الأربعاء، 28 أكتوبر 2009

مع الشاعر الكبير الشيخ إبراهيم جوب المشعري في مطلع قصيدته*


بقلم / سام بوسو عبد الرحمن

***
يقول الشيخ إبراهيم جوب في مطلع قصيدة يمدح بها الشيخ أحمد بامبا:

مَا لِي لِبَغْدَادَ شوقٌ لَا وَلَا "فَــــاسِ"
إِنِّي برُؤْيَا "جُلُفْ" قدْ بعْتُ أنفاسي



في هذا البيت المفعم بالمعاني، يرمز الشاعر إلى تحوُّل عاطفي وروحي عميق هزَّ كيانه هزًّا قويا، بسبب انتقاله من الانتماءات التقليدية وانضمامه إلى دعوة جديدة قريبة منه، دعوة الشيخ أحمد بامبا التجديدية. فأكد في البيت قناعته واكتفاءه بهذا الارتباط الروحي الجديد بالشيخ الخديم ـ رضي الله عنه ـ وعدم حنينه أو تطلُّعه إلى ارتباطات أخرى.

وقد وظَّف الشاعرُ براعتَه الأدبيةَ في تصوير هذا المعنى بشكل رمزي لطيف ووجيز، حيث نفى اشتياقَه إلى "بغداد" موطن الشيخ عبد القادر الجيلاني أو إلى "فاس" مزار الشيخ أحمد التيجاني ـ رضي الله عنهما ـ ، ولا غرو في ذلك! فقد أصبح بقلبه وقالبه مبايعا ومنقادا لنزيل "جُلُفْ2" الشيخ أحمد بامبا مؤسس الطريقة المريدية.

وفي الحقيقة، تمكَّن شاعرُنا بدقة تعبيره من إبراز معانيه بقوةٍ وحزمٍ، ولم تَطْغَ هذه القوةُ ولا هذا الحزمُ على رقة المشاعر وجمالها: فتكرارُ أداةِ النفي (ما، لا ولا) يعكسُ حرصَه على توكيد النفي وعدم تردده في الموقف، كما يتجلى صدقُ مبايعته في استعماله أداة التحقيق ( قد). وفي مقابلته بين نفي "شوقه" لبغداد أو لفاس، من جهة، وبين بيع "أنفاسه"، من جهة أخرى، إيحاءٌ إلى عدم معاناته لأي صراع نفسي أو عاطفي: فإنه بكل كيانه ووجدانه غارق في لج بحر الأنوار... فكيف يتشوق إلى ضوء النجوم بعد بزوغ الشمس!!

فبيت الشاعر، مع قلة ألفاظه، يُوحي إلى معانيَ أخرى عميقةٍ: ففي تعبيره ببيع الأنفاس إشارةٌ إلى حقيقة المبايعة الصوفية التي تقتضي الاستسلام والانقياد بين يدي الشيخ المربي؛ كما أنَّ في ذكر الأماكن، بغداد، فاس، جُلُفْ على هذا الترتيب، وإسنادَ الشوق إلى الأولين والرؤيا إلى الأخير تلميحاً إلى بُعدهما مكانا وزمانا وقربِ الأخير في المسافتين، لأن الشوق للبعيد والرؤيا للقريب؛ فكأنَّ صاحبَنا يريدُ إعطاءَ تبرير منطقي ملموسٍ لانتمائه الجديد: فما صدر عن مشاهدة "رؤيا" أقوى بكثير مما صدر عن مجرد الـ"شوق".

إن البيت يرمز ـ في التحليل الأخير ـ إلى حقيقة الجدلية والأزمة الروحيتين المتمخضتين عن تزعزع المسلمات واهتزاز المرتكزات الدينية والفكرية السائدة في ذلك العصر بسبب ولادة الحركة الإصلاحية المعروفة بالمريدية، في الوقت الذي كانت المدرستان القادرية والتيجانية تتقاسمان فيه السواد الأعظم من العلماء والمتدينين في أفريقيا الغربية.

وكأنَّ شاعرنا يمثُّل الفرقة المثقفة التي تخلت عن انتمائها القديم وانضمت إلى الدعوة الخديمية قلبا وقالبا، دون مواربة، وخدمتها خدمة جليلة.

وأخيرا، وضع الشيخ إبراهيم المشعري، بهذا البيت الرائع البليغ، حلا حاسما ونهائيا لذلك الصراع الداخلي الذي كان يساور العديد من النخبة المثقفة وعلماء الدين في تلك الفترة المضطربة دينيا واجتماعيا وسياسيا.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2009

مناهجنا التربوية ... دراسة نقدية

ورقةٌ قدمت في
الدورة الشرعية السادسة بـ"مباكي - طوبي"
من ٨ إلي ١٨ أغسطس ٢٠٠٨


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
تقديم
تحتل التربية مكانة مركزية في حياة المجتمعات البشرية، باعتبارها الوسيلة الأساسية لنقل قيمها وثراثها ولتكوين نشئها وإعداده ليكون قادرا على التكيف والتكييف والمساهمة في تنمية المجتمع تنمية شاملة.
ويُعد المنهج التربوي المحور الرئيس في العمل التربوي والعنصر الأساس من بين عناصره الأخري كالمعلم والتلميذ والمرافق؛ وهنا تكمن أهمية دراسة المناهج التربوية ونقدها بشكل مستمر لتظل دينامكيا وقادرا عل مواكبة التغيرات الثقافية والاجتماعية والتقنية المتلاحقة لهذا العصر.
وفي هذه الورقة حول موضوع " مناهجنا التربوية.. دراسة نقدية " سنكتفي بمؤسسات التعليم العربي الأسلامي، وسنحاول استعراض مناهجها بهدف إعطاء فكرة عن مميزات هذه المناهج وبعض جوانب النقص فيها واقتراح خطوات لتحسينها، حسب الخطة التالية:
ـ تمهيد لتوضيح المفاهيم،
ـ نبذة تاريخية وجيزة عن المناهج التربوية،
ـ استعراض المناهج التربوية المطبقة في مدارسنا العربية الإسلامية،
ـ ملاحظات نقدية حول تلك المناهج،
ـ اقتراحات لتحسين المناهج،

تمهيد
توضيح المفاهيم
يجدر بنا قبل الخوض في الموضوع أن نوضح مفاهيم بعض المصطلحات التي استعملناها في هذه الورقة.
- المناهج :
اصطلح المربون على أن للمنهج مفهومين تقليدي وحديث:
أ) المنهج حسب المفهوم التقليدي عبارة عن مقرر دراسي موضوع بشكل مواد دراسية تتوزع محتوياتها بالتفصيل علي الصفوف المختلفة، ويدرسها التلاميذ داخل الصف استعدادا للامتحان [ علم التربية التطبيقي]
ب) المنهج حسب المفهوم الحديث تخطيط للعمل البيداغوجي أكثر اتساعا من المقرر التعليمي، فهو لا يتضمن فقط مقررات المواد بل أيضا غايات التربية وأنشطة التعليم والتعلم وكذلك الكيفية التي سيتم بها تقويم التعليم والتعلم [ معجم علوم التربية]
ومصطلح المنهاج curriculum في استعماله الفرنسي " خطة عمل تتضمن الغايات والمقاصد والأهداف المقصودة والمضامين والأنشطة التعليمية، وكذا الأدوات الديدكتيكية، ثم طرق التعليم وأساليب التقويم."
والمناهج التربوية في السنغال غابة واسعة، وهي متعددة ومتنوعة حسب تعدد المؤسسات التعليمية وتنوع وضعياتها وتوجهاتها، ما بين تقليدية وحديثة، نظامية وغير نظامية حكومية وأهلية، وما بين علمانية ودينية . فمن باب المستحيلات التعرض لها جمعاء في إطار هذه الدراسة، ولذا نقتصر بمناهج مؤسسات التعليم العربي الإسلامي.
- دراسة نقدية:
سنكون طموحين أكثر من اللازم إن أرادنا إجراء درسة نقدية حقيقية في هذه الورقة، لأن ما تتطلبه هذه العملية من البحث والإجراءات المنهجية، وما تستلزمه لكي تتسم بالمصداقية من التخصص والخبرة، لا تتوفر لدينا، ومن هنا نكتفي باستعراض مناهج مؤسسات التعليم العربي الإسلامي ، لاكتشاف مميزاتها وتقديم ملاحظات نقدية حولها، حسب معايير المنهاج بمفهومه الحديث، بهدف فتح باب للإصلاح والتحسين في إطار امكانياتناالمتاحة وظروفنا الواقعية.

I)نبذة تاريخية عن مناهج مؤسسات التربية الإسلامية في السنغال

ا) التعليم العربي الإسلامي التقليدي " المجالس "
إن عملية التربية لا تخلو من منهج يسلكه الفرد أو المجتمع فيها، سواء أكان صريحا موصوفا ومخططا أم متبعا بدون تصريح. وقد عرف السنغال منذ دخول التعليم العربي الإسلامي مع دخول الإسلام فيه مناهج أوبرامج تعليمية في مؤسسات تطلق عليها " المجالس "أو "دار"
وكانت لهذا التعليم العربي الإسلامي برامج ومناهج تعليمية خاضعة لشروط ومعايير خاصة حسب المواد والكتب المدرسية.
ومنهج الفقه يبدأ من كتاب الأخضري لمؤلفه عبد الرحمن الأخضري (تـ 983هـ) وينتهي في الغالب إلى الكتاب الموطأ لإمام مالك ابن أنس صاحب المذهب المالكي (تـ 1142هـ)، ويكمل الطالب دراسته الفقهية بكتاب أصول الفقه الذي ألفه تاج الدين السبكي (تـ 1370 هـ).
وأما منهج النحو فيبدأ من كتاب أجرومية المنسوب إلى مؤلفه محمد بن محمد الصنهاجي الأجرومي المشهور بأبي عبد الله (تـ 1323 هـ) وينتهي إلى كتاب ألفية بن مالك وهو منظوم شعري يصل إلى ألف بيت لمؤلفه محمد جمال الدين المكني بأبي عبد الله والمشهور بابن مالك (تـ 1273 هـ).
وتنطلق دراسة الأدب ابتداء من كتاب مقصورة ابن دريد لمؤلفه محمد بن حسن المشهور بابن دريد الذي ولد في بصرة بعراق و توفي فيها، وكانت هذه المدينة مشهورة بعلم النحو في تاريخ الأدب العربي وينتهي المنهج الأدبي إلى كتاب مقامات الحريري لمؤلفه القاسم بن علي الحريري المكنى بأبي محمد (تـ 516هـ).1 "
وقد اجتهد علماؤنا في إصلاح هذا البرامج التعليمية علي مر السنين بإعادة تأليف المضامين لبعض كتبها التعليمية شعرا ونثرا لتكييفها مع بيئتهم، ومن هؤلاء :
1. محمد جوب « مور خج كمب » صاحب المقدمة الككية في النحو ومعونة البليد في العروض.
2.القاضي مجخت كالا صاحب مبين الإشكال في العروض
3.الشيخ الحاج مالك سي صاحب الميمية الشهيرة في السيرة النبوية
4.الشيخ الخديم صاحب المولفات العديدة في التوحيد والفقه والتصوف والنحو
وما زالت هذه المجالس ببرامجها التقليدية، إلي جانب المعاهد التعليمية الحديثة، تستقبل الطلبة الذين يتخرجون من المدارس القرآنية .

ب)المدرس والمعاهد العربية الإسلامية الحديثة
وقد شهدت ساحة التعليم العربي الإسلامي تطورات هامة في القرن ٢٠ حيث ظهرت المدارس العربية الإسلامية الحديثة. وقد سعي أصحابها إلي إجراء إصلاحات في البرامج التعليمية وإدخال مواد تعليمية جديدة وتعديل الفضاء المدرسي ببناء الفصول وتجهيزها على غرار المدارس النظامية.
ومن أشهر تلك المدارس
1.مدارس حركة الفلاح التي أسسها الحاج محمود باه 2
2.معاهد الأزهر التي أسسهاالشيخ محمد المرتضى امباكي
3.معهد الدروس الإسلامية للشيخ أحمد امباكي
4.معهد الشيخ إبراهيم نياس
5.معاهد جماعة عباد الرحمن
وهذه المؤسسات - وهي التي تعنينا في هذه الدراسة - تتبنى مناهج تربوية وأساليب تدريسية تعتبر حديثة بالمقارنة مع المناهج والأساليب التقليدية.
ومناهجها متقاربة من حيث البنية والمحتوي وإن اختلفت من الحيث المصدر والمرجعية؛ ولها قواسم، أو مميزات مشتركة نتناولها في الآتي بشكل وجيز. 

II) استعراض المناهج التربوية المطبقة في مدارسنا العربية الإسلامية
أولا: الأرضية الفلسفية
تنطلق هذه المناهج، وإن بشكل ضمني، من مبدأ نقل التراث الثقافي الإسلامي، بما فيه من عقيدة وقيم سلوكية وأحكام ومعاملات إلى الأجيال الناشئة، وتزويدها بمبادئ العلوم الاجتماعية والطبيعية، بغاية تحقيق الجمع بين عبادة الخالق سبحانه وتعالي وعمارة الأرض.
ثانيا: الأهداف العامة
تتمحور الأهداف المعلنة لهذه المناهج حول:
تربية أبناء المسلمين تربية إسلامية
غرس العقيدة الإسلامية الصحيحة
محاربة الجهل ومحو الأمية
محاربة البطالة
ثالثا المحتويات
المحتويات في هذه المناهج عبارة عن مواد مقررة وموضوعات موزعة علي المراحل وعلى مستويات كل مرحلة، وأحيانا على شكل كتب تعليمية أو أجزاء من كتب معتمدة من قبل مؤسسات تابعة لدول عربية كالمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر والمملكة المغربية ودولة الكويت.
وتتفرع المضامين إلي الوحدات التالية في الغالب
1.وحدة اللغة العربية
2.وحدة المواد الدينية
3.وحدة المواد الاجتماعية
4.وحدة المواد العلمية
5.وحدة اللغة الأجنية بدرجات متفاوتة
رابعا: التصميم أو البنية
تقدم هذه المناهج على شكل وحدات تعليمية تتضمن المواد والموضوعات المقررة، ومدد الحصص المخصصة لكل مادة.
ولم يخرج عن هذا النمط البرنامج الذي وضعته اللجنة الوطنية لإعادة تنظيم التعليم العربي الحر في السنغال غير أنه تضمن بعض توجيهات منهجية حول تدريس المواد وإشارات إلى الأهداف في بعض الأحيان.

III) ملاحظات نقدية حول المناهج:
حول الأرضية الفلسفية:
إن النوايا المعلنة لهذه المناهج نوايا حسنة ومقبولة ولكنها لا تصاغ بشكل متماسك ومنسجم، ونادرا ما تأخذواقع المجتمع بعين الاعتبار.
حول الأهداف العامة:
قلما تصرح بالأهداف في هذه المناهج وإن ذكرت فإنها تقتصر على مستوى الغايات والمرامي ولا تصف القدرات والمهارات والاتجاهات المتوقعة والنتائج المنتظرة على المدى المتوسط بالنسبة للمواد المقررة.
ولا تعير المناهج، في تحديد أهدافها، اهتماما كبيرا لتوقعات شرائح مهمة في المجتمع واهتماماته ( أصحاب الحرف والمهن الحرة ......)
حول المحتويات:
يلاحظ ما يلى حول المحتويات
التركيز الشديد على المعارف والموضوعات المدروسة باعتبارها غاية في حد ذاتها، مما يؤدي إلي تضخم في المقرر وصعوبة فهمه واستيعابه.
عدم ملاءمة الكتب المدرسية المقرر لبيئة التلاميذ في بعض الأحيان؛
غياب التماسك الداخلي لعدم تكامل المواد فيما بينها؛
قدم بعض المعلومات الوادرة في الكتب المقررة وخاصة في المواد الاجتماعية والعلمية
حول الطرائق البيداغوجية
من أهم ما يمكن أن تنتقد به هذه المناهج عدم وجود أي إشارة إلي طرق وأساليب تنفيذها في كثير منها، مع العلم بأن ذلك يعتبر جزءا لا يتجزأ من المنهح بمفهومه الحديث.
وفي الحقيقة، يرينا الواقع أن طابع التلقين والتحفيظ هو الغالب في هذه الطرائق كما أنها تغفل إلى حد كبير عن النواحي الفنية والجسمية والاجتماعية.
حول أساليب التقويم
أساليب التقويم غير محددة في هذه المناهج ولكن الممارسة تسفر عن ضعف عملية التقويم، فهي عبارة عن اختبارات وامتحانات قلما تكون موضوعا للتحليل والدراسة وسببا في اتخاذ قرارات تصحيحية.
وعلي الرغم من الانتقادات التي توجه إلى مثل هذه المناهج فإنها ما زالت حاضرة في المؤسسات التعليمية على مستوى العالم وتخرج فيها علماء كبار، إلا أن التغيرات السريعة التي تطرأ علي المجتمعات هي التي تفرض إجراء تعديلات وتحسينات على المناهج التربوية لـتكون قادرة على تلبية الاحتياحات المختلفة للمجتمع.

IV) اقتراحات للتحسين
تواجه مؤسساتنا التربوية تحديات عديدة من الناحية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية؛ وهذه التحديات تفرض على هذه المؤسسات اتخاذ إجراءات إصلاحية على جميع المستويات :المستوي الإداري والتنظيمي، المستوى البيداغوجي...
وفي هذا الصدد نقدم الاقتراحات التالية فيما يخص المناهج:

ـ إعادة النظر في الأهداف التربوية من حيث المحتوى والصياغة، للأخذ في الاعتبار هموم المجتمع وتوقعاته ومشاكله ولمراعاة البيئة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، على المستويين المحلي والعالمي.
ـ تكييف المحتويات لتوائم بيئة التلاميذ وترتبط بمحيطهم، وتراعي مستوياتهم العقلية والجسمية؛
ـ الاهتمام بطرق التدريس وبالوسائل التعليمية وبالأنشطة التعلمية التي تنمي قدرات التلاميذ العقلية والجسمية؛
ـ إعادة النظر في أساليب التقويم لكي يساهم في تحسين العملية التربوية.

ومن أجل تنفيذ هذه المقترحات يتعين :
ـ تشكيل لجان متخصصة تعنى بمراجعة المناهج وتحسينها بشكل مستمر،
ـ وضع برامج تكوينية لتعزير قدرات المعلمين والإداريين في المؤسسات التعليمية.


خاتمة
هذه نظرات حول مناهجنا لم تصل إلى مستوى دراسة نقدية ولكنها قد يفتح شهية من يريد إجراء دراسة حقيقية في هذا المجال. وقد ركزنا- كما لاحظتم- على مناهج التعليم العربي الإسلامي، ولم نتطرق إلى المناهج الأخري كالمناهج المزدوجة التي تسعى إلي إدراج مناهج التعليم الفرنسي الرسمي لتمكين تلاميذها من المشاركة في امتحانات الحكومية، وذلك لضيق حدود هذه الورقة.


وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.
والسلام عليكم


سام بوسو عبد الرحمن 
مفتش التعليم العربي بأكاديمية تياس
تياس ١٢ أغسطس ٢٠٠٨

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2009

من شعر الشيخ عبد الرحمن بوسو (سرين دام امبَر)


هذا الديوان جمعناه من شعر والدنا الشيخ عبد الرحمن بوسو، ( رضي الله عنه وجزاه خيرا) وفيه قصائد يمدح فيها أهل الشيخ الخديم وأخرى تتعلق بموضوعات إجتماعية وأخرى تتضمن إبتهالات.
نود مشاركته معكم.
ويمكنكم تحميله من هنا

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2009

ركعتا الشيخ أحمد بمب في مكتب الحاكم باندر مغزى ودروس *

يعتاد المريدون في مثل هذه الأيام الاحتفال بذكري حدث تاريخي وديني يتمثل في قيام الشيخ الخديم بأداء ركعتين في مكتب الحاكم الفرنسي بمدينة اندر (سانت لويس) في اليوم الخامس من سبتمبر ١٨٩٥م قبيل محاكمته. وتُعتبر هذه الواقعة سابقة تاريخية لها دلالات وأبعاد كبيرة بالنظر إلى ما كانت تتمتع به السلطة الفرنسية المستعمرة من الهيبة أمام أعين الأفارقة، ولما كانت تشتهر به من ممارسات ترهيبية ضد الشيوخ المسلمين.

مغزى الركعتين :

إن ركعتي الشيخ داخل مكتب الحاكم العام للمستعمرة الفرنسية بمدينة اندر لحدث تاريخي جلل له دلالات عميقة حسب منطق الإنسان العادي الذي يحلل الأحداث تحليلا تاريخيا ضمن سياقه الاجتماعي والسياسي، لاشك في ذلك ؛غير أنه لا تعتبر هذه الواقعة أمرا غير عادي بالنظر إلى رؤية الشيخ ومنطقه ومبادئه.
فالشيخ الخديم في حقيقة الأمر، منسجم مع نفسه في كتاباته وتعاليمه وحياته العملية ولا تخالف أفعاله أقواله.وقد أوضح منذ بداياته إعراضه عن الدنيا وإقباله إلى الله وتوكله عليه يقول  رضي الله عنه:
        قالوا اركن لأبواب السلاطـــين *** تحز جوائز تغني كــلـما حـــــــين
        فقلت حسبي ربي واكتفيـت به *** فلستُ راضيَ غير العلم والـديـــن
       فلست أخشى ولا أرجو سوى ملكي*** لأنـــه جل يغنــيني وينحيـني
وكتب بعد ذلك في مسالك الجنان "
      وكل ما أصابنا لم يكن *** يريد أن يخطئنا في الزمن
      وكل ما أخطأنا لم يكن *** يريد أن يصيبنا من محن
        فثق به ثم عليه اتكـلا *** وعنك دع تذبذبا ووجــــــلا
كان الشيخ يعيش في هذا الحال من التوحيد الرائع، فلم يكن يفرق بين السلاطين والسوقة، وقد اعتاد أن يصلي في أي محل نزل فيه ولا يميز في ذلك بين مكتب الحاكم أو منزل مريد من مريديه. 

دروس من الحدث

وعلى كل حال يرى المريون في هذه الحدث بعدا دينيا وتاريخيا ينبغي تخليد ذكراه على مر السنيين، وعلى هذا الأساس تعتبر المناسبة فرصة لتأمل هذا الواقعة ولاستخلاص دروس منها. ومما يمكن استفادته من دروس ما يلي:

أولا: أن التوكل على الله والثقة به هو الذي يعطي للإنسان حريته ، فإذا كان المؤمن متوكلا على الله حق توكله وواثقا به فإنه يتحرر من رق الخوف من 
غير الله تعالى كما يتخلص من عبودية غيره  كالمادة والهوى والجاه ، وقد يكون الإنسان في الواقع حرا تجاه الخلق ، ولكنه يظل عبدا لهواه أو لحب الجاه أو لشهوته ، يقول تعالى " أفرأيت من اتخذ إلهه وأضله الله على علم " [ الجاثية 23] وقال عليه السلام " ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى "

ثانيا : أكد الشيخ بفعله أنه يقابل مكائد المستعمرين وتهديداتهم وعنفهم بسلاح التقوى والتوجه إلى الله، وقد أثبت التاريخي أن الوسائل السلمية هي أفضل وسيلة إلى تحقيق الأهداف ، وقد قدم الشيخ هذا الدرس قبل مائة سنة قبل غاندي ولوثر بكثير.

ثالثا: من المعروف أن أكبر التحديات أمام أصحاب الثقافات والعقائد والتقاليد هي الاندماج في ما يسمى بالعولمة ومسايرة الاقتصاد العالمي دون الذوبان وفقدان الهوية .
وأفضل وسيلة لرفع هذا التحدي هو الدرس الذي قدمه الشيخ في رسوخ الإيمان بالله والثقة بالنفس وعدم الخوف والتردد أمام شرقي أو غربي ، والإيمان بعالمية عقيدته.
فهذه بعض من الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا الحدث التاريخي الذي يمكن أن يكون في المستقبل موضوع دراسة أوسع وأكثر عمقا .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
سام بوسو عبد الرحمن

هذا المقال ملخص من محاضرة ألقيتها حول المناسبة بمدينة سانت لويس بالولايات المتحدة الأمريكية يوم ٥ سبتمير ٢٠٠٤ حول مغرى الركعتين وبعض دروسهما.

الخميس، 30 يوليو 2009

كلمة وفد الطريقة المريدية في الملتقي الصوفي بمراكش، المملكة المغربية

نظمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، تحت رعاية جلالة الملك محمد السادس، اللقاء الثاني من " لقاءات سيدي شيكر للمنتسبين إلى التصوف" من ١٠ إلى ١٢ يوليو ٢٠٠٩.
وقد مثل الطريقة المريدية في هذا اللقاء وفد يتكون من السادة : شيخنا امباكي بن الشيخ محمد الأمين بار وسام بوسو عبد الرحمن ومرتضى بوسو إمام وعبد الصمد امباكي وعبد الأحد جن.
وباسم الوفد ألقيت كلمة وجيزة حول الطريقة المريدية ومؤسسها وذيلتها بسبعة أبيات مرتجلة عن اللقاء. وفيما يلي نص الكلمة مع الأبيات:

لحمد لله وحده ،والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛
معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية،
السادة أصحاب الفضيلة، مشايخ الطرق الصوفية.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أتناول الكلمة في هذه الجلسة الكريمة باسم الوفد القادم من مدينة طوبى، الممثل للطريقة المريدية في هذا اللقاء الميمون.
فالطريقة المريدية طريقة صوفية أسسها الشيخ محمد بن محمد بن حبيب الله المشهور بالشيخ أحمد بَمْبَا خدبم الرسول – صلى الله عليه وسلم – في نهاية القرن التاسع عشر في منطقة السنغال بأفريقيا الغربية.

وهي طريقة مبنية على أسس التوحيد والعبادة والتزكية؛ أي على الإيمان والإسلام والإحسان، يقول الشيخ :
أدعـو إلى الإلـه بالتوحـيد والفقه عن تصوف مجـيد

والتصوف عند الشيخ المؤسس هو العمل الخالص المبني على العلم الذي يثمر الصفاء وحسن الخلق
فالحاصل الصوفي عالم عمل بعلمه حقيقة ولم يمــل

وصار صافيا من الأكــدار ممتلئ القلب من الأنوار

وقد كانت لمنهج الشيخ الخديم في الدعوة والتربية آثارا قوية وعميقة في نفوس الشعوب أثارت حفيظة المستعمرين الفرنسيين، فاضطهدوه، ونفوه عن أرضه وأهله وأتباعه، فصبر وثابر، ولم يلجأ إلى استعمال العنف في مواجهتهم، بل تبنى جهادا سلمية، ومقاومة ثقافية. يقول في إحدى قصائده رادا على تهمة أنه يعد لجهاد مسلح :
إني أجاهد بالعلــوم وبالتقـي عبدا خديما والمهيمن شاهـد
ولذا، كان الشيخ سباقا إلى مبدإ اللاعنف، ولم يكتف بذلك بل عفا عن هؤلاء الذين اضطهدوه ونفوه، فقال:
عفوت عن الأعداء طرا لوجه من نفاهم لغيري سرمدا لست أدفع

ومن أبرز جهود الشيخ إلى جانب مكافحة الاستعمار سعيه لتوحيد المسلمين بقلمه وممارساته؛ فقد عمل على توحيد صف المسلمين، وتلاحم الطرق الصوفية من أجل تحقيق الغاية السامية المشتركة، يقول في كتابه (مسالك الجنان):
فكـل ورد يــورد المريـــــدا لحضـرة الله ولـن يحــيـــــــدا

سواء انتمى إلى الجـــيلاني أو انتمى لأحـمد التيجــاني

أو لسواهما مـن الأقطـــاب إذ كلهم قطعا على الصـواب

وباسم الطريقة المريدية يوجه الوفد الممثل لها برئاسة ابن الخليفة ومستشاره للشؤون الخارجية السيد شيخنا امباكي، شكرا جزيلا خالصا إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس – نصره الله – على رعايته السامية لهذا المؤتمر سائلا الله أن يجازيه عن الإسلام والأمة خير الجزاء. كما يتوجه بالشكر الجزيل إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على تنظيمها الناجح لهذا اللقاء الثاني من " لقاءات سيدي شيكر العالمية للمنتسبين إلى التصوف "، فهذا اللقاء يجسد ذلك الفكر الوحدوي لشيخنا أحمد بمبا الذي عبر عنه في الأبيات المذكورة سلفا.

وفي الختام أستسمحكم بأن أقرأ على أسماعكم أبياتا سبعة نظمتها عن هذا اللقاء الميمون تبركا بأولياء مراكش السبعة – رضوان الله تعالى عليهم، وهي:

لِقَاءُ أَحِبَاءِ الجَــلِيلِ ضُــــيُـــــوفِــــــــــهِ عَلَى أَرْضِ إِخْلاَصٍ وَحُبٍّ بِمَغْربِ
لقَاءٌ تَجَلَّتْ فِــــيهِ رُوحُ مَحـَـبَّـــــــــةٍ مِنَ المَلِكِ الرَّاعِي لأَهْلِ التَّــقَـرُّبِ
لِقَــاءٌ يُغَــذِّي قَلْبَ كُلِّ مُوَحِّـــــــــــدٍ يَرُومُ رضَى المَوْلَى بِكُلِّ تَــــــأَدُّبِ
لِقَاءٌ سَيُرْضِي اللهَ وَالْمُصْطَفَى النَّـبِي وَيُغْضِبُ شَيْطَانًا وَأَهْلَ التَّعَصُّـبِ
لِقَاءٌ يُجَلِّي قِيمَةَ الصِّـدْقِ وَالوَفـَــــا مَعَ الزُّهْـدِ وَالإِيثـَار دُونَ تَذَبْذُبِ
مَنـَارٌ لإِخْـوَانٍ لَهُمْ هِـمَـمٌ عَـــــلَـــتْ يَشـِـعُّ بِنُورِ اللهِ فِي كُلِّ مَـــــذْهَبِ
رَعَـى اللهُ مَـنْ يَرْعَـى لِقَاءَ مَـــــــوَدَّةٍ بِأَرْضِ رِجَـالٍ سَبْعَةٍ ذَاتِ مَنْصِبِ

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجمعة، 29 مايو 2009

المريدية والسياسة ... نظرة مستقبلية

إن علاقة الطريقة المريدية بالسياسية تعتبر من القضايا التي حظيت بقدر لا بأس به من الدراسة والتحليل من المنظور التاريخي، ولكن مسألة العمل السياسي في إطار مشروع إستراتيجي خاص، لم تطرح كثيرا من قبل المريدين أنفسهم، وإن وُجد لدى بعضهم شعور بضرورة التحرك في هذا المجال. ومن هنا ينبغي طرح الخيارت المحتملة أمام المريدية في ظل الحياة السياسية الراهنة و التطورات الحالية.

ففي واقع الأمر، لم تكن المريدية، منذ ولادتها، بمعزل عن الحياة السياسية في السنغال؛ بل ما زال ولم يزل حضورها قويا في المسرح السياسي. بيد أنه لم توجد، بشكل جلي، مؤشرات تدل على وجود محاولات، أو نية مبية، لدى زعماء الطريقة، لتوصيل أبنائها إلى سدة الحكم أو لمزاولة السلطة بأنفسهم بصفة مباشرة؛ وإنما كانت لهم مواقف سياسية تمليها عليهم الظروف أوالأوضاع.

و قد اختلفت آراء المحللين في تقييم تلك المواقف؛ فمنهم من يرى لها مبررات مقبولة باعتبارها «مواقف تمليها المصالح الاستيراتيجية للسنغال وللمريدية »(الباحث شعيب كيبي، المريدية والسياسة، ٢٠٠٩)، ومنهم من يرى أن الساسة، في الحقيقة، هم الذين نجحوا أحيانا في استغلال نفوذ "الشيوخ" لخدمة مطامحهم السياسية دون أن يكون لهؤلاء تأثير حقيقي في القرار الساسي أو في توجهات الأنظمة الحاكمة. ومن المراقبين الأجانب من يعلل علاقة الشيوخ بالسلطة بالنفعية الآنية المتبادلة بين الطرفين، وخاصة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي (المريدون بين الطوباوية والرأسمالية، سوفي بافا و دانيال بليتراخ، لو موند دبلوملتيك، نوفمبر ١٩٩٥)

وفي السنوات الأخيرة، وبناء على التطورات الديمقراطية والتغيرات الطارئة في الحقل السياسي، لوحظت وجوه بارزة تنتسب للمريدية تتقلد مناصب عليا في الدولة ( رئاسة الدولة، رئاسة مجلس الشعب ومجلس الشيوخ، الوزارات ...)، كما بدأ المريدون العاملون في بعض الإدارات الحكومية يتحررون شيئا فشيئا من ربقة الخوف من إظهار هويتهم المريدية على الملأ.

ولكن وصول بعض أبناء الطريقة إلى مناصب عليا في الدولة، سواء كان بجهودهم السياسية الفردية، أو بمساعدة من زعمائها – وإن ساهمت في كسر بعض الحواجر المعنوية - لم يفد الطريقة إفادة كبيرة، في رأينا، لا من الناحية المادية، من حيث توفير أو تعزيز مؤسسات تربوية وثقافية واقتصاية واجتماعية، تجر النفع لأبناء الوطن بشكل عام وللمريدين بشكل خاص، وتسهم في إصلاح المجتمع، ولا من الناحية المعنوية، من حيث تجسيد قيم المريدية وتعاليمها عبر أعمالهم الإدارية وممارساتهم اليومية. وقد يتولد من ذلك إحساس لدى بعض المريدين بعدم جدوى تأييدهم لأشخاص يدعون التعلق بالشيخ الخديم دون أي التزام بتعاليمه، في سلوكهم ومعاملاتهم.

ومن ناحية أخرى، ظهر في موقف الخلافة المريدية، خلال العقدين الأخيرين، نوع من الحياد تجاه القوى السياسية المتنافسة التي كانت تسعى لخطب وُدها في المواسم الانتخابية، الأمر الذي أعطى انطباعا لعديد من الأتباع بأن لهم استقلالا كاملا في خياراتهم السياسية، في الوقت الذي ازدادت قناعاتهم بقوة تأثير أصواتهم الانتخابية؛ وأصبح الصوت الانتخابي سلاحا يُشهر أمام السلطات المنتخبة في حالة فشلها في إيجاد حلول مرضية للمشكلات الاقتصادية المعضلة.

وفي ظل هذه الظروف التي تبشر بمزيد من الانفتاح في المناخ السياسي، وتنذر في الوقت نفسه بمزيد من التأزم في الأوضاع الاقتصادية، وتشهد تفجر المعلومات بفضل التكنولوجيات الجديدة ووسائل الإعلام المختلفة، أصبح من اللازم، في نظرى، مراجعة علاقة المريدية بالسياسية ومحاولة تحديدها بشكل إجرائي.

وهنا تأتي عدة تساؤلات: هل تتبنى الطريقة موقف الحياد وعدم التدخل في الشؤون السياسية مع إطلاق سراح أتباعها للتحرك داخل الأحزاب السياسية المختلفة، حسبما تمليه عليهم مصالحهم وقناعاتهم الشخصية؟ أم تتدخل في الشؤون السياسية لتأييد الأطراف التي ترى في تأييدها مصلحة لأبنائها وللوطن فتساعدها بنفوذها وقوتها، على الوصول إلى السلطة أوالبقاء عليها؟ أم تسعى إلى المشاركة الفعلية في العمل السياسي بغرض توصيل أبنائها إلى مراكز اتخاذ القرار؟ أم ...أم ؟

ومهما اختلفت وجهات النظر حول هذه المواقف فإني أرى من الضروريات الملحة، في ظل هذا المناخ السياسي، أن يعمل المهتمون بالسياسة وبمستقبل البلد من المريدين على بلورة وصياغة رؤية سياسية استراتجية متميزة، واضحة المعالم والأهداف، مبنية علي أصول المريدية وتعاليمها، وذلك لعدة أسباب منها:

أولا: أن المريدية، بما فيها من تعاليم ومبادئ وقيم، يمكن أن تكون مرجعية لتحديد سياسات تربوية واقتصادية واجتماعية وبيئية تلبي مطالب المواطنين على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم، وتشكل أساسا لتنمية البلاد تنمية شاملة.

ثانيا: أن المريدية تزخر في المجالات المختلفة بالكفاءات اللازمة القادرة على بلورة رؤية استراتجية أصيلة تمثل إطارا جيدا لتوحيد وتنسيق جهودها، وتضع في اعتبارها التحديات التربوية والاقتصادية والاجتماعية... التي تواجه المريدين بشكل خاص والمواطنين بشكل عام.

ثاليا: أن غياب رؤية استراتجية واضحة المعالم للمريدية تجاه الشأن السياسي قد يفسح المجال لاستغلال عواطف ومشاعر جمهور غفير من المريدين لتحقيق مكاسب سياسية شخصية باسم الطريقة على حساب المصلحة العامة، وفي ذلك خطورة كبيرة تتمثل في تحميل المريدية فشل أشخاص يحسبون عليها ولا يجسدون تعاليمها.

رابعا: أنه سيكون من الصعب توعية العامة في المريدية بهدف تعبئتها وتوحيد كلمتها سياسيا في المستقبل، إذا لم تتضح المبادئ أوالرسالة التي يجب أن تتحرك من أجلها أو تدافع عنها والتي تمثل معايير لاختيار من يمثلونهم؛ الأمر الذي قد يحول هؤلاء العامة إلي لعبة تتلاعب بها الأطراف المتنافسة على السلطة، أو إلى سلعة في أيدي ذوى النفوذ الطامعين.

هذه بعض من الأسباب التي تجعل عملية إعادة النظر في العلاقة بين المريدية والسياسة ضرورة ملحة، وخاصة في هذا الوقت الذي ينكب فيه المفكرون والساسة والمجتمع المدني على وضع تصورات مستقبلية حول مصير البلد في مختلف مجالات الحياة.
ولا أعتقد أن للمريدية، أو لغيرها من القوى الدينية، محلا في اعتبارات هؤلاء وتصوراتهم، إن لم يكن محاولة لإقصائها عن المسرح السياسي وعن دوائر اتخاذ القرار، بدليل تشبثهم بعلمانية الدولة واستماتتهم في حمايتها وتأكيدها وتخليدها.

فالظروف إذن حاسمة ومصيرية، وليست وقتا لأحلام اليقظة أو للتلاعب بالعواطف والخيالات أو للجري وراء المصالح الشخصية الآنية، وإنما للتفكير الجاد وللسعي الحثيث نحو إيجاد وبلورة استراتجية بناءة واضحة في مختلف المجالات ولا سيما في المجال السياسي الذي – شئنا أم أبينا - يتحكم في جميع المجالات الأخرى ويحدد مصيرها أو يؤثرفيه بشكل واسع.

بقلم / سام بوسو عبد الرحمن
تياس مايو ٢٠٠٩
تعليق للأخ المفتش هارون انيانغ

الاثنين، 9 فبراير 2009

وقفة مع قصيدة القاضي مَجاخاتي كالا

بقلم / سام بوسو عبد الرحمن
قال القاضي :

1. مُربَّونَ قَدْ غَضُّوا مِنَ اصْواتِهم غَضَّا﹡كأبصارِهِم حتى يُظَنُّوا معًا مَرْضَـى
2. أرَادوا أطبآ أوْ مساكينَ هَمَّهـــــم ﹡ذَوُو صدقاتٍ مُقرضوا رَبِّهم قَرْضَــــــا
3. فلمَّا أَدَرْنَا بَيننا القولَ ســــــاعـــةً ﹡ عرضــتُ عليهمْ خدمـةً كَبُرَتْ عَرْضًا
4. فَهَانَ عليهم عَرضُهَا وتَنـَـــاوَلُـــوا﹡فؤوسًا بأيدي أقويآ قبضوا قبْضـــــا
5. فـغابوا وأصواتُ المعــاول لم تغِبْ ﹡كأسيافِ بدرٍ يومَ حقُّ النبي قد ضَـآ
6.وأمُّوا فـــلاةَ الأرض أيــة غيضـــــةٍ﹡كثيرة أشجارٍ مُشقَّقة الأعـــضـــــــآ
7. وولوا حُـفــاةً لم يكونوا لـــــيعبـــأوا﹡بِحَرٍّ وشوكٍ بلْ بمَنْ حكمُه مُمْضـــَى
8. ولم يَلـــقَ منهم واحدٌ أجنبــــيـــــةًتحاذيه إلا وهْــوَ أطرقَ أو أغْضـــــَى
9. وما رفعوا الأصواتَ إلا بذكرِهم ﹡وما أخَّروا الأوقاتَ نفلاً ولا فــرضــا
10. وتاللهِ لو أن المربِّيَ قـادهــــــم﹡ليَنفوا عن الأرضِ العِدَى زلزلوا الأرضا


مناسبة القصيدة
حرر الشاعر الكبير المفلق قاضي مجخت كالا هذه الأبيات لوصف مريدي الشيخ أحمد بامبا ومدحِهم، حين مدُّوا إليه يدَ العون في حقوله.

تحليل الأبيات

عرض الشاعر في هذه الأبيات العشرة فِلْمًا قصيرا وغنيا بالمعاني السامية، ضمَّنه مشاهد رائعة، وصورا ناطقة، ليقدم وصفا لمجموعة من مريدي الشيخ الخديم، رضي الله عنه، منوِّها بما قاموا به من عمل بطولي، وبما تحلوا به من خصال حميدة، والتزموا به من آداب سلوكية حسنة، وذلك بأسلوب أدبي بليغ ومحكم.

وقد أتقن الشاعرُ حبكَ فِلْمِه بتسلسل منطقي جميل وأخاذ؛ استهله بوصف هؤلاء المريدين بأنهم "مُرَبَّوْنَ" تربية حسنة ظهرت آثارُها في سلوكهم ومعاملاتهم، فهم يلتزمون غضَّ أبصارهم وخفضَ أصواتهم حتى يُخيَّل إلى من لم يطلع علي حقيقتهم، أنهم إما "مرضى" ضعفاء، يلتمسون أطباء معالجين، وإما "مساكين" معوزون يترقبون وصولَ من يتصدق عليهم ويحسن إليهم.
ولكن، سرعان ما تبدد لديه هذا الانطباع الأول، حين باشرهم وتعامل معهم؛ فقدا اكتشف فيهم شجاعةً فائقة وسرعة استجابةٍ مذهلةً، فلم يتردد هؤلاء المربون في قبول ما عرضه عليهم من خدمة جليلة وكبيرةٍ في عينه، بل استصغروا تلك الخدمة المطلوبة منهم، "فهان عليهم عرضها".
ثم شرع الكاتب في إبراز صفاتِ الرجولة والقوة والإقدام، عند تأهُّبِهم وانطلاقِهم السريع إلى العمل: تناولوا فؤوسا بقوة وثبات، وتوجهوا إلى الغابة الكثيفة، فغابت أشخاصهم من بين الأشجار الكثيرة الوارفة، ولكن أصواتَ معاولهم لم تزل تطرق الأسماعَ لقوة الضرب وتواليه؛ فهي تعمل عملها في تقطيع الأشجار بشدةٍ تُذَكِّرُ بسيوف المجاهدين يوم معركة بدر الكبرى. وتتجلى سرعةُ الحركة وشدة القوة وعلو الهمة في الأفعال المستخدمة بصيغة الماضي" تناولوا فؤوسا، قبضوا قبضا، أمّوا فلاة الأرض، ولوا حفاة".

وما أقوي تحملهم وجلدهم ومثابرتهم! فلم يكترثوا، وهم راجلون حفاةٌ، بشدة حرارة الأرض ولا بكثرة الأشواك وحدتها؛ لا لأنهم فقدوا الشعور والإحساس، ولكن دوافعهم الإيمانيةَ أذهلتهم، واستحوذ عليهم استحضارُ عظمةِ مَن لا يُرَدُّ حكمه سبحانه وتعالى.

وهذه الروح الإيمانية، إلى جانب التربية، هي التي أثمرت فيهم العفةََ والالتزامَ بحفظ الجوارح، وخاصة العين واللسان، عن مخالفة أوامر الله تعالى، ولذا لا يُصوِّبون بصرهم نحو امرأة أجنبية يلقونها، ولا يرفعون صوتهم إلا أثناء ذكر الله تعالى، ولا يلهيهم تحمسُهم للعمل الذي هم مكبون عليه عن أداء الصلوات المفروضة والمسنونة في أوقاتها.

وفي ختام هذا المشهد الرائع، أظهر الشاعرُ انبهارَه، وأتي بحكم استخلصه من واقع تعاملهم مع هؤلاء المريدين الهيِّنين الليِّنين في مظهرهم، والأقوياء الأشداء في مخبرهم؛ فأقسم بالله بأنه لا يعجزهم شيء أمرهم به مربيهم؛ فلو قادهم لمحاربة الأعداء ولإخراجهم من المنطقة لزلزلوا الأرض من تحت أرجلهم! وكلمة "قادهم" توحي بملازمتهم امتثال أوامر مربيهم.

ولقد أحكم شاعرنا المُفلق تصويرَ مشاهده بأسلوب سردي سلس، لا تكلف فيه ولا غموض؛ فجاءت الصور البيانية بانسياب وتناسق، كما في تشبيه المعاول وحركاتها المتتابعة بسيوف المجاهدين يوم معركة بدر الكبرى!

وما أعجب وأحسن التقابلَ بين صورة المطلع المفعمة بمعاني اللباقة والرقة والليونة وصورة المنتهى التي كلها قوةٌ وشجاعةٌ وإقدامٌ!.
قارن إن شئت بين العبارتين " غضوا من أبصارهم" في البداية و"زلزلوا الأرض" في النهاية.

وهكذا تكون شخصيةُ المريدِ الكامل التربية: أدبٌ في المعاملة، وجديةٌ في العمل، والتزامٌ في السلوك، ومواظبةٌ في العبادات، وشجاعةٌ في جميع المواقف، كما رسمها شاعرنا رحمه الله تعالى بهذه الروعة وهذا الإتقان.

سام بوسو عبد الرحمن

جامعة الشيخ أحمد الخديم تحقّق إنجازًا أكاديميًا بارزًا بالحصول على الاعتماد المؤسسي

حقّقت جامعة الشيخ أحمد الخديم بطوبى إنجازًا أكاديميًا نوعيًا بحصولها على الاعتماد المؤسسي (Habilitation institutionnelle) من الهيئة الوطنية ...