"حضور المخطوط الجزائري وامتداده في التعليم الإسلامي بالسنغال: من مادة علمية إلى مادة تعليمية" هذا هو عنوان الورقة العلمية التي قدمتها في الندوة المعنونة بـ" المخطوط الجزائري الإفريقي ... مصاهرة اللسان والانتماء المشترك ضمن فعاليات صالون الجزائر الدولي للكتاب. ونقدم لقراء المدونة ملخص الورقة فيما يأتي:
الملخص
تربط بين الجزائر ودول جنوب الصحراء علاقات علمية وثقافية وروحية عميقة، أسهمت، عبر قرون متعاقبة، في بناء جسور للتواصل بين علماء المغرب الإسلامي وعلماء
غرب إفريقيا، وفي انتقال المعارف والنصوص والمناهج العلمية بين ضفتي الصحراء. وقد مثّل المخطوط أحد أهم الوسائط التي حملت هذا التواصل، إذ لم يكن الكتاب المخطوط مجرد وعاء لحفظ المعرفة وتوثيقها، وإنما كان أداة أساسية في إنتاج العلم وتداوله وتعليمه، ووسيلة لانتقال التصورات والمناهج والمضامين العلمية من بيئة إلى أخرى.ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى بحث حضور المخطوط الجزائري وامتداده في التعليم الإسلامي بالسنغال، مع التركيز بصفة خاصة على المسار الذي انتقلت فيه بعض النصوص من كونها مادة علمية إلى أن أصبحت مادة تعليمية متداولة في البيئات العلمية والتربوية السنغالية.
وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن انتقال المخطوط الجزائري إلى السنغال لم يكن مجرد انتقال جغرافي للكتب والنصوص، وإنما كان انتقالًا للمعرفة نفسها، عبر شبكات العلماء، والرحلات العلمية، والطرق الصوفية، والعلاقات العلمية بين المراكز الإسلامية في المغرب الإسلامي وبلاد السودان الغربي.
وتولي الدراسة عناية خاصة بالتمييز بين وجود المخطوط بوصفه أثرًا ماديًا محفوظًا في الخزائن والمكتبات والمجموعات الخاصة، وبين وجوده بوصفه تراثًا علميًا حيًا داخل الممارسة التعليمية. ومن هنا يصبح السؤال الأساسي ليس: أين يوجد المخطوط الجزائري في السنغال؟ وإنما أيضًا: كيف تلقاه العلماء السنغاليون؟ وكيف أعادوا توظيفه؟ وكيف تحول من نص علمي إلى نص قابل للتدريس والحفظ والتداول؟
وفي هذا السياق، تتناول الدراسة نماذج من مؤلفات علماء الجزائر التي عرفت حضورًا في المجال العلمي الإسلامي بغرب إفريقيا، مع إيلاء اهتمام خاص بالنصوص التي ارتبطت بالتعليم العقدي والفقهي والصوفي واللغوي. وتستحضر الدراسة عددًا من أعلام الجزائر الذين انتشرت مؤلفاتهم في المجال الإسلامي الإفريقي، مثل الإمام محمد بن يوسف السنوسي التلمساني، والشيخ عبد الرحمن الأخضري، وغيرهما، مع التركز على ما حظيت به مؤلفاتهم من تداول وتأثير تربوي.
كما تركز الدراسة على الدور الذي أداه العلماء السنغاليون في إعادة إنتاج المعرفة الوافدة وتكييفها مع حاجات البيئة التعليمية المحلية. وتولي في هذا الإطار اهتمامًا خاصًا بالمشروع العلمي والتربوي للشيخ أحمد بمب، مؤسس الطريقة المريدية، بوصفه نموذجًا بارزًا في التعامل مع التراث العلمي الإسلامي، حيث لم يكن تلقيه للمتون العلمية قائمًا على النقل والحفظ وحدهما، وإنما ارتبط، في عدد من الحالات، بإعادة الصياغة والاختصار والنظم والتيسير، بما جعل بعض المضامين العلمية أكثر قابلية للحفظ والتدريس والتداول داخل المجالس التعليمية.
وتخلص الدراسة، في ضوء ذلك، إلى أن المخطوط الجزائري لم يكن مجرد تراث وافد استقر في بعض الخزائن السنغالية، بل أسهم في تشكيل جانب من الذاكرة العلمية والتقاليد التعليمية الإسلامية في السنغال. وبذلك يصبح المخطوط مجالًا لدراسة تاريخ المعرفة وتاريخ التربية معًا، ويظهر التعليم الإسلامي في السنغال بوصفه فضاءً لم يكن مستهلكًا للمعارف الوافدة فحسب، وإنما كان أيضًا فضاءً لإعادة إنتاجها وتكييفها وتوطينها في الساحة التربوية في غرب إفريقيا.
د. سام بوسو عبد الرحمن
جامعة الشيخ أحمد الخديم
طوبى السنغال

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق