السبت، 27 فبراير 2021

خطابنا الدعوي أمام مظاهر الانحرافات

في هذه الأيام نشهد بعض السلوكيات الغريبة من أشخاص يدّعون النبوة أو ينصبون "كعبتهم" الخاصة ليطوفوا حولها أو يتوجهون إلى مسجد جامع بقصد الطواف حوله، ومثل هذه التصرفات التي تتصادم صراحةً مع تعاليم الإسلام يدعونا إلى وقفة تأملية لإعادة النظر في خطابنا الدعوي وتقويم مدى فعاليته أمام مظاهر الانحراف المختلفة. 

إن المطلع على تاريخ البشر يجد أن الجانب العقدي أشد الجوانب غموضا في حياة الإنسان، وأكثرها تأثيرا في سلوكه وميوله، فأحيانا ينفلت عن سيطرة العقل، بل يتحول إلى موجه له نحو متاهات مظلمة. 

وقد كان أبرز مهام الأنبياء والمرسلين تصحيح وترسيخ العقائد التي هي أس الأعمال والعبادات، وهي مهمة ورثها العلماء الصالحون والأولياء المصلحون. 

ولا تزال العقيدة على الرغم من جهود هؤلاء المصلحين تمثل أرضية خصبة تنبت فيها بسهولة مختلفُ أنواع الانحرافات. وسرعة نمو هذه الانحرافات وعدمها يتوقفان على فعالية وسائل التربية والإرشاد التي يعتمدها مجتمع ما لمعالجتها وللوقاية منها؛ ومهما يكن من أمر فإن استئصالها يُعد ضربا من المستحيلات لأنها نوع من الابتلاءات الإلهية " ليبلوكم أيكم أحسن عملا". 

وحينما ننظر في مناهج المصلحين أصحاب الطرق الصوفية ونرى فعاليتها وتأثيرها في حياة الناس في عهد الشيوخ المؤسسين رضوان الله عليهم، يمكن أن نتساءل عن مدى احتفاظها بتلك الفعالية وبذلك التأثير في عصر الخلف؟ وهذا التساؤل قد يؤدي بنا إلى مكمن الخلل في الاستخدام أو القصور في التوظيف. 

وهنا أضع الخطاب الدعوي المريدي بشكل خاص في محل التوصيف والتقويم لمعرفة ما له وما عليه من حيث التعامل مع مظاهر الانحراف الملحوظة في عصرنا الحالي. 

فقد مر هذا الخطاب، في تقديري، بمراحل؛ وهي مرحلة التأسيس على يد الشيخ رضي الله عنه، ومرحلة التأصيل على يد كبار أتباعه أمثال العلامة محمد عبد الله العلوي الشنقيطي والعلامة الشيخ محمد البشير وكاتب سيرته الشيخ محمد الأمين جوب وغيرهم، ومرحلة التوظيف التي نعيشها حتى الآن. 

وما نلاحظه في هذه المرحلة الأخيرة هو تنوع دوافع التوظيف وأساليبه: فهناك توظيف للخطاب يرمي إلى تجلية حقيقة الدعوة الخديمية والتعريف بها ودحض ما يثيره المغرضون حولها، وتوجيه المريدين إلى التمسك بتعاليم الشيخ أحمد الخديم وإلى تطبيقها في حياتهم، وإظهارها كمشروع مجتمعي ينبغي الرجوع إليها في بناء مجتمع صالح. 

وهناك توظيف آخر يهدف إلى تعبئة المريدين وإثارة عواطفهم من أجل تقوية تمسكهم بشيخهم، وقد يهدف إلى غرض آخر مادي بحت؛ فقد اتخذ البعض هذا الخطاب الفلكلوري وسيلة للكسب المادي بصرف النظر عن آثاره الجانبية السلبية. 

ويختلف الاتجاهان في الأساليب والآليات؛ فبينما يجنح التوظيف الأول نحو الأسلوب العقلاني المنطقي في مخاطبة العقول بمنهج يحاول أن يكون علميا رصينا، ويعتمد على كتابات الشيخ في الغالب، يميل الاتجاه الثاني نحو الأسلوب السردي التمثيلي المثير ويتبنى الروايات الشفهية بكثرة. وطبيعة الأول أنه نُخبوي يتعاطاه المثقفون والدارسون والثاني شعبوي يستهوي الجماهير ويستقطبها بشدة. 

ونقطة ضعف الخطاب العقلاني أنه محصور في نطاق الدارسين تقريبا، ولم يتمَّ تنزيله إلى مستوى السواد الأعظم من الناس، ومن هنا يستغل الخطاب الفولكلوري هذه الفرصة ليتغلغل وليهيئ – ربما بدون قصد - أرضية خصبة لمثل الانحرافات التي نشهدها. 

وهنا مكمن خلل في الخطاب المريدي يجب التنبه له والعمل لتصحيحه؛ فليس هناك بد من التفكير في استراتيجيات مناسبة لتعزيز الخطاب العلمي وحقنه بمزيد من الروحانية، من أجل زيادة قدرته على التعامل مع العقول والقلوب والتأثير فيهما في آن واحد، حتى يكون أكثر فعالية في علاج الانحرافات أو الحد من انتشارها. 

والخطاب الفولكلوري، وإن ير البعض أن لها وظيفة التعبئة والتحفيز، يحتاج إلى تهذيب وتوجيه حتى لا يتحول إلى مِعْول لهدم التعاليم الإسلامية الصحيحة التي كرس الشيخ حياته من أجل نشرها. 
 سام بوسو عبد الرحمن 

الأحد، 31 يناير 2021

 رحم الله الشيخ أتُ جانج فقيد الخدمة!

 ودعنا إلى دار الخلود رجل سجل في تاريخ المريدية المعاصر سطورا لن تمحوها الايام والليالي، وقدم نموذجا رائعا من التضحية والخدمة والانضباط والتفاني ، وترك بصماته في حياة أجيال من الشباب المريدين في سلوكهم ولباسهم وأدابهم. وبعقرية فائقة و نظر بعيد وعزيمة قوية.

ومن خلال دائرة كانت في الأصل إطارا لتغذية الأرواح وشحذ الهمم لطلبةٍ أرادو التمسك بإيمانهم و إرادتهم في بيئة جامعية علمانية - "دائرة الطلبة المريدين" - بنى هذا الرجلُ جهازا تنظيميا عملاقا لخدمة الخلافة المريدية العامة يضم كفاءاتٍ وخبرات مختلفة على أعلى المستويات تتمتع بكافة مقومات البقاء والاستمرار والاستقلالية. وقد أصبح هذا الجهاز تحمل اسم "دائرة حزب الترقية" بتسمية الخليفة الخامس الشيخ صالح رضي الله عنه.

 وبفضل رؤيته الثاقبة اقتنت الدائرة مقرا تحوَّل إلى حي سكني يقيم فيه كبار المسؤلين  وبعض أعضاء الدائرة بصفة دائمة، وأقامت مشاريع استثمارية كبيرة تُمثل مصادر تمويل مهمة لأنشطتها إلى جانب مساهمات الأعضاء. وقد كان إحياء ذكرى الغيبة البحرية للشيخ الخديم "مَغال" يستحوذ على جُل اهتمامات الدائرة. 

 وبعد ثلاثة عقود من الزمن وضعت الدائرة طابعها الخاص على حياة الكثير من الشباب المريدين. وقد مكَّنها تنظيمُها المحكم من تجاوز كثير من المشكلات والعقبات، ومقاومة العديد من المصاعب حتى بدأت جهودُها المبنية على فلسفة الخدمة تؤتي ثمارا ملموسة، من مرافق ومؤسسات ضخمة، تربوية وإعلامية، مسخرةً كلها لتنفيذ المهام التي يضعها الخليفة على عاتقها. إنه الشيخ آت جانج الذي كرس حياته لخدمة الشيخ أحمد الخديم رضي الله عنه. 

إن الشيخ آتُ شخصية نقشت مآثر خالدة على صفحات التاريخ المريدي رحمه الله تعالى وغفر له وجعل الفردوس الأعلى مثواه، وحفظ هذه الدائرة التي كان عقلها ومهندسها وقائدها، والإرث الذي تركه وراءه على أيد أمينة.

الثلاثاء، 29 ديسمبر 2020

قضية إدخال التربية الجنسية في مناهجنا .. وجهة نظر!

كنت أشعر بحزن عميق، وأنا استمع إلى تقرير أحد المسؤولين النقابيين عن ورشة نظمتها المنظمة الدولية يونيسكو في سالي في شهر ديسمبر الجاري حول إدخال التربية الجنسية والإنجابية في المناهج التربوية السنغالية.

ركّز المسؤول في تقريره على خطورة هذا المشروع على مستقبل أبنائنا ومجتمعنا بشكل عام؛ ففيه هدف خبيث يتمثل في تغيير نمط التفكير والميول والسلوك لدى أبناءنا. وهذا التغيير يفتح المجال لتقبُّل جميع السلوكيات الجنسية المنحرفة التي أصبحت في الثقافة الغربية مقبولة أخلافيا ومشجعة اجتماعيا.
بصرف النظر عما ينطوي عليه هذا البرنامج من خطورة على مستقبل النشء، ومن مصادمة مع بعض الثوابت الدينية والثقافية، فإن ما يُقلقني أكثر هو سهولة الاختراق التي تتسم بها مناهجنا التربوية فيما يبدو. فهذه المناهج ليست محاطةً بسياج أمني مُحكمٍ يكفي لحمايتها من الخروقات الفكرية والثقافية المرغوبة عنها.
فنادراً ما تمرُّ سنة كاملة دون أن تسمع عن برنامج أو مشروع جديد يُنفذ في مدارسنا بمبادرة من منظمة دولية، أومنظمة غير حكومية محلية، بتمويل من جهات أجنبية، سواء تعلق الأمر بالمجال الصحي، أو الحقوقي، أو الاجتماعي، أو اللغوي، أو العلمي.
فهذه القابلية للاختراق شيء مقلق للغاية، فلديَّ انطباع قوي بأنه يكفي لصاحب أي مبادرة أن يصوغ مشروعا براقا ويضع على الطاولة مبالغ طائلة لتنفتح أمامه جميع الأبواب ويُرحب به، دون تعميق البحث والتحرّي عما وراءه من الأغراض الخفية والمنظمات المشبوهة.
وهذه الحقيقة تضع استقلاليتَنا موضع تساؤل، وتكشف عن عقدة الشعور بالنقص لدى كثير من حكامنا المنوطة على عواتقهم مسؤولية حماية المجتمع وأبنائه. فهل نتصور أن تقترح دول الجنوب على دول الشمال تغييرَ أو إدراجَ فاصلة في مناهجها تحت أي مسوغ من المسوغات؟!
فلست، في الواقع،  من دعاة التزمُّت أوالتقوقع على الذات دون محاولة الاستفادة من الخبرات العالمية والعلوم النافعة ولكن، ينبغي أن يصدر ذلك عن إرادة حرة واختيار واع من غير إكراه ولا فرض.
إن قضية المناهج قضية استراتيجية، لا يمكن التساهل فيها، ولا ينبغي أن تكون مسرحا لكل من هبَّ ودبَّ، فما نسمعه عن دولة الهند من أنها لا تقبل التمويل الأجنبي في بعض القطاعات الاستراتيجية لنظامها التربوي نموذج رائع للوعي الكامل بالمسؤولية وبخطور الاختراق في الحقل التربوي لبعد آثاره وعمقها.
على العموم، يجب أن نعيد النظر في كيفية التعامل مع الجهات الأجنبية والمنظمات الدولية، فيما يتعلق بنظامنا التربوي، فهو رمز استقلالنا وسيادتنا ومفتاح نجاحنا ومنارة مستقبل أبناءنا. فلننظر إلى المسألة بمنظار إستراتيجي أوسع، لتصحيح هذا المسار الخاطئ في التعامل مع مناهجنا، بدل التسارع إلى تنظيم مظاهرات أومسيرات لا تغير من الواقع شئيا كثيرا.
فلنكن استراتيجيين في مقاومتنا، وفي سعينا لحماية هويتنا وثقافتنا ومعتقداتنا وعاداتنا الإيجابية. فأمامنا أناس يخططون لعقود من السنين ويتابعون مخططاتهم بمثابرة وطول نفس، ويتوارثونها جيلا عن جيل، حتى يحققوا أهدافهم. فمهمة التصدي لهذه المخططات غير سهلة ولكنها ليست مستحيلة، تحتاج فقط إلى استراتيجية مدروسة وإرادة صلبة.

مقالات ذات صلة 

الاثنين، 30 نوفمبر 2020

اللجنة التوجيهية لمجمع الشيخ أحمد الخديم للتربية والتكوين تسلم تقريرها العام إلى فضيلة الشيخ محمد المنتقى حفظه الله

كان يوم السبت ٢١ نوفمبر 2020م يوما متميزا في مسيرة "مجمع الشيخ أحمد الخديم للتربية والتكوين" بطوبى المحروسة، وهو المشروع التربوي الذي بدأ العمل فيه منذ يناير 2018م، بمبادرة من الشيخ محمد المنتقى الخليفة العم للطريقة المريدية. 

في هذا اليوم التقى الشيخ محمد المنتقى حفظه الله تعالى ورعاه في قاعة المحاضرات بدار المنان بأعضاء اللجان الفنية التي كانت تعمل في إعداد المناهج والنصوص التنظيمية للمجمع، تحت قيادة الشيخ أحمد البدوي ابن الشيخ محمد الفاضل. واللجان هي: 

أ- لجنة التعليم القرآني برئاسة الشيخ محمد المصطفى جوب اندر والشيخ فاضل امباكي الإمام، لجنة التعليم المجلسي برئاسة الشيخ سرين امباكي عبد الرحمن، 
ب- لجنة المدارس الحديثة برئاسة الشيخ شيخنا عبد الودود، 
ج- لجنة المدارس الخاصة بحملة القرآن الكريم برئاسة الشيخ الحاج فاضل انجاي 
د- لجنة التعليم العالي بشقيه : كلية الدراسات الاسلامية واللغة العربية، برئاسة الدكتور عبد الأحد لوح وكلية العلوم الزراعية وكلية التكنولوجيا والحرف برئاسة البرفسور مور فاي. 

وفي الفترة الصباحية، عقدت كل لجنة اجتماعها الخاص للمصادقة على تقريرها النهائي. وبعد صلاة الظهر نُظمت جلسة عامة في قاعة المحاضرات، فعرضت كل لجنة ملخصا لتقريرها، وبذلك تمت المصادقة على التقرير العام للجان الفنية. 

وهذا التقرير العام ثمرة جهود كبيرة بذلها بإخلاص وتفانٍ متخصصون في ميدان التربية والإدارة التكنولوجيا والقانون طيلة سنة وثمانية أشهر. 

وبعد صلاة العصر، حضر فضيلة الشيخ محمد المنتقى، وبعد افتتاح الجلسة بآيات من الذكر الحكيم تلاها الشيخ حبيب جتر، تناول سام بوسو عبد الرحمن الكلمةَ باسم اللجنة التوجيهية لشرح الطريقة التي تم بها العمل ولتقديم كل لجنة بين يدي الخليفة، ثم تناول الكلمة الشيخ أحمد البدوي المنسق العام للمشروع لتقديم الشكر إلى الشيخ والدعاء له والتنويه بأهمية المشروع وبالتفاني الذي أبداه جميع المشاركين في هذه الخدمة الجليلة، والتعبير عن استعدادهم التام لمضاعفة الجهود في سبيل خدمة المشروع، ثم سلَّم إلى سماحة الشيخ الخليفة التقرير العام عن أعمال اللجان الفنية. 

وفي الختام شكر الشيخ محمد المنتقى جميع من شاركوا في هذا الإنجاز وشجعهم ودعا لهم بالتوفيق والقبول والرضى. ورفعت هذه الجلسة المباركة قبيل صلاة المغرب فأم الشيخ المصلين في جو مفعم بالروحانية، قبل أن يغادر المكان. هكذا جرت فعالية هذا اليوم الاستثنائي الذي يمثل نهاية مرحلة التصور والإنتاج والتخطيط وانطلاق مرحلة التنفيذ والتطبيق مع مواصلة عملية التصحيح والتحسين، وهذه مرحلة تتطلب مزيدا من التضحية في خدمة هذا المشروع الكبير. والله تعالى ولي التوفيق

السبت، 10 أكتوبر 2020

البُعد المقاصدي في فكر العلامة الشيخ عبد الله بن بيه

عُرف الفقيه الأصولي الشيخ العلامة عبد الله بن بيه باتجاهه التجديدي في الفكر الإسلامي، ويتميز هذا الاتجاه بالأصالة والواقعية في الوقت نفسه؛ فإنه ينطلق من معرفة عميقة وإلمام واسع بالتراث الفكري الإسلامي خاصة في مجال الفقه وأصوله ويتغذى من هاجس قوي ووعي كامل برهانات العصر وإشكالاته.

يتابع الشيخُ أزماتِ المجتمعات المسلمة، ويشخِّص مشكلاتها، ويسعى لإيجاد حلول لهذه المشكلات. وفي هذا الصدد عُني بالجانب الفكري المنهجي الذي تتأسس عليه جل الممارسات الخاطئة نتيجة للخلل المنهجي الذي يعتري عمليةَ التفكير. وقد بذل جهداً كبيراً في البحث عن "أرضية تجديدية لفقه واقع المرحلة"

ويرى المتابع لكتاباته تركيزَه على إبراز صور الخلل المنهجي، ومنها على سبيل المثال اجتزاء النصوص، والإعراض عن الكليّات، وتغليب الجزئيات، وفكِّ الارتباط بين خطاب التكليف وخطاب الوضع، وكذلك الفصل بين منظومة الأوامر والنواهي ومنظومة المصالح والمفاسد إلى جانب إغفال السياقات.

فجميع هذه الصور كانت موضوع الاهتمام والمعالجة من قبل العلامة الأصولي، إلا أن قضية الفصل بين منظومة الأوامر والنواهي ومنظومة المصالح والمفاسد كانت بارزة في مقاربته للخلل الفكري المنطوي في كثير من الفتاوى المعاصرة، وفي النوازل المستجدة؛ وفي هذا المنظور كانت عنايته بالمقاصد تُمثل بُعداً متميزاً في فكره الأصولي لما لهذه الفتاوى من آثار مدمرة في حياة المجتمعات المسلمة وفي سمعة الإسلام وصورة المسلمين.

تتبوأ نظرية المقاصد مكانةً بارزةً في تعامل الشيخ مع القضايا المعاصرة، فغالبا ما كانت الروحُ المقاصديّة عنده "معتمداً للترجيح وسنداً للتمريض والتصحيح وذلك باعتبار المقاصد مرجعاً أعلى ومعياراً أسمى من جزئيات الأدلة في مواقع الاجتهاد ومجاري الظنون التي تغلب على جل القضايا المعاصرة"1.

وهذه الروح المقاصدية تتعزز لدى العلامة بفضل نظرته إلى العقل البشري وحدوده، حيث يرى أنه لا يتعارض مع الوحي في نطاق الاستحالة العقلية والجواز والوجوب العقلي، " فما أحاله العقل لا يُجيزه الوحي وما يوجبه العقل يوجبه الوحي"2

وفي فضاء المعاملات الذي يرجع إلى مصالح البشر، يسير العقل البشري الخالص "إلى جانب الوحي في تكامل وانسجام (...) ويظل دليلا مستكشفا لا غنى عنه"3

وهذا التقدير للعقل عند الشيخ ينبثق من روح الإسلام الذي يُمَجِّده ويعطيه أسماء مختلفة "تشير إلى حقيقته الراشدة وعلاقاته الحكيمة، ويجعله مصدراً من مصادر المعرفة الأساسية بل المصدر الأول المنتج في العقائد والإيمان"4

ويمكن تفسير هذا الاهتمام بالمقاصد أيضاَ بقوة النزعة الإنسانية لدى الشيخ، وهي نزعة تتجلى من خلال حرصه على مصالح الناس، فنظرية المقاصد آلية فعّالة للمجتهد لتغليب جانب المصلحة في المسائل الاجتهادية، لأن "المقاصد الشرعية تُمثل منظومةً كاملة تردّ الشريعة إلى أصول معقولة تصون مصالح الناس"5. والشيخ في اختياراته يراعي دائما المقاصد، وهي مصالح العباد في العاجل والآجل حسب تعريف الإمام الشاطبي. وفي هذا الصدد يقول " لم آلُ جهداً في اعتماد الدليل مع مراعاة مقاصد الشريعة، وبخاصة مقصد التيسير والتسهيل"6 فهذه المراعاة المستمرة لجانب التيسير تنِمُّ عن هذه النزعة الإنسانية الحاضرة في فكر العلامة بن بيّه.

والمعتمد في هذا المنهج الاجتهادي هو القرآن الكريم، كما يقول، لأن " البحث عن المقاصد مطلب شرعي فُهم من القرآن الكريم في سياقين أولهما صريحٌ وثانيهما بالتلميح من خلال تضافر نصوص التعليل في مقامات الإيجاب والتحريم والتحليل"7

والتعامل مع المقاصد عند الشيخ لا يعني الجريَ وراء المصالح في جميع المناحي والسياقات بشكل غير منضبط، وليس "ترفا ذهنيا ولا ثقافة عامة يتعاطاها الصحفي والاجتماعي ولا موضوعا فلسفيا مجردا"8؛ ولذلك عُني بتسوير وتعداد المناحي التي تُوظَّف فيها آليةُ المقاصد حتى لا يتلاعب فيها من ليس بأهلها. وأبرز هذه المناحي أ) المسائل الاجتهادية التي لا نص بخصوصها أو لها نص لكن تطبيقه قد يخالف أصلا أو قاعدة معلومة من نصوص أخرى ب) الترجيح بين النصوص ج) المصالح المرسلة ج) سد الذرائع د) الجمع بين الأدلة والترجيح بينها عند التعارض.

ومن القضايا التي أبدع الشيخُ عبد الله في توظيف المقاصد الشرعية فيها وفي إبراز مدى أهميتها قضيةُ المعاملات المالية التي أصبحت من الإشكالات الكبرى في العالم الإسلامي بعد انفجار الأزمة المالية العالمية. ففي كتاب مقاصد المعاملات ومراصد الواقعات أوضح " أن البحث عن المقاصد في قضايا المعاملات المالية لا ينبغي أن يقتصر على مجرد جرد للمقاصد وكشف عن علل أحكام معروفة، بل عليه أن يرمي إلى توسعة الأوعية المقصدية لتشمل مجالات أخرى من القضايا المستجدة لاستنباط واستنبات أحكام في تربة المقاصد الخصبة"9.

وفي التعامل مع المقاصد لم يغفل الشيخ قطُّ عن ضرورة العناية بإحاطة عملية الاستنباط بسياج محكم من الضوابط، فقد عُنِيَ ببيان علاقة المقاصد بالأدلة الأصولية و" تفعيل العلاقة بين المقاصد وقواعد أصول الفقه لضبط عملية الاستنباط وتأمين سلامة نتائج صيرورتها" 10.

هكذا، نرى أن البُعد المقاصدي في فكر العلامة ابن بيه واضحُ المعالم وبارزُ الملامح من خلال جهوده الكبيرة في سبيل توضيح المقاصد وتوظيفها واستثمارها من أجل بثّ روح جديدة في الاجتهاد الفقهي المعاصر الذي يتيه، في أحيان كثيرة، في متاهات القضايا الشائكة، وأصبح يُسهم في تأزّم حياة المجتمعات المسلمة بدلَ أن يُقدم حلولا لأزماتها.

فقد صار الاجتهاد مسرحا لكل من هبّ ودبّ واعتلى منبرَه أحيانا من لا يُميز بين الخاص والعام ولا بين المطلق والمقيد ولا بين النص والظاهر، فيُصدر فتاوى تتحول إلى سموم قاتلةٍ تلوث صفاء الفضاء الفكري للعالم الإسلامي.

فالشيخ باهتمامه بالمقاصد يحاول أن يفك الاجتهادَ من أسر الفهم القاصر للنصوص وأن يعالج خلَلا منهجيا يُهدّد سلامةَ المجتمعات المسلمة وتماسكَها وتعايشَها مع المجتمعات الأخرى

ويمكن القول في النهاية بأن اهتمام الشيخ بمقاصد الشريعة جزءٌ لا يتجزأ من مشروع فكري واسع يسعى إلى تحقيق وحدة الأمة الإسلامية من خلال معالجة الجذور الفكرية لمشكلاتها وأزماتها، ووراء هذا المشرع همٌّ أكبر وهو سلامة الحياة البشرية؛ ونتلمس ذلك الهمَّ من خلال إشارته إلى " أن مقاصد المعاملات المالية تندرج في منظومة الشريعة التي تتمثل في توفير السعادة في الدارين وحصول السعادتين"11

سام بوسو عبد الرحمن

الهوامش
1 مقاصد المعاملات ومراصد الواقعات للشيخ عبد الله بن بيه ص 14
2 مشاهد من المقاصد ص 76
3 مشاهد ص 76
4 مشاهد ص 83
5 مشاهد ص 85
6 مقاصد المعاملات، ص 12
7 مشاهد ص 16
8 مشاهد ... ص 249
9 مقاصد المعاملات 439 ص
10 مقاصد المعاملات ص 439
11 مقاصد المعاملات ص 438

مقالات ذات صلة

منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة . ... دور ريادي في نشر ثقافة السلم

يوم دراسي حول "الأسس المنهجية لثقافة السلم عند معالي العلامة الشيخ عبد الله بن بيه حاجة لتعزيز التعايش السلمي في السنغال"  

السبت، 3 أكتوبر 2020

البيان الختامي للملتقى الصوفي الدولي الرابع

في اليومين 13 و14 صفر 1442هـ (1 و2 أكتوبر 2020مـ) انعقد عبر المنصات الإلكترونية الملتقى الصوفي العالمي الرابع تحت عنوان "الخدمة والعمل الخيري آليتان لمواجهة تداعيات فيروس كورونا الجديد".
وقد افتُتح الملتقى ظهيرة يوم الخميس 13 صفر 1442هـ (أول أكتوبر 2020مـ)، وألقيت في الافتتاح الكلمتان الآتيتان:
- كلمة ترحيب ألقاها سرين أحمد البدوي امباكّي المنسق العام لروض الرياحين.

- كلمة تعريف بالملتقى ألقاها سرين الشيخ عبد الأحد امباكّي غايندي فاطمة رئيس لجنة الثقافة والإعلام التابعة للجنة المنظمة للمغال.
وبعد كلمتي الافتتاح ألقى الأستاذ عافية أحمد انيانغ المحاضرة الافتتاحية وتحدث فيها عن الشيخ الخديم رضي الله عنه ودعوته الإصلاحية التجديدية.

وقد امتدت أعمال المؤتمر على مدار يومين في خمس جلسات تم خلالها تقديم 18 عرضا حول خمسة محاور من قبل أساتذة جامعيين وباحثين من نيجيريا، والمغرب، وتونس، ومصر، ولبنان، والأردن، والعراق والإمارات العربية المتحدة، وإنجلترا، وفرنسا، وبلجيكا، والسنغال.

والمحاور هي الآتية:

1- الخدمة والعمل الخيري: مفاهيم ومظاهر.

2- العمل الخيري في ظل الوباء: مقاربات نظرية ونماذج.

3- الخدمة والعمل الخيري في مواجهة تداعيات الأزمة.

4- تعاليم الشيخ أحمد الخديم رضي الله عنه وتداعيات أزمة كورونا.

5- الخدمة في الطريقة المريدية: نظريات وممارسات.

وفي مساء هذا اليوم الجمعة 14 صفر 1442هـ (2 أكتوبر 2020مـ) أقيمت الحفلة الختامية بحضور الشيخ محمد البشير عبد القادر رئيس اللجنة المنظمة للمغال ممثلاً للشيخ محمد المنتقى امباكي الخليفة العام للطريقة المريدية.

وقد أسفرت أعمال الملتقى عن النتائج الآتية:

- اتفق المشاركون على أن الخدمة هي إيصال النفع إلى الخلق طلبا لمرضاة الله.
- اتفق المشاركون على أن الخدمة تشمل جميع مجالات الحياة.
- اتفق المشاركون على أن الخدمة والعمل الخيري ترجع جذورهما إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وإلى سيرة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
- اتفق المشاركون على أن الخدمة والعمل الخيري متأصلان في الفكر الصوفي وفي تطبيقاته عند الصوفية.

- اتفق المشاركون على أن الخدمة من أبرز ما تتميز به الطريقة المريدية.

- وقف المشاركون على نماذج من المبادرات التي قامت بها الطرق الصوفية والجمعيات الإسلامية لمواجهة تداعيات فيروس كورونا الجديد ممثَّلةً في الطريقة المريدية في السنغال، ومؤسسة الشيخ قريب الله في نيجيريا، وصوفية مصر والشام، وجماعة عباد الرحمن في السنغال.

- اتفق المشاركون على التوصيات الآتية:

1- زيادة الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية اهتمامها بالخدمة في شتى صورها.
2- توعية الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية أتباعها وأعضاءها لاسيما الشباب منهم بأهمية الخدمة وتوجيهها إياهم إلى ممارستها في شتى مجالات الحياة.
3- تشجيع الدول الإسلامية الخدمة والعمل الخيري من خلال تسهيلات ضريبية ونحوها.

هذا، ويعبر المشاركون عن خالص شكرهم للشيخ محمد المنتقى امباكّي الخليفة العام للطريقة المريدية وللجنة المنظمة للمغال واللجنة المنظمة للملتقى، ويدعون الله أن يكلل جميع مساعي الطريقة بالنجاح.

طوبى، في 14 صفر 1433هـ (2 أكتوبر 2020).

الأربعاء، 30 سبتمبر 2020

الملتقى الصوفي الدولي الرابع تحت عنوان "الخدمة والعمل الخيري آليتان لمواجهة تداعيات فيروس كورونا الجديد"

في إطار الفعاليات الثقافية الجارية بمناسبة «المَگَّلْ»، وهو يوم شكر تقيمه «الطريقة المريدية» في «السنغال» كل سنة في 18 من شهر صفر، بإذن من مؤسسها الشيخ أحمد بمب امباكي رضي الله عنه؛ شكرا لله تعالى على ما أنعم به عليه من منح في «غيبته البحرية» (تغريب الفرنسيين له إلى غابون) واحتفاء بذكراها، تنظم «اللجنة التنظيمية لمَگَّلْ طوبى» الدورة الرابعة لملتقاها الصوفي الدولي حول موضوع «
 
» في يومي 13و14 من شهر صفر 1442هـ (1و2 أكتوبر 2020 م) عبر المنصات الرقمية (en visioconférence).

أولا: إشكالية الملتقى

يشهد العالم أزمة صحية بسبب جائحة «كورونا»، وقد انعكست على الحياة الاقتصادية والاجتماعية لسائر الدول والمجتمعات. وما زالت تداعيات هذه الأزمة تكاد تكون مجهولة حتى الآن. ومن هنا نهض الباحثون والمفكرون لاستشراف مستقبل البشرية بعد «الكورونا».

والملتقى الصوفي الدولي الذي تنظمه «الطريقة المريدية» بمناسبة الاحتفال بذكرى «الغيبة البحرية» للشيخ أحمد بمب رضي الله تعالى عنه (المَگَّلْ) يمثل مناسبة علمية للتباحث حول هذه الأزمة وكيفية مواجهتها من خلال القيم التي يزخر بها الإسلام.

فمبدأ «الخدمة» المعروفة في «الطريقة المريدية» والتي تنبع من العمل الخيري المتجذر في تعاليم الإسلام، تحمل في طياتها إمكانات وآليات قادرة على الإسهام في تقديم إجابات فعالة للأوضاع الصعبة. فهي صورة من صور الجهاد في سبيل الله بالمال والفكر والقوة والوقت ابتغاء لمرضاة الله تعالى. وتُعد من المبادئ التي أسس عليها الشيخ أحمد الخديم ر ضي الله تعالى عنه منهجه التربوي حتى أصبحت من شعار المريدين. ومن خلالها حققت «الطريقة المريدية» إنجازات كب

يرة وعديدة في مجالات شتى: بناء المساجد والمدارس والمستشفيات وشق الطرق وإقامة مزارع جماعية

وينبثق مبدأ «الخدمة» من أصل العمل الخيري الذي دعا إليه الإسلام وحث عليه وطبقه الصحابة الكرام والتابعون ومن تبعهم من الصالحين، امتثالا لقوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون [الحج: 77].

وسياق الأزمة الذي يعيش فيه العالم يقتضي مراجعة هذه القيم الإسلامية ودراسة السبل الناجعة لتطبيقها وترجمتها إلى واقع عملي لاستئصال أو تخفيف وطأة الكارثة على الشرائح الضعيفة في المجتمعات المسلمة، ومن هنا اختارت اللجنة العلمية للمؤتمر الصوفي الدولي في دورته الرابعة موضوع «الخدمة والعمل الخيري آليتان لمواجهة تداعيات فيروس كورونا»، ليتمكن الخبراء والعلماء والمفكرون من الاستفادة من القيم الإسلامية في تقديم إجابات ملائمة للأزمة على مختلف أبعادها.

ثانيا: أهداف الملتقى

يهدف الملتقى إلى:

  • إتاحة الفرصة للباحثين لمراجعة قيمة العمل الخيري بشكل عام والخدمة (بالمفهوم المريدي) بشكل خاص.
  • دراسة قيمة العمل الخيري والخدمة وما تنطويان عليه من إمكانات.
  • دراسة سبل تفعيل العمل الخيري والخدمة لمواجهة آثار الأزمة.
  • إبراز نماذج من تطبيق مبدأ الخدمة والعمل الخيري في مواجهة الأزمة.

ثالثا: محاور الملتقى
  • الخدمة والعمل الخيري: مفاهيم ومظاهر.
  • تداعيات أزمة كورونا اقتصاديا واجتماعيا، ثقافيا ودينيا.
  • الخدمة والعمل الخيري في موجهة تداعيات الأزمة.
  • نماذج من توظيف الخدمة والعمل الخيري في مواجهة الأزمة.

رابعا: تنظيم الملتقى

يتم تنظيم الملتقى عبر المنصات الرقمية كما يبث في القنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية. 
       
خامسا :برنامج الملتقى  
 
ويمكنكم مشاهدة البث المباشر عبر الروابط التالية:

جامعة الشيخ أحمد الخديم تحقّق إنجازًا أكاديميًا بارزًا بالحصول على الاعتماد المؤسسي

حقّقت جامعة الشيخ أحمد الخديم بطوبى إنجازًا أكاديميًا نوعيًا بحصولها على الاعتماد المؤسسي (Habilitation institutionnelle) من الهيئة الوطنية ...