بقلم الدكتور سام بوسو عبد الرحمن والدكتور عبد الأحد امباكي عبد الباقي
عثرتُ على نص مهم بخط والدي الشيخ عبد الرحمن بوسو يتناول فيه الشيخ محمد الفاضل الخليفة الثاني للمريدية علاقتَه بالرئيس الأول للسنغال بعد الاستقلال، لووبول سيدار سينغور، فوجدته نصا ذا قيمة تاريخية وعلمية لأنه يتعلق بقضية ذات صبغة دينية وسياسية معا، فهو يُظهر على وَجازته رؤيةَ الشيخ البعيدة ووعيَه العميق برهانات عصره، ومقتضيات دينه، باعتباره شخصية دينية ومرشدا روحيا يلتف حوله ملايين من المريدين، في طل دولة وطنية. وأردت أن أقف وقفة تحليلية مع هذا النص الأساسي المفعم بالدلالات والمعاني.
النص
ثِقَتِي بِمَنْ يَسْأَلُونَنِي عَمَّا هُوَ سَبَبُ مُخَالَطَتِي، أَوْ نَحْوَ مُصَاحَبَتِي مَعَهُ وَمُعَامَلَتِي، قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. فَهِمْتُ مِنْهُ أَنَّ الدِّينَ هُوَ الطَّرِيقُ، وَطَرِيقُ كُلِّ دِينٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كَيْفِيَّةِ السُّلُوكِ فِيهِ لِأَهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ؛ فَالسَّالِكُونَ صِنْفَانِ: دُنْيَوِيٌّ وَأُخْرَوِيٌّ، طَالِبُ الدُّنْيَا وَطَالِبُ الْآخِرَةِ. وَحِينَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، سَلَكَ كُلٌّ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ دِينَهُ، لِسَانُ حَالِهِ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.
طَالِبُ الدُّنْيَا بِالسِّيَاسَةِ، وَلَا بُدَّ لِلسَّائِسِ مِنْ إِعْدَادِ آلَاتٍ لَهَا، وَطَالِبُ الْآخِرَةِ هَمُّهُ التَّقَوِّي عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، طَاعَتِهِ، وَهَذَا الْمُشَارُ إِلَيْهِ، لَمَّا تَحَزَّمَ عَلَى طَلَبِهِ بِدِينِهِ أَتَانِي، وَحَلَفَ بِأَنِّي مَطْلَبِي، إِنْ وَجَدْتُهُ أَكُنْ مُعِينًا لَكُمْ فِي أُمُورِ دِينِكُمْ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» يَعْنِي بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِهِ، تَأَوَّلْتُ بَلْ تَحَقَّقْتُ أَنَّهُ هُوَ فِينَا. انْتَهَى.
أولا: تحليل الدكتور سام بوسو عبد الرحمن
يُعدّ هذا النص وثيقة مهمة ذات دلالة عميقة في فهم علاقة الطرقة المريدية بالسلطة السياسية في السياق السنغالي، لا سيما في مرحلة ما بعد الاستقلال. إذ يسعى صاحبه، الشيخ محمد الفاضل، رضي الله تعالى عنه، من خلاله، إلى تقديم مبرر شرعي وفكري لموقفه من تأييد شخصية سياسية غير مسلمة (وهو سينغور)، في ظل اعتراضات دينية محتملة من قبل من لا يقفون على بواطن الأمور. ويكشف النص عن رؤية أصيلة تجمع بين المرجعية النصية والواقعية السياسية.
ينطلق الشيخ محمد الفاضل من طرح إشكالي يتمحور حول مشروعية العلاقة بين العالم الديني، أو شيخ طريقة صوفية ورجل السياسة، خاصة عند اختلاف المرجعيات العقدية. ويعتمد في معالجته لهذا الإشكال على ثلاث ركائز أساسية: الاستدلال بالنصوص الشرعية، والتقسيم الصوفي للمقاصد الإنسانية، وفقه المصلحة والمآلات. ويُلاحظ أن النص لا يتخذ طابع الدفاع الانفعالي، بل ينهج أسلوب التبرير العقلاني المؤسس دينيًا.
يلاحظ أولا أن الشيخ قد وظَّف عددًا من الآيات القرآنية، أبرزها قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، مُقدِّمًا قراءة وظيفية للآية، لا تقف عند حدّ المفاصلة العقدية، بل تؤسس لمبدأ التمايز دون القطيعة. فالدين، في تصوره، هو طريق في الحياة، ولكل طريق مقتضياته السلوكية والاجتماعية. كما يستحضر قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ لتأكيد أن الغاية الأخروية هي المقصد الأسمى، غير أن اختلاف السبل لا يلغي ضرورة تنظيم الشأن الدنيوي، خاصة إذا علمنا أن هذا الشأن الدنيوي قد يكتسي صبغة دينية في منظور الشيخ الخديم صلاحية القصد وصدق النية.
وتأسيساً على ما سبق، يعتمد الشيخ رضي الله تعالى عنه تقسيمًا ثنائيًا معروفا في الأدبيات الصوفية، حيث يقسم الناس إلى طالب الدنيا، وهو المعني بالسياسة وتدبير الشأن العام، وطالب الآخرة، وهو المنشغل بالعبادة والتزكية والتربية الروحية.
غير أن هذا التقسيم لا يحمل هنا حكمًا قيميًا سلبيًا على طالب الدنيا، بل يُقرّ بضرورة دوره الوظيفي داخل المجتمع. وبذلك يتجاوز الشيخ النظرة الإقصائية للسياسة، ليعترف بها كحقل خاص له أدواته وآلياته.
ومن ناحية أخرى، يُبرز النص وعيًا سياسيًا واضحًا حين يؤكد أن السياسة تتطلب إعدادًا وأدوات خاصة، غير أن الشيخ لا يمنح الشرعية المطلقة لرجل السياسة، بل يُقيد العلاقة معه بشرط أساسي، يتمثل في خدمة الشأن الديني وحماية مصالحه.
وبذلك يؤسس الشيخُ لما يمكن تسميته علاقةً تعاقدية مشروطة بين الزعيم الديني والسلطة السياسية، تقوم على الاستفادة من هذه السلطة فيما يعود على الدين بالنفع دون خضوع أو تبعية.
وانطلاقا من فقه المآلات، يستدل الشيخ بحديث النبي ﷺ: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»، مقدمًا تأويلًا عمليًا سديدا للحديث، مفاده أن نفع الشخص للدين لا يشترط فيه صلاحه العقدي أو الأخلاقي بل العبرة بالمآلات والنتائج لا بالصفات الشخصية. ويكشف هذا الاستدلال عن حضور واضح لـفقه المصلحة وفقه الواقع، حيث تُقدَّم المصلحة العامة للدين على الاعتبارات المثالية.
وإضافة إلى هذا الفهم للواقع، يحمل النص عدة دلالات مركزية، من أبرزها إقرار مبدأ التعايش السياسي مع غير المسلم في إطار الدولة الحديثة، واستقلالية المؤسسة الدينية عن السلطة، مع الانفتاح على التعاون المشروط، وأخيراً إبراز الواقعية الصوفية المريدية بوصفها نمطًا فكريًا منخرطًا في الشأن العام.
خاتمة
يُبرز نص الشيخ محمد الفاضل - في نهاية المطاف - نموذجًا متميزًا في التفكير الإسلامي، يقوم على الموازنة بين الثابت الديني ومتغيرات الواقع السياسي. وهو نص يعكس انتقال الشيوخ من منطق المواجهة أو العزلة إلى منطق التدبير والتأثير غير المباشر، ضمن رؤية أخلاقية تحافظ على استقلال الدين وتخدم مقاصده العليا. ويمكن اعتبار هذا النص لبنة أساسية لفهم فقه العلاقة بين شيوخ الطريقة المريدية والسلطة في السنغال المعاصرة، خاصة في سياق الدولة الوطنية بعد ستقلال البلاد.
ثانيا : تعليق الدكتور عبد الأحد امباكي عبد الباقي أخي الحبيب فضيلة الشيخ الدكتور،حلّلتم تحليلا دقيقا هذا النص القيم لسيدي العلامة الخليفة المعظم الشيخ محمد الفاضل مباكي، والمحفوظ بخط والدكم العلامة المكرم الشيخ عبد الرحمن بوسو ، على ضريحهما شئابيب الرحمة والرضوان، وقد أبرزتم من القيمة العلمية بدقة منهجية الشيء الكثير، فجزاكم الله خيرا، وبارك فيكم غير أنه يسعدني-استكمالا لما تفضلتم به-أن أقدّم ما تيسر من تعليق على النص وما كتبتم حوله، بما يمكن أن يفتح لي ولغيري آفاقا أخرى لمثل هذا الصنيع الجميل المرجو نفعه.
أقول إن هذا النص عند التحقيق لَاجتهاد تنزيلي واع مكتمل الأركان ومتزن الأوزان استحضر فيه صاحبه سيدي الشيخ محمد الفاضل كليات الشريعة ووازن بين مقاصدها، ونزل حكما عمليا على واقع الدولة الوطنية الحديثة إذ ذاك بعد الاستقلال حيث تغيّرت صور السلطة، وتعذّر استحضار نموذج (الإمامة المستجمعة للشروط)
وهذا بعينه لما يقررمن كلام الإمام الشاطبي حين قال(..إنَّ الْوَقَائِعَ فِي الْوُجُودِ لَا تَنْحَصِرُ؛ فَلَا يَصِحُّ دُخُولُهَا تَحْتَ الْأَدِلَّةِ الْمُنْحَصِرَةِ، وَلِذَلِكَ احْتِيجَ إِلَى فَتْحِ بَابِ الاجتهاد من القياس وغيره، فلا بُدَّ مِنْ حُدُوثِ وَقَائِعَ لَا تَكُونُ مَنْصُوصًا عَلَى حُكْمِهَا، وَلَا يُوجَدُ لِلْأَوَّلِينَ فِيهَا اجْتِهَادٌ، وَعِنْدَ ذَلِكَ؛ فَإِمَّا أَنْ يُتْرَكَ النَّاسُ فِيهَا مَعَ أَهْوَائِهِمْ، أَوْ يُنْظَرَ فِيهَا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ أَيْضًا اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، وَذَلِكَ كُلُّهُ فَسَادٌ؛ فَلَا يَكُونُ بُدٌّ مِنَ التَّوَقُّفِ لَا إِلَى غَايَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى تَعْطِيلِ التَّكْلِيفِ لُزُومًا، وَهُوَ مؤدٍّ إِلَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاق؛ فَإِذًا لَا بُدَّ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ زَمَانٍ؛ لِأَنَّ الْوَقَائِعَ الْمَفْرُوضَةَ لَا تَخْتَصُّ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ.)
بالنظر إلى النص والتعليق من هذه الزاوية نرى أن منهج شيخنا محمد الفاضل التقاء يلتقي مع ما قرّره كبار الفقهاء الأصوليين المحققين من أمثال إمام الحرمين الجويني في غياث الأمم، وحجة الإسلام الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين وغيره في باب السياسة الشرعية، ومخالطة السلطان، وحفظ نظام الدين والدنيا، وكما قرره الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات والإمام طاهر بن عاشور والإمام عبد الله بن بيه
فلمن شاء أن يجيل النظر في ضبط الجانب الأصولي، وأولى خطوات النظر الصحيح في الأمر– كما فعل الشيخ ضمنا – هي تحرير محلّ النزاع؛ فالقضية ليست تقرير صحة دين غير المسلم، ولا إلغاء المفاصلة العقدية التي دلّ عليها النص القطعي: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وإنما النزاع محصور في جواز المخالطة والمعاملة السياسية مع سلطة غير مسلمة بقصد تحقيق مصلحة راجحة للدين وأهله في ظل دولة جامعة، ومع مراعاة الضوابط الشرعية.
وهذا الباب من حيث تصنيفه الأصولي من باب السياسة الشرعية والمصالح المرسلة وفقه المآلات، وليس من باب العقائد ولا باب الولاء والبراء بإطلاقه، وإخراج المسألة من هذا الإطار هو أصل الخلل في كثير من الاعتراضات المحتملة.
ثانيًا: الدين طريق، هو مفتاح الرؤية المقاصدية عند الشيخ الخليفة العلامة، فلما قال رضي الله عنه (فهمتُ منه أن الدين هو الطريق) جاد علينا نحن معاشرَ طلبة العلم بمفتاح تصوري عميق؛ إذ عرف الدين بكونه:اعتقاداوعبادة،وسلوكاونظاما تربويا واجتماعيا،ومسارا تاريخيا يحتاج إلى بيئة تحميه ليستمر.
ومن هنا يصبح تدبير العلاقة مع السلطة جزءا من حفظ الطريق، لا خروجا عنه، وهذا عين ما تقرر عند الإمام الغزالي رضي الله أن انتظام الدين متوقف على انتظام الدنيا، وأن الدنيا من حيث هي أمن ونظام ومعاش شرط سابق لإقامة العبودية، وأن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، وإن نظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع.
فليس المقصود تعظيم السلطة لذاتها، بل إدراك أن الفوضى والاضطراب أخطر على مقاصد ومصالح الدين والإنسان عاجلا وآجلا من وجود سلطة ناقصة الشروط في النظر الفقهي عند البعض.
ثالثا: تقسيم (طالب الدنيا) و(طالب الآخرة) إنما هو توزيع وظائف فحسب كما قلتم وليس تصنيف قيم.
يقيم الشيخ بناءه على تقسيم معروف في الأدبيات الصوفية، ويوظفه توظيفا وظيفيا مقاصديا لا أخلاقيا تقويميا؛ فطالب الدنيا عنده هو صاحب السياسة وتدبير الشأن العام، ولا بد له من "آلات" أي مؤسسات وقوة وتنظيم، وطالب الآخرة: وهو صاحب المقصد الأعلى، المتمثل في العبادة والتزكية وعمارة الأرض.
وينبغي العلم والتأكيد على أن هذا التقسيم لا يتضمن ذما للسياسة بتاتا ولا تزكية مطلقة لها، بل يقرّ بضرورتها، مع إخضاعها للمقصد الأعلى، ولاشك أن ذلك مستنبط من مدرسة جحة الإسلام الإمام الغزالي التي تميل إلى منع اعتبار السياسة والتدبير غاية مستقلة عن الدين، والداعية إلى جعلها خادمة له.
وعليه فإن شرعية آلات السياسة تُستمد من خضوعها لمقصد العبودية، وهذا هو جوهر الميزان الذي وضعه الشيخ العلامة.
رابعا: فقه الواقع والضرورة صدى لكتاب غياث الأمم في موقف سيدي الشيخ
يُعدّ غياث الأمم للإمام الجويني متضمنا لأبرز النصوص التجديدية من الكتب القديمة الموضحة لحالات اختلال شروط الإمامة، إذ قرّر فيه أن المقصد الأعظم من السلطان هو حفظ بيضة الإسلام، ودفع التظالم، ومنع التهارج، وأن ترك الناس فوضى يفضي إلى ضياع الدين والدنيا معا؛ ولهذا تقررأن ما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن؛ أي أن الردع السلطاني مهمى كان قد يمنع من الفساد ما لا تمنعه الموعظة وحدها.
وكذلك الإمام الشاطبي حين قال ما معناه في غير ما موضع من كتابه الموافقات أن إهمال المصالح في الجملة مفسدة، كما أن رعايتها في الجملة مصلحة.
وفي هذا الإطار نفهم موقف الشيخ محمد الفاضل، فهو لم يمنح السلطة القائمة تزكية عقدية، ولم يذب فيها، لكنه تعامل معها باعتبارها واقعا ذا شوكة يمكن توجيهه لخدمة مصالح الدين، أو على الأقل منع الإضرار به، فجعل من مهمته الوظيفية كمرجع وشيخ مرب ذي شرعية اجتماعية التزاما واضحا متمثلا في حماية الشأن الديني؛ومن هنا جاءت عبارته الفاصلة:
"إن وجدتُه أكن معينا لكم في أمور دينكم، وإلا فلا"
وهي عبارة تختزل منطق الجويني في تحميل أهل العلم مسؤولية توجيه السلطة الواقعية حين يتعذر النموذج المثالي.
خامسا: المخالطة مع المفاصلة (القاعدة الأخلاقية الحاكمة)
يوافق الشيخ محمد الفاضل مع الإمام الجويني والإمام الغزالي و الإمام محمد طاهر بن عاشور في أن الاجتماع الإنساني لا يستقيم إلا بالتعاون، ولو اختلفت العقائد، ما دامت المقاصد العامة محفوظة
أما الإمام الغزالي مع تحذيره الشديد من فتنة السلطة فقد قرر أن مخالطة الظلمة تجوز لغرض مصلحة راجحة؛ كدفع ظلم أو إقامة حق، ويمنع الثناء والتزكية والمداهنة، ويقصر المخالطة في حدها الأدنى على السلام أو ما يحقق المصلحة دون إضاعة الدين.
وهذا بعينه ما التزمه الشيخ محمد من مفاصلة عقدية صريحة، وتجنب التزكية المطلقة، وتعاون مشروط بمصلحة الدين والوطن، واستعداد للانسحاب إن انتفى الشرط، فالمخالطة هنا لاتلبس بالولاء المطلق، لكنها تدبير منضبط، تحفظ للدين استقلاله، وتمنع عنه الاستئصال أو التهميش.
سادسا: حديث (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) فقه المآلات وفصل الفعل عن الفاعل
واستحضار الشيخ لحديث (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) إنما يجري على هذا الأصل الشاطبي الجليل القاضي بأن "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا"، لا ينفك عنه الاجتهاد الرشيد.
من أبرز ما في نص الشيخ وأعمقه أصوليا استدلاله بحديث:(إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) وهذا الاستدلال يُفهم في إطار فقه المآلات؛ إذ يفصل بين:وصف الفاعل، وأثر الفعل ونتيجته على الدين والجماعة.
وقد قرر الإمام الغزالي هذا المعنى في مواضع متعددة حين اعتبر أن العبرة في السياسة ليست بكمال الحاكم، بل بما يترتب على حكمه من أمنٍ وحفظ للنظام، ومنع للفوضى التي هي أشد ضررا على الدين من ظلم حاكم أو نقص صلاحه.
وعليه، فإن الشيخ لا يقرر قاعدة مطلقة، بل يُخضع الاستدلال بشرطين:1 ألا يؤدي التعاون إلى منكرات بينات 2 أن تكون المصلحة المتحققة للدين حقيقية وراجحة.
وهذا ما يؤكد عليه شيخنا العلامة عبد الله بن بيّه من أن الفتوى والاجتهاد لا يُبنيان على مجرد استحضار النص، بل على الموازنة الدقيقة بين المصالح والمفاسد، مع اعتبار المآلات.
سابعا: العلاقة التعاقدية المشروطة الممثلة في الشرعية الوظيفية
نلاحظ من مجموع ما سبق أن الشيخ طبق ما يمكن تسميته شرعية وظيفية، فالسلطة تُقبل بوظيفتها في حفظ النظام وحماية المجال الديني، لا بذاتها ولا بعقيدتها، وهذا يلتقي أيضا مع ما تقرر عند الإمام الجويني من أن السلطان وسيلة لحفظ الجماعة، وعند الإمام الغزالي من كون السلطان شرطا لنظام الدنيا، لا غاية في نفسه.
وهو ما يلتقي تماما مع ما تقررأن السياسة الشرعية مدارها على تحقيق المصلحة العامة، ولو بغير نص جزئي، ما دامت منسجمة مع أصول الشريعة لا مناقضة لها، فالعلاقة هنا ليست تبعية وبعيد كل البعد عن تسييس الدين؛ لكنها في حقيقة الأمر تقييد أخلاقي ومقاصدي لها، وتحويلها من تسلط إلى سلم وخدمة لمصالح الدين والوطن.
ثامنا: الاستقلال الروحي والاقتصادي شرط صدق المفاصلة
إنما صمد هذا المنهج بالاستقلال الواقعي للمؤسسة المريدية تربويا واقتصاديا واجتماعيا؛ كصمام أمان في وجه التحديات المتعددة.
وقد شدد الإمام الغزالي كثيرا ما يفهم منه أن تعفف العلماء عن بعض الأموال شرط لصدق نصحهم، وأن الارتهان المالي يجرّ إلى المداهنة، ومن هنا نفهم كيف أصبح (طالب الآخرة) عند الشيخ ندّا لطالب الدنيا، لا تابعا له.
تاسعا: المآلات الاجتماعية – السلم بدل الصدام
إن الدولة الوطنية أصبحت إطارا ضروريا لتنظيم العيش المشترك، ولا يتعارض ذلك مع هوية المسلم إذا حُفظت المقاصد الكبرى كما يقول العلامة عبد الله بن بيه (الدولة الوطنية في عالمنا الإسلامي باختلاف أشكالها وصورها، هي نظم شرعية لها من المشروعية ما للإمبراطوريات الكبرى التي كانت قائمة في التاريخ بناء على قانون جلب المصالح ودرإ المفاسد).
لايخفى أن مثل هذا الاجتهاد الواقعي المقاصدي مما أنتج أو سهم في نموذج سنغالي لافت في استقرار سياسي مستدام بإذن الله تعالى وقوته، وحفظ المجال الديني والتربوي، وتعايش تعددي دون ذوبان الهوية.
وهذه نتائج تندرج ضمن مقاصد الشريعة الكبرى: حفظ الدين، والنفس، والنظام العام، وتؤكد صواب اختيار فقه المآلات على فقه الاستثارة والمواجهة غير المحسوبة.
خلاصة
إن نصّ شيخنا محمد الفاضل عند قراءته في ضوء فقه الكبار الأصوليين الفقهاء قديما وحديثا الأئمة: الجويني والغزالي والشاطبي وطاهر بن عاشر وعبد الله بن بيه تتجاوز أن تكون وثيقة تاريخية فحسب لتمثل منهاجا اجتهاديا يُعلّمنا كيف تُدار العلاقة بين الدين والسلطة في زمن الدولة الوطنية؛ من غر صدام يُفضي إلى الفوضى، ولا ذوبان يُفضي إلى ضياع الهوية، بل بتدبير مقاصدي حكيم يجعل السياسة خادمة للدين، ويؤكد كون الشيخ مرجعا أخلاقيًا صاحب شرعية اجتماعية يحقق كثيرا من المصالح العاجلة والآجلة.
ونتيجة ذلك ما يؤكد عليه العلامة الشيخ عبد الله بن بيه في غير ما وضع من أولية السلم وأولويته وضرورة دفع الصدام متى أمكن، حفاظًا على الأرواح والدين.
ومما يتبين من اجتهاد الشيخ محمد الفاضل أن المرونة السياسية إذا انضبطت بالأصول بعيدة كل البعد عن النهي الشرعي، بل تعد حكمة شرعية تحفظ بيضة الدين وتبني الإنسان، وتعمر الأوطان، وتمنع عن الأمة شرور الاضطراب قال الإمام القرافي: "ولا تجمد على المسطور في الكتب.. والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين".