامُنا صادقا فينا، فإذا كنَّا صادقين في إسلامنا، وكنَّا متحدين ومتفاهمين، سيحِل السلام الذي ننشده لا في البلاد فحسب، بل في العالم كله!».

فإن اجتهد الزعماء الذين قدَّمهم اللهُ -تعالى- وجعلهم قادة دينيين، وكان الإسلام صادقا فيهم واتحدوا وكانوا مسلمين حقيقيين، وطالبين لمرضاة الله؛ فإن ما يبحث عنه العالم ولا يستطيع أن يجده -وهو «السلام»- سيكون متحققا كما نريده.

وهذه النظرةُ من مولانا الشيخ محمد المنتقى تَنِمُّ عن رؤيته البعيدة التي تتجاوز حدود البلد لترنو إلى آفاق رحبة تشمل العالم بأسره، وذلك باعتباره شيخا للمسلمين ومجددا لطريق القوم!

إنَّ هذه الدعوةَ إلى «السلام» ليست وليدةَ اللحظة، فهي دعوةٌ أصيلةٌ وصادقةٌ،  تمتدُّ جذورُها إلى الشيخ الخديم -رضي الله تعالى عنه- صاحب المنهج السلمي[1]، فقد قدَّمَ نموذجاً في الدعوة السلمية والجهاد السلمي، ويمكن للعالم أن يستلهم هذا النموذج:  واجه الشيخ أحمد الخديم رضي الله تعالى عنه في حقيقة الأمر عدواً قوياً لدوداً سامَهُ ما لا يوصف من أنواع الظلم والتعذيب، ولكنه تحمَّل وصبر لوجه الله -تعالى- مُصمِّماً على إنجاز مهمته، وبعون الله -تعالى-، نجح في رفع راية الإسلام خفاقةً في هذه المنطقة، وهذا هو فحوى قول الشيخ محمد المنتقى «وإذا صدر منا هذا الكلامُ يمكن أنْ يصدقه الجميع نظراً لمواقف الشيخ الخديم [رضي الله تعالى عنه] في نشر السلام؛ فمن تأمَّل في أمره ورأى العدو القوي الذي واجهه حين ظهر، وعامله لعدة سنوات أشد أنواع المعاملة قساوةً وألماً، فتحمل وصبر لوجه الله تعالى، ولم ير سواه، وخدَم الإسلام خدمتَه الجليلة، حتى وصل إلى ما وصل إليه، ولم تُرق قطرة دم، فمن نظر في هذا الأمر يوافقنا إذا دعونا إلى سلام».

 ويختتم مولانا الشيخ الخليفة -حفظه الله تعالى ورعاه- خطابه بتمثيل جميل يُظهر حرصه على توثيق روابط الأخوة الدينية والطينية بين المسلمين وعلى حسن تجاوبه مع موقفهم الإيجابي تجاه الشيخ الخديم -رضي الله تعالى عنه- في قوله: «فهم مدُّوا إلينا يدًا، ونحن نمد إليهم يديْن!» تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا﴾ [النساء: 85].

وفي النهاية، يمكن القولُ إنَّ هذا الخطابَ كثيف المبنى ورحب المعنى؛ فهو على وجازته لفظاً، يحتوي على أسُس السعادة الدنيوية والأخروية، وشروطِ تحقيق الأخوَّة الإسلامية التي تعتبر سلُّماً للوصول إلى «السلام» الراسخ الشامل، وهو خطابٌ يَدعو إلى التفاؤُل بمستقبلٍ مُشرق للإسلام في هذه المنطقة؛ لأنها أساسٌ للوحدةِ والتفاهُمِ والتضامنِ بين المسلمين.

حفظ الله تعالى شيخنا الخليفة وأبقاه ذخراً للإسلام والمسلمين وجزاه عنا خير الجزاء.

                                                      سام بوسو عبد الرحمن

                                                                                                        طوبى بتاريخ  7 شوال 1444هـ (28 أبريل 2023م)

ملاحظة : يمكن تحميل نص الخطاب من هنا 


[1] فالشيخ الخديم رضي الله تعالى عنه اختار منهجا سلميا في جهاده لرفع كلمة الله تعالى، فقد دعا الله سبحانه وتعالى أن يجدد به سبيل الهدى بدون ألم في قوله: "وبِيَ جدِّدِ السبيل بلا عدى أو ألمِ"

وصرح بأن وسائله في الجهاد هي العلوم والتقوى يقول رضي الله تعالى عنه :

"إني أجاهد بالعلوم وبالتقى عبدا خديما والمهيمن شاهد

فقد كرس حياته لخدمة الرسول صلى الله عليه في التعليم والتأليف والتربية، وتعرض لأشد أنواع الابتلاء على أيدي المحتلين الفرنسيين، فصبر وعفا، ويقول بعد أن أُخرجَ من بلده لأكثر من سبع سنوات :

عفوت عن الأعداء طرا لوجه من                         نفاهم لغيري سرمدا لست أدفع

الخميس، 30 مارس 2023

افتتاح مجمع الشيخ أحمد الخديم ... دلالات وآفاق


في الثالث عشر من شهر مارس ٢٠٢٣م عُقدت الجلسة الافتتاحية لقسم التمريض والقبالة بالمعهد العالي للعلوم والمهن الصحية التابع لمجمع الشيخ أحمد الخديم بطوبى، وبذلك اكتملت فروع المجمع التي تنطلق في هذه السنة؛ وهي المعهد القرآني، والمجالس التعليمية ( المحظرة ) وكلية الدراسات الإسلامية والعربية،  وقسم التمريض والقبالة
.

وهكذا بدا مشروع الشيخ محمد المنتقى التربوي العملاق يتجسد عمليا من الناحية الأكاديمية، بعد اكتمال الجزء الأكبر  من المرافقفمنذ أربع سنوات، انطلقت اللجان الفنية بقيادة الشيخ احمد البدوي بن الشيخ محمد الفاضل لبلورة المنهاج التعليمي والتكويني المبني على الرؤية التربوية للشيخ الخديم وهي رؤية قائمة على ثلاثية «العلم النافع والعمل الصالح والادب المرضي».

 

 وفي زمن قياسي وبفضل الهمم الرفيعة لعلماء الطريقة وخبرائها ومربيها تمَّ بناء المناهج، وفي الوقت نفسه سارت على هذه الوتيرة عملية تشييد المباني وتجهيزها.

وفي الخامس عشر من رجب ١٤٤٤ه الموافق للسادس من شهر فبرائر ٢٠٢٣م، حضر الشيخ الخليفة بنفسه في المجمع  ليبارك افتتاحه.  

الشيخ محمد المنتقى حين يعلن قيام هذا المشروع وضَّح رؤيته وغايته التي كان يرنو إليها: تحقيق أمنية الشيخ في أن تكون مدينة طوبى مدينة علمية وقبلة يؤمها طلبة العلم من كل صوب، مدينة تقود النهضة العلمية والثقافية للبلاد وللأمة جمعاء

 

وفي افتتاح المجمع دلالات ورموز ومعان عميقة، فحين كان الشيخ يباشر إلقاء الدرس الاول للأطفال استخدم لوحة كان الشيخ الخديم نفسه استخدمها لتلقين الدرس الاول من القرآن الكريم لأحد مريديه وهو الشيخ محمد لوح ابن الشيخ مختار بنت لوح ولقن الاطفال البسملة، وفي ذلك إشارة الى كون هذا المدرسة امتدادا للمدرسة الخديمية التي ذكرها في قوله:

 بالمصطفى لي بنى القدور مدرسة                بها يزول الأذى والجهل والكبد

 

وفي الجلسة الافتتاحية للمجلس التعليمي باشر الشيخُ الحاجّ امباكي جخت عميد معهد دار المعارف تلقين الدرس الاول من كتاب "تزود الصغار " للأطفال حفظة القرآن الكريم. ودار المعارف مجلس تعليمي أسسه الشيخ محمد الفاضل في المسجد الجامع تنفيذا لإرادة الشيخ الخديم، وقد أكد في كلمته أن محظرة المجمع امتداد لدار المعارف، فكان في ذلك دلالةٌ أخرى على تمدُّد تلك الشعلة المباركة من المسجد الجامع إلى مجمع الشيخ أحمد الخديم. 

فهذه الاشارات تؤكد الدور المحوري الذي سينهض به هذا المجمع التربوي في تحقيق طفرة علمية مباركة شاملة، إلى جانب دور المؤسسات التربوية التي أقامها رواد التربية الحديثة في الطريقة المريدية، وفي مقدمتهم المجاهد الأكبر الشيخ محمد المرتضي ابن الشيخ الخديم، والشيخ أحمد امباكي ابن الشيخ محمد المصطفى رضي الله تعالى عنهم. فهذه المؤسسات التربوية بالإضافة إلى المجالس التعليمية التقليدية العريقة أسهمت بشكل كبير في الحفاظ على التربية الإسلامية ونشرها في البلاد حتى قام المجمع، باعتباره مؤسسة تابعة للخلافة المريدية، ليصبح دعامة التطور العلمي في السنغال وفي إفريقيا كلها. 

 

والنظام التربوي المبني على ضوء الرؤية الشيخ الخديم وتوجيهات خليفته يقوم على الجمع بين التربية الدينية والتكوين الأكاديمي والمهني وإزالة الحواجز اللغوية والثقافية التي تعوق التفاعل الحيوي المثمر بين قوى المجتمع الإسلامي في إنجاز المشاريع الكبيرة وضمان تنمية المجتمع وتقدمه

 

وانطلاق هذا المجمع، في حقيقة الأمر، يفتح آفاقا واسعة للمنطقة من الناحية العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية فالمجمع سيكون كعبة علمية ومركز إشعاع ثقافي في طوبى وسيخلق دافعا قويا على البحث العلمي كما أنه سيسهم في إحياء وحفظ ونشر التراث العلمي والادبي للشعب السنغالي عموما وللمريدية خصوصا.

 ومن الناحية الاقتصادية تمثل عملية التكوين عصب التنمية، لأن من شروطها توافر موارد بشرية ذات كفاءة مهنية، وتقنية عالية.

 ومن الناحية الاجتماعية تعد التربية الدينية الصحيحة ركيزة الحياة الاجتماعية السليمة وهي التي تضمن للمجمع التماسك والانسجام.

 

فالمجمع، في نهاية المطاف، يعزز الآمال في تقدم علمي نوعي في طوبى، وفي البلاد عموما، هذا التقدم الذي سوف يرفع المدينة المحروسة إلى مصاف المدن العلمية العريقة المشهورة في تاريخ الحضارة الإسلامية مثل المدينة المنورة، والكوفة، والبصرة وغيرها من المدن الإسلامية كما ذكره شيخنا المنتقى حين كان يعلن هذا المشروع.  

 

جامعة الشيخ أحمد الخديم تحقّق إنجازًا أكاديميًا بارزًا بالحصول على الاعتماد المؤسسي

حقّقت جامعة الشيخ أحمد الخديم بطوبى إنجازًا أكاديميًا نوعيًا بحصولها على الاعتماد المؤسسي (Habilitation institutionnelle) من الهيئة الوطنية ...