الثلاثاء، 19 أبريل 2011

تيولوجيا التحرير في فكر الشيخ أحمد بمبا البكي1

بقلم الأستاذ/محمد غالاي انجاي (بروكسل )

المتتبع لعلم الكلام منذ نشوئه – لاسيما في وقت نضجه على يد المعتزلة في العصر العباسي الأول والثاني – يجد بكل وضوح أن الحجاج أو الذب عن العقيدة الإسلامية قد تطور على مدى العصور والأزمان، لذا اتخذ في أحايين كثيرة ألوانا متباينة وأساليب شتى، ويتجلى ذلك في تعدد المناهج التي تبناها كل فرقة من الفرق الإسلامية (المعتزلة، أهل السنة، الشيعة، الخوارج، المرجئة، الخ.) للدفاع عن الإسلام ومقارعة مخالفيه وخصومه. ويتجلى أكثر هذا التنوع في المناهج حين ننظر إلى اختلاف هذه الفرق فيما بينها في تعريف هذا العلم، وكذلك في تصورها للميادين والموضوعات التي تمس علم الكلام وتندرج في نطاقه. والشيخ أحمد بمبا، بصفته شخصية إسلامية كبرى متضلعة ومتبحرة في علوم الدين، لـمَّا وجد، من ناحية، أحوال بني شعبه متدهورة جدا لرزوحهم في تلك الآونة تحت وطأة قوة أجنبية استعمارية لها سياسة مُنظَّمة غاية التنظيم ومُدجَّجة بالسِّلاح وتحمل في جعبتها مشروعا تحضيريا على حدِّ زعمها، ومن ناحية أخرى ألفى أيضا بني شعبه مُفتتنين بعقلية هؤلاء الغزاة الاستعماريين ومُنبهرين كل الانبهار بـمظاهر صنائع وبدائع حضارة تكنولوجية جديدة وافدة، ومزدهرة متطورة، لجأ – أي الشيخ أحـمد بمبا – إلى توظيف علم العقيدة الإسلامية (علم الكلام الإسلامي) واستخدمه كآلية يعتمدها لتحرير أبناء شعبه من ربقة الاحتلال وبراثن الغزو الثقافي الاستلابي. فقد توسَّل به لمجاهدة الأيدلوجيا الاستعمارية ذات الصبغة النصرانية كما دحض به شبهاتها ومشاريعها التي ترمي – ضمن ما ترمي – إلى استئصال الـهوية الدينية والثقافية لدى الشعوب المستعمرة.

وتأسيسا على ذلك، فإن الإنتاج الأدبي الغزير الذي يتسم بالحدة والثورية الذي نشأ عن هذه المواجهة الثقافية والفكرية بين الحضارة الغربية المادية (الايدلوجيا الاستعمارية ) والحضارة الأفريقية الإسلامية (المتجسدة في الحركة المريدية) هو ما اصطلحنا عليه – ولا مُشاحة في الاصطلاح – بــ "علم الكلام التحريري" أو "تيوولوجيا التحرير" (La théologie de la libération).

فقد صنَّف الشيخ أحمد بمبا أثناء هذه المواجهة الفكرية والايدلوجية مؤلفات وقصائد عديدة في الفترة التي وسمها بأنها مرحلة "غربة وجهاد" وهي تمتد فيما بين (1895-1904م [وتضم مرحلة النفي الأول إلى "الغابون" (1895-1902م)، وجزءا من النفي الثاني إلى "موريتانيا" الذي وقع فيما بين (1903-1907م)].

وتمتاز هذه التصانيف بأنها تجأر بصيحة أليمة وفجيعة في محاولتها أو في دعوتها، من خلال أساليبها السَّلسة والأخاذة، إلى إيقاظ ضمير الإنسان الأسود المسلم المستذل وتـثـويـر عقليته ضد السِّياسية الاندماجية، والاستلاب الثقافي والفكري وضد سائر مظاهر عمليات التّغريب التي كانت وقتذاك قد تغلغلت بعمق في أوصال القاعدة العريضة من هذا الشعب المتمزق الكيان، وإلى تفنيد أيضا العقيدة النَّصرانية – عقيدة المستعمر – فيما ادعتها من تجاديف تتعلق بعقيدة التثليث وما إلى ذلك من إنكار الوحي القرآني وعدم التصديق بشريعة محمد عليه الصَّلاة والسَّلام ... الخ.

واللافت للنظر هنا – وهو ما نريد إبرازه – هو كيف استحال علم العقيدة في الفكر الـخديـمي إلى "أيدلوجيا عقدية تحررية" مستعملة ومُوظفة "كسلاح معنوي" للصمود في وجه هيمنة السُّلطات الاستعمارية الفرنسية بـهدف معارضة مشروعها التّغريبي التّوسّعي الـمُعادي والـمُمقت للدّين. حين نتصفح كتاباته نجد بوضوح كيف انتقل المشروع الخديمي من فكر صوفي مجرد (أدعية ومناجاة وتوسلات ... الخ) إلى علم كلام ليصهر في بوتقته إشكاليته، أي معارضة الحملة الثقافية التغريبية الاستلابية الاستعمارية.

يتبيَّن – إذن – من هذا السَّرد السَّريع أن الشيخ أحمد بمبا لـم يدّخر جهدا، طوال وجوده في أرض الواقع، في التذكير بأن أولويات تـحدي سياقه التاريـخي الـمزدوج (النزعة التسلطية الأرستقراطية الـمحلية من ناحية، والـهيمنة الاستعمارية الـمتزايدة على الـمستوى العسكري والتكنولوجي من ناحية أخرى) هي التي فرضت عليه تبني منهج تربوي يـحتل فيه حفظ العقيدة وغرس بذورها في القلوب والأفئدة مـحلَّ الصَّدارة. وفي هذا الـمضمار يقـول: «أعلى الـمقامات عند الله تعالى في هذا الزَّمن إسكانُ التَّوحيد في القلب».

والقمين بالإشارة هنا أن الفكر الـخديـمي يتأسس من مبدإ حضاري تقدُّمي مفاده الاستغناء بالغزوات التي غزاها رسول الإسلام مـحمد عليه الصلاة والسلام مع أصحابه رضوان الله عليهم ضد كفار الـجزيرة العربية ومُشركيها عن استخدام العنف بـجميع أشكاله، ولأيّ غرض كان:

بِـغَـزوات المُصطفى غَـنِـيتُ عَنْ * غَــزْوَةِ مَنْ قَصَدَنِي ولم يُعَنْ

وقوله:

نابت كتابتي لدى أهل الكتابْ عن غَــزوَات ذي المزايا لا عتابْ

وهذه النظرة التقدمية الـمستوعبة إلى حد بعيدٍ لـحركة التاريخ وتطور الأديان هي بدون ريب الطابع الغالب على الإنتاج الفكري والروحي لدى الشيخ الـخديـم بعد عام "شَهِدْنَا بِكَرَم" أي 1322هـ/1904م. فانقضاء هذا العام يُعد بكل تأكيد بداية طور جديد في تطور حياة الشيخ الـخديـم من الناحية الروحية والفكرية، فهو عبارة عن نـهاية "فترة الغربة" – الآنفة الذكر – التي كان الشيخ يـجاهد فيها النصارى الـمستعمرين جهادا سلميا بالقلم والفكر بعيدا عن كل مظاهر العنف وما يـمت إليها بصلة. وفترة الـجهاد هذه تبدأ من «الغيبة البحرية2» [التي وقعت فيما بين 1313-1320هــ، الـموافق 1895-1902م] إلى حين مكوث الشيخ واستقراره النسبي في حيّ الصَّرصارة بـموريتانيا3 عام (1322هـ، الـموافق 1904م). وهي – على حدّ قول الشيخ – كانت فترة "غربة وجهاد". لذلك نـجد كتاباته في تلك الـمرحلة من حياته تأخذ طابعا جديدا يُغاير في مضمونه ما تـمت كتابته في الـمراحل التي قبلها وبعدها. وقد استغرقت فترة الغُربة الجهادية هذه عشر سنين، نـجد ذلك عنده مثبتا نثرًا في قوله:

«اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا مـحمد وآله وصحبه كما جعلت هذه القصيدة نُـزُلا من غفور رحيم إلى عبده وخديـم رسوله صلى تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبارك بعد جهاده فيك وفيه عليه الصلاة والسلام عشر سنين من عام جيسش [أي عام 1313هـ/ الـموافق 1895م] إلى انقضاء عام بَكْسَشِ [1322هـ/ الـموافق 1904م] جهادا قبلته بقدر عظمة ذاتك (...).»

نـجد كذلك الشيخ الـخديـم يلمح إلى هذه الفترة الـجهادية (الغربة) في معرض تـحدثه بتلك الكرامات السَّبع التي منّ الله بـها عليه والتي هي بـمثابة سبع معجزات ظهرت للرسول صلى الله عليه وسلم:

بــاهـى رسـول الله كُـــلَّ الأنـبــيــا * عـلـيــهــم أبـــقـى سَـلامـــــــــــي ربِّــيـا

بِـغُـرْبَـتِـي عَـشْـرَ سِـنِينَ بِخِــــــــدَم * خــالـصـة لـذي الـوجـود والــقــــــــدم

والـخاصّيّة الـمميِّزة لـهذه الفترة هي أنّ الشيخ أحـمد بـمبا كان يعتبر نفسه أو على وجه التحديد كان يتصرف بصفته "عَالِمًا كَلامِيًّا"4 بالـمعنى الإسكولائي الإسلامي: «الـحجاج عن العقائد الإيـمانية بالأدلة العقلية والنقلية»، وذلك لـما انتصب نفسه آنئذ – (لوجوده في تلك الأثناء بين أيدي قوى التثليث وجبابرة الكفر والعناد) - للذبِّ عن الدين الإسلامي، ودحض ما ادّعته النّصارى في دينهم من هرطقيات وتـجاديف، خصيصا فيما يتعلق بـمبدإ التثليث، وعدم التصديق بالرسالة الـمحمدية الـخاتـمة وما ينجم عنه من رفض أو إنكار شرعية القرآن الكريـم بوصفه وحيًا مُنزلا من الله تبارك وتعالى إلى رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم. فكتابات الشيخ البحرية تصب غالبيتها في هذا الاتـجاه وحتى بعض كتاباته بعد عودته إلى وطنه. وكتابته طافحة بالأمثلة الدالة على موقفه الذابِّ عن الإسلام، منها على سبيل المثال قوله:

رددت مــا وجَّــهــه أهـــــــــل الــكـتــاب * الكــافــــــــــرون لك مــــن غـيــر مــتــاب

حــمــيـت ذاتـــــــــك عــن الـتــثــلـيــــث * يا واحـدا قـد جـلَّ عـــــن الـتـــثـلـيـث

وسنوات الغُربة هذه – على حد قول الشيخ أحـمد بـمبا – هي من جـملة الكرامات السَّبع التي منَّ الله بـها عليه، وفي ذلك يقول:

«ومن أسرار غيبتي أنّ الله منّ عليّ بسبع كرامات معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي: غلب لي الله أعدائي قبل ظهوري، ووهب لي علما لـم يكن من التعلم، وباهى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل الأنبياء بغربتي عشر سنين وخدمتي له فيها الـخدمة الـخالصة، وحببني الله تعالى إلى كل سعيد، وأيّس إبليس وكلّ لعين معه مـنّي، وحببني تعالى إلى الـملائكة الكرام، وحببني إلى مؤمني الـجن».

ويـجب التنبيه، في هذا الـمقام، إلى أن استغناء العبد الـخديـم بغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم عن القيام بالـجهاد الـمسلح (قتال الكفار والـمشركين بـحد السيف أو بالـمدافع، الخ.) – الـسالف الذكر – لا يـجب فهمه على أنه أراد بذلك الـحط من قدر مشروعية الـجهاد بالسلاح أو إلغائه تـماما إلى أن تقوم السَّاعة، بل لأن الـجهاد السِّلمي الذي دعا إليه ومارسه في عالـم الواقع، أي الـجهاد بالعلم وبالتقى يدخل في عموم دلالة قول الرَّسول (ص) ببقاء الـجهاد ومُضيه إلى يوم القيامة:

«والـجهاد ماض مذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل».

ذلك لأن الـجهاد لا ينحصر معناه في حـمل السِّلاح فحسب، بل معناه أوسع من ذلك، فيعني بوجه عام بذل الـجهد واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو عمل.

كما لا يـجب أيضا فهم هذا اللون من الـجهاد السِّلمي (علم الكلام التحريري أو تِيوُولوجيا التحرير) الذي قام به الشيخ أحـمد بـمبا على أنه دعوة إلى السَّلبية والـخذلان أو أنه مـجرد تـحريض على "اللافِعْلِ" (Non-action) أمام قوى الاستبداد وجبابرة الشر، بل هو جهاد، ولكن غير مـمزوج بالعنف. وبـهذا تكون دعوته إلى اللاعنف – كما يقول الـمَهَاتْـمَا غاندي (1869-1948م) – «ليس مؤداها عدم مقاومة الشر، بل مؤداها مقاومة الشر بغير عنف».

ومن هنا تـهوي تلك الاتـهامات الظالـمة في حق بعض الصُّوفية من أمثال الشيخ أحـمد بـمبا، وذلك لـما عُرف ودرج عليه رهط من الباحثين لاسيما الـمنتسبين إلى التيار السَّلفي الوهابي على وضع رجال التصوف قاطبة في قفص الاتـهام بقولـهم: إن هؤلاء الصوفية كانوا عُملاء للـسلطات الاستعمارية الـجائرة والـمستبدة حيث وقفوا جنبا إلى جنب معها، كما جنَّدوا أنفسهم متآمرين معها للحيلولة دون قيام شعوبـهم الـمستذلة بالثورة والتمرد ضدها!!

وينجلي هنا أمامنا بكل وضوح أن عدول العبد الـخديـم عن استعمال العنف في مناهضة القوات الاستعمارية الفرنسية ليس فقط مرده إلى أنه كان مُوقنا بتفوق العدو الأجنبي عسكريا كما صرح للأمير الأرستقراطي "لاتـجور" حين أتى إليه لطلب الـمشورة، وإنـما أيضا لـما كان يرى– بصفته صوفيا وأحد ربانية الأمة الإسلامية – أنَّ قوة الرُّوح سلاحٌ لا يُقهر أبدا، لذا نـجده يؤكد بأنه استغنى بالسر الـمُحمَّدي (الإلـهي) عن استعمال الـمدافع:

دِيــنِـيَ حُــبُّ الله والمُــــشَـــفَّـــعِ * مُستغنيا بِــسِـرِّهِ عـــن مِــدْفـــع

دفعي وجلبي خِدْمَة الهادي الأمين * مع الأمين والأمـيـن لا أمـيــــــــنْ

وقوله في موطن آخر:

حمى الحفيظ المانع * يُغني عن المدافع* لكل عبد خاشع * يطلب خير الحرم

الأستاذ/محمد غالاي انجاي (بروكسل )

السبت، 19 مارس 2011

مظاهرات الطرشان

من العبارات السائرة عبارة "حوار الطرشان"، وهي ترجمة لموقف يتكلم فيه أشخاص ولا يُصغي أحد لصاحبه أو لا يفهم مقاصدَه أو لا يريد أن يفهم، ولا يتوخي فيه المتحاورون الوصولَ إلى التفاهم ولا إلى اتفاق أو بالجملة لا يتكلون عن موضوع أو شيء واحد.

في الواقع، تُذكرني مظاهرات هذا اليوم ١٩ مارس بهذه العبارة، الأمر الذي يجعلني أتساءل عن الأهداف الحقيقة لهذه المظاهرات: هل هي للتعبير عن اهتمامات الشعب السنغالي ومشاغله ومخاوفه من الأوضاع المعيشية، أم هي وسيلة لمحترفي السياسة للمحافظة على النفوذ أو لكسبه. نحن نجد الموالين للحاكم يتغنون بأمجاده وإنجازاته والمعارضين لحكمه يتباكون على إخفاقاته وعلى الأوضاع التي أوصل إليها البلاد، ولا نجد من الفريقين تشخيصا دقيقا ولا تحليلا موضوعيا ولا اقتراحا مقنعا للحلول.

وفي نظري، كان الأجدر على في هذه الظروف أن يتحلى الجميع بقدر أكبر من المسؤولية لتحويل هذه المناسبة إلى فرصة لتقويم موضوعي وشامل للأحوال ولمناظرات علنية هادئة تنير عقول الموطنين وتساعدهم على اتخاذ مواقف صائبة تجاه الانتخابات القادمة، وبهذه الطريقة تساهم كل الأطراف في خدمة الديمقراطية الحقيقية.

ولكن السلوكيات الملاحظة من الساسة وممن يطلق عليهم وصف "المجتمع المدني" تدفعني إلى الاعتقاد بأن الشعب لم يزل عرضة للتلاعب بمصيره لخدمة مصالح فئوية ضيقة؛ أما قضية بناء دولة وأمة بناء حقيقيا فلم توضع بعد في بؤرة الاهتمامات.

فالمعركة الجديرة بالخوض في هذه الآونة تتمثل – حسب رأيي المتواضع – في ترسيخ وعي ديموقراطي صحيح لدى أفراد الشعب بما يتطلب من كفاءات مختلفة ومستوى معين من النضج السياسي.

وللوصول إلى هذه الغاية فليتنافس المتنافسون الشرفاء!!


الأحد، 6 مارس 2011

فلننتبه أيها المواطنون!

يشهد العالم العربي تقلبات سريعة ومهمة من جراء الانتفاضات الشعبية التي أدت إلى سقوط النظام في بعض دوله ونشوب معارك في دول أخرى. وقد كانت الأحداث مفاجئة وغير متوقعة لا من قبل خبراء هذه الدول ولا من المراقبين الأجانب.

وفي الأيام الأخيرة بدأت تلوح في الأفق بوادر توحي باحتمال تسرب هذه الظاهرة إلى وطننا السنغال، فقد ارتفع بعض الأصوات تنادي باعتصامات في ساحة الاستقلال في قلب العاصمة دكار أملا في استيراد الثورات التي اندلعت في أماكن متفرقة من العالم العربي.

ونظرة متأملة للأوضاع في البلدان التي شهدت هذه الثورات تثبت أن الشعوب فيها كانت قد يئست من إحداث تغيير ديموقراطي في الحكم بسبب سيطرة شرذمة قليلة على مقاليد الأمور السياسية وغلق جميع الأبواب بإحكام أمام كل محاولة للتغيير.

وفي السنغال، على الرغم من الأحوال الاقتصادية الخانقة ، لم يفقد الشعب بعدُ أملا في إمكانية تغيير النظام بشكل سلمي، إن أراد ذلك، بواسطة الانتخابات لما له من تاريخ عريق وحافل من الحياة الديموقراطية وبدليل أن المعارضة هي التي تسيطر الآن على بلديات المدن الكبيرة.

وكل من يتأمل في الدوافع التي حركت تلك الأصوات يكتشف وراءها بسهولة جري أصحابها وراء المصالح الشخصية التي تتستر تحت دعوى تحقيق العدالة والحرية وما شابه ذلك.

ومن هنا يتعين على الذين يحرصون على مستقبل السنغال وأمنه واستقراره ولا يبغون عنه ملاذا أن يقفوا بكل حزم وقوة للتصدي لكل ما يمكن أن يجر الخطر على البلاد والعباد من أي جهة كان.

فالسنغال الذي يواجه منذ ما يقارب ثلاثين سنة من حركة تمرد في منطقته الجنوبية ويعاني من أزمة إقتصادية حادة لا يحق لأحد أن يتلاعب بأمنه واستقراره.

وعلى هذا الأساس أرى أن من الواجب في الوقت الراهن قيام حركة وطنية مخلصة للسهر على سلامة هذا البلد وشعبه ومقدراته ولحماية ديموقراطيته من المغامرين والمتهورين والفاسدين، كي لا نقع في دوامة من الفوضي أو أعمال عنف قد تهلك الحرث والنسل.

فلننتبه أيها المواطنون، قبل أن يبلغ السيل الزبى !

سام بوسو عبد الرحمن

طوبى، ٥ مارس ٢٠١١

الثلاثاء، 1 مارس 2011

سؤالٌ وجوابٌ حول تأسُّس الطريقة المريدية

ورد علي سؤال من الأخ الباحث شعيب تياو حول تأسس الطريقة المريدية، وفيما يلي نص السؤال والجواب الذي أوردته وتعليقه على الجواب

السؤال

السلام عليكم
وبعد، فما رأي سيادتكم في قضية تأسس الطريقة المريدية، فإن كان لكل طريقة ورد خاص، فكيف يعقل أن يقال: إن المريدية تأسست في امباكي كجور، مع أن الشيخ – رضي الله عنه – لم يتلق الورد إلا في صرصار، وشكرااا

الجواب
السلام عليكم ورحمة الله
أشكرك أخي العزيز وأهنئك على هذا الحرص على المعرفة، بارك الله فيك وكثر من أمثالك!

رأيي في القضية التي ذكرتها أن الإشكالية تكمن في المفهوم الذي نعطيه للمريدية؛
هل هي طريقة صوفية حسب الاصطلاح الصوفي الذي يختزل الطريقة في الورد الذي يلازمه المريد بإذن من الشيخ وما ترافق ذلك من الشروط والالتزامات، أم المريدية عنوان لدعوة الشيخ الخديم رضي الله عنه التي أعلنها بقوله
أدعو إلى الإلهِ بالتوحيد ــ ــ ــ وما رأيتُ عنهُ من مَحيــدِ
للهِ أدعو بالتَّفقهِ بـــــــلا ــ ــ ــ ميلٍ لغيره وكُلي قبـــــلا
للهِ أدعو بالتصوف معـا ــ ــ ــ مكارمِ الأخلاق وهو سَمعا

وهي دعوة محركها الأساسي تجديد الدين الإسلامي بجميع أبعاده وإحياء السنة النبوية الغراء
كما قال
دينٌ سوى إسلاِمه لَا يُحمَدُ ــ ــ ــ عندَ الإلــــهِ وبه نـُـجَدِّدُ
للمصطفى نويتُ ما يُجدِّدُ ــ ـــ ـــ سنتَه الغرَّا وإني أحمدُ

وهي دعوة مدعومة بمنهج تربوي فعال له تأثير سريع في أتباع الشيخ من حيث الإقبال إلى الله وقوة الإرادة وسداد السلوك ، حتى شعر معاصروه بأن أتباع الشيخ هؤلاء تنطبق عليهم الصورة التي كان القدماء يرسمونها للمريد السالك فأطلقوا عليهم اسم المريدين، كما يذهب إليه صاحب "منن الباقي القديم". وقد اتبع الشيخ منهجه التربوي في التعامل مع الرعيل الأول الذي لبى دعوته في امباكي كجور حتى صدر العديد وعهد إليهم تربية أتباع آخرين قبل خروجه إلى منفاه بغابون ثم إلى موريتانيا، حيث تلقى الورد المأخوذ من الله بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم في منطقة صرصار الشهيرة.


فالمريدية بهذا المنظور لا يمكن اختزالها ـ في رأيي ـ على الورد المأخوذ فهي منهج أوسع من استعمال الورد بل يُعتبر الورد بالأذكار وسيلة من بين وسائل عدة كان الشيخ يستخدمها في تربية المريد وتصفيته وترقيته.
فالمريدية، إن قبلنا المفهوم الأول الذي يختزله في الورد وشروطه، يمكن القول بأنها تأسست في صرصار، ولكن لا نجد في أدبيات الشيخ وأدبيات أتباعه ولا في تطبيقاته ما يرجح هذا المفهوم بل على العكس من ذلك نلفي ما يؤكد المفهوم الثاني.
نجد أن تعريف الشيخ للمريد لا يحصره على من يستعمل الورد المأخوذ، وتعريفه للصوفي شامل لكل صاحب إرادة تعلَّم وعمِل بعلمه بإخلاص حتى صفت سريرته يقول في المسالك:
والحاصلُ: الصُّوفيُّ عالمٌ عمِلْ ــ ــ ــ بعلمـه حقيقةً ولـم يـمل
فصــارَ صافيـا من الأكـــدار ـ ـ ـ ممتلئَ القـلـب من الأنوار

وقد تصدَّر كبارُ المريدين قبل ظهور الورد المأخوذ ولم يزل بعض الأسر المعروفة في المريدية تستعمل الورد القادري أو الورد التيجاني بإذن من الشيخ أحمد الخديم رضي الله عنه.

وفي الوقت الراهن لو قمنا بتعداد من يستعمل الورد المأخوذ لن يكونوا الأغلبية من بين المنتمين إلى الطريقة المريدية.
ومن ناحية أخرى لو تعمقنا في مفهوم الورد ربما لا نحصره في الأذكار بل قد يكون ذكرا باللسان وقد يتخذ أشكالا أخرى من العبادة.
ومن هنا أرى أن المفهوم الثاني أصدق على المريدية وهو ليس مضادا للأول ولكنه يستوعبه.

ولعل من حكمة الله في تلقى الشيخ أحمد بمب لورده في موريتانيا، وهي أرض لها تقاليد عريقة مع المفهوم الأول للطريقة، أن الورد بالأذكار أبلغ في التأثير على سكانها وفي ترغيبهم في السلوك على يدي الشيخ والارتشاف من معين أنواره. وليس هذا ببعيد إذا عرفنا بأن أول من تلقى "الورد المأخوذ" هو من أهل موريتانيا وما زال أتباعه منتشرين هناك.
والله تعالى أعلم
.
ونسأل الله تعالى أن يتيح لنا فرصة أوسع للعودة إلى الموضوع بدراسة مفصلة.

والله الموفق
والسلام

تعليق الأخ على الجواب
جزاكم الله خيرا ووقاكم ضيرا، فالأمر كما ذكرت سيادتكم، فإن الأجدر والأولى إطلاق المريدية على دعوته – رضي الله عنه -، ومما يعضد ذلك قوله:
أقــــودُ من تبِـعـنـي لله ــ ــ ــ ولــرسوله لوجْــه اللــــه
أُرِي لوجه مالكي السبيلَا ــ ــ ــ كلَّ مريد صادق نبيلا
أُرشدُ لله العلي العبادَا ــ ــ ــ إن شاءَ باقٍ ملكُه ما بَادا
أقود بالإيمان والإسلام ــ ــ وخير إحسان ذوي استسلام
وفقنا الله جميعا إلى خدمته وشكرااا

السبت، 19 فبراير 2011

أبيات قلتها في الملتقى الثاني للتصوف العالمي

أثناء مشاركتي في الملتقى الثاني للتصوف العالمي المنعقد بمدينة طرابلس في شهر فبراير ٢٠١١ كتبت هذه الأبيات وسميتها دوح التصوف

دوحُ التَّصَوُّفِِ شامخُ الأغصان *** وقَطيفُه لـذَوِي الــنوايــــا دان

في ظلِّ هذا الدوح دوحِ عقيدةٍ *** ونـقَـــــاوةِ الأذواق والإيمـــان

تتساقطُ الأثمارُ من أغصانــــه *** حِكَمــًا تُسَكّنُ غُلَّةَ الأكْـــــوان

وبحوله عيُن المحبة والصـفـــــآ *** تُــرْوي ظَمَا الأرواح والأبدان

ولسَقْي هذا الدَّوح تسهرُ نخبةٌ *** شُرَفاءُ تَرجُو رحمــةَ الديـــان

دوحُ التصوفِ راسخٌ بجــذوره *** في عمق قلبٍ خالصِ الوجدان

يا مَنْ يرومُ الأمنَ مِنْ حر الشقآ *** والفوزَ بالـتكريم والـــرضوان

هذي ظلالُ الدوح تقبَلُ من حَــوى *** صدقَ الـتوجُّهِ للـعـلي المنـــان

فاللهُ يجعلُ جمعَنـــا في ظلـــه *** سببَ السعادةِ وارتفاع الشان


اللهم صل عى سيدنا وحبيبنا محمد وسلم تسليما


الثلاثاء، 15 فبراير 2011

ذكرى مولد الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه
بمختلف أقطار العالم، يحتفل كثير من المسلمين في الثاني عشر من شهر ربيع الأول بذكرى مولد خير البشر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الاحتفال مناسبة شريفة لمدارسة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم واستحضار عظمة شخصيته وصفاته وشمائله وأخلاقه الكريمة.
و لهذا الاحتفال أهمية كبرى في هذا العصر الذي يتسم بالسرعة وطغيان المادة واستحواذ الحضارة الغربية على نفوس كثير من المسلمين، ولذا توجد حاجة ملحة إلي وقفات مع سيرة النبي الكريم لتَذكر قيَمِه الرفيعة وتعاليم رسالته الخالدة ولتنمية محبته في القلوب وتعزيز الالتزام بسنته الغراء صلى الله عليه وسلم.
والشيخ أحمد بمب خديم الرسول رضي الله عنه قدوة رائعة في إحياء مولد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان يحييه منذ أمد طويل، يقول في إحدى قصائده «أحيَيْتُ مولدَ النَّبي مِنْ أسش" (أي سنة ١٣٠١ هـ)
وكان رضي الله عنه يرغب الناس في إحيائه بالسنة ويحث عليه بذكر فضائله وشرفه كما قال في قصيدة " جذب القلوب" "تعظيمه بالسُّنةِ يقودُنَا للجَنَّة"
وقد ترجم الشيخ طريقة إحياء ليلة المولد في حياته العملية؛ فقد كان يقيم عدة حلقات لقراءة القرآن ولإنشاد قصائد المدح للرسول والصلاة عليه ولسرد قصة مولده وكان يعد مشروبات ومأكولات شهية للمجتمعين.
وعلى هذا الأسلوب كان كبار أتباعه يحيون ليلة المولد في طوبى ودار المعطي ودار السلام والبقعة المباركة وغيرها.
وليلة المولد ليلة فرح وسرور بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقد أورد البخاري أنه جاء التخفيف عن أبي لهب يوم الاثنين بسبب إعتاقه جاريته "ثويبة" لما بشَّرته بولادته صلى الله عليه وسلم. ورحم الله حافظ الشام شمس الدين محمد بن ناصر حيث قال:
إذا كانَ هذا كافرا جاءَ ذمُّـــه ـ ـ ـ وتبَّتْ يداه في الجحيم مخلــــدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائمــا ـ ـ ـ يُخَفَّفُ عنه بالسرور لأحــمـدا
فما الظنُّ بالعبد الذي كان عمرُه ـ ـ ـ بأحمدَ مسرورا ومات موحِّدا
                                                                    سام بوسو عبد الرحمن

الجمعة، 28 يناير 2011

محاضرة دائرة روض الرياحين

بمناسبة الاحتفال بذكرى نفي الشيخ أحمد بمب مؤسس الطريقة المريدية "مغال طوبى" نظمت دائرة روض الرياحين محاضرة عامة بقصر الضيافة في طوبى بحضور ممثلي الأسر الدينية والمنظمات الإسلامية وجمهور غفير من الزوار،
كان عنوان المحاضرة "المدينة الفاضلة عند الشيخ الخديم (رضي الله عنه)"
ويمكن تحميل نص المحاضرة بالضغط على العنوان

جامعة الشيخ أحمد الخديم تحقّق إنجازًا أكاديميًا بارزًا بالحصول على الاعتماد المؤسسي

حقّقت جامعة الشيخ أحمد الخديم بطوبى إنجازًا أكاديميًا نوعيًا بحصولها على الاعتماد المؤسسي (Habilitation institutionnelle) من الهيئة الوطنية ...