الاثنين، 25 مايو 2026

خطاب سماحة الشيخ محمد المنتقى حفظه الله تعالى مع تعليق الدكتور عبد الأحد امباكي عبد الباقي

  تعريب د. سام بوسو عبد الرحمن       - تعليق د. عبد الأحد امباكي عبد الباقي


بمناسبة الزيارة العامة لدائرة "حزب الترقية" بتاريخ 28 ذي القعدة 1447هـ/ 16 مايو 2026م، ألقى سماحة الخليفة الشيخ محمد المنتقى امباكي، حفظه الله تعالى، خطاباً عميق الدلالات ساميَ المعاني، يشكل تجديداً للميثاق المريدي وتذكيراً بلب الدعوة الخديمية. وقد وضع عليه الأخ الحبيب، الباحث اللبيب، الشيخ الدكتور عبد الأحد امباكي عبد الباقي تعليقاً سبر أغواره، وجلّى معانيه، وأبرز دقائقه؛ فرأينا ضرورة نشر الخطاب مع هذا التعليق، سائلين الله تعالى أن يعم نفعه.

نص خطاب الشيخ محمد المنتقى حفظه الله 

شُكْراً لَكُمْ سَرِينَ يُوسُف! لَقَدْ نَطَقْتُمْ بِمَا كَانَتْ تَفِيضُ بِهِ الْجَوَانِحُ، وَكَفَيْتُمُونَا مَئُونَةَ الْبَيَانِ؛ فَلَا حَاجَةَ بَعْدَ فَصْلِ مَقَالِكُمْ لِمَزِيدِ تِبْيَانٍ. وَمَعَ ذَلِكَ يَأْبَى الْوَفَاءُ إِلَّا أَنْ يُجَدَّدَ الثَّنَاءُ؛ فَأَوَّلُ مَقَامٍ نَقُومُ فِيهِ هُوَ مَقَامُ الشُّكْرِ: شُكْرِ خَالِقِنَا الْمُنْعِمِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِصُحْبَةِ الشَّيْخِ الْخَدِيمِ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وَرَبَطَ أَرْوَاحَنَا بِسِرِّهِ، وَشُكْرِ الشَّيْخِ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَكُونَ لَنَا الْبَابَ وَالْمَسْلَكَ وَالدَّلِيلَ فِي كُلِّ شَأْنٍ.

نَشْكُرُكُمْ جَزِيلَ الشُّكْرِ، سَرِينَ يُوسُف!

لَقَدْ نَهَضَ الشَّيْخُ الْخَدِيمُ بِأَعْبَاءِ الدَّلَالَةِ عَلَى اللَّهِ، مُتَجَرِّداً عَنْ كُلِّ حَوْلٍ وَقُوَّةٍ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ لِغَيْرِ رَبِّهِ؛ بَلْ وَلَّى وَجْهَ قَلْبِهِ شَطْرَ مَوْلَاهُ الَّذِي لَايَحُدُّهُ حَدٌّ وَلَا يُحِيطُ بِهِ مُنْتَهَى. فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ إِقْبَالاً خَالِصاً مُصَفَّىً مِنْ كُلِّ الشَوَائِبِ الجَلِيَّةِ وَالْخَفِيِّة، حَتَّى صَدَرَ لَهُ الْأَمْرُ الرَّبَّانِيُّ بِاتِّخَاذِ خَيْرِ الْخَلْقِ ﷺ وَسِيلَةً، فَامْتَثَلَ لِلْأَمْرِ بِصِدْقِ الْمَحَبَّةِ وَالِاتِّبَاعِ، حَتَّى رَدَّهُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى رَبِّهِ مُزَكّى وَمَأْذُوناً لِيَكُونَ دَالّاً عَلَيْهِ؛ فَظَلَّ بَيْنَ مَقَامَيِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وَالِاتِّبَاعِ لِرَسُولِهِ، يَقْضِي أَنْفَاسَ حَيَاتِهِ فِي كَنَفِهِمَا.

وَهَذَا هُوَ سِرُّ مَقَامِهِ الْجَامِعِ: عَبْدُِ اللَّهِ وَخَدِيمُِ رَسُولِهِ عَبْداً مَحْضاً لِلَّهِ، وَخَدِيماً صَادِقاً لِرَسُولِهِ ﷺ، لَقَدْ أَخْلَصَ الْعُبُودِيَّةَ فِي الْمَحْرَابِ وَفِي نفْعِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، وَتَفَانَى فِي خِدْمَةِ السُّنَّةِ وَالْجَنَابِ النَّبَوِيِّ الشّرِيف، حَتَّى اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهَذَا اللَّقَبِ وَتُوِّجَ بِه -رضي الله عنه- عَنِ اسْتِحْقَاقٍ.

إِنَّهُ تَفَرَّغَ لِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ الْكُبْرَى لَا يَبْتَغِي عِوَضاً، هَمُّهُ الْأَوْحَدُ أَنْ يَرْبِطَ الْخَلْقَ بِالْخَالِقِ، وَيَقُودَهُمْ إِلَى مَعَارِجِ الْيَقِينِ حَتَّى تَسْتَنِيرَ بَصَائِرُهُمْ بِجَمَالِ الْمَعْرِفَةِ، وَمَهْمَا قَصُرَتْ بِنَا الْهِمَمُ أَوْ شَسَعَ الْفَارِقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رُتْبَتِهِ الْعَلِيَّةِ، فَقَدْ تَرَكَ لَنَا الْمَحَجَّةَ بَيْضَاءَ، وَبَيَّنَ لَنَا مَقَاصِدَ السُّلُوكِ وَشُرُوطَ الصُّحْبَةِ، وَمَعَ أَنَّ ارْتِقَاءَ هَذِهِ الْمَرَاقِي لَيْسَ بِالْيَسِيرِ، إِلَّا أَنَّ شَرَفَ الْمُرِيدِ فِي صِدْقِ التَّوَجُّهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَصَفَاءِ الْمَحَبَّةِ وَدَوَامِ الْمُجَاهَدَةِ، وَهَذَا هُوَ وَاجِبُ الْوَقْتِ عَلَيْنَا؛ فَبِبَرَكَةِ هَذِهِ الْمَسَاعِي الصَّادِقَةِ أَثْمَرَ تَوْفِيقُ اللَّهِ هَذَا اللِّقَاءَ الْمَيْمُونَ.

إِنَّ مَجْلِسَنَا هَذَا لَيْسَ إِلَّا تَجَلِّياً لِصِدْقِ التَّوَجُّهِ، وَعَلَامَةً عَلَى أَنَّ مُرَادَ الشَّيْخِ فِي رَبْطِنَا بِالْخَالِقِ قَدْ بَدَأَ يُؤْتِي أُكُلَهُ. وَرَغْمَ وُعُورَةِ الطَّرِيقِ فَإِنَّ النَّاظِرَ فِي سَمْتِكُمْ يُدْرِكُ سَعْيَكُمْ لِلاسْتِقَامَةِ عَلَى النَّهْجِ الْخَدِيمِيِّ؛ نَهْجٌ لَا يَطْلُبُ صَاحِبُهُ إِلَّا صِدْقَ التَّوَجُّهِ لِلَّهِ تَعَالَى،  وَلَا يَصْطَفِي إِلَّا مَنْ أَخْلَى قَلْبَهُ مِمَّا سِوَاهُ.

هَذَا مَسْلَكٌ مَحْفُوفٌ بِالْمَكَارِهِ يَفْتَقِرُ إِلَى مُصَابَرَةٍ وَانْكِسَارٍ، وَمَعَ ذَلِكَ يُرْجَى أَنَّكُمْ خُضْتُمْ غِمَارَهُ قَدْرَ المُستَطَاعِ  بِصِدْقٍ، فَالشَّيْخُ يَنْشُدُ مِنَّا التَّجَرُّدَ التَّامَّ مِنَ جَمِيعِ حُظُوظِ الذَّاتِ إِيثَاراً لِلْبَاقِي عَلَى الْفَانِي.

وَكَمَا أَسْلَمَ هُوَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَفْسَهُ كُلِّيَّةً لِلَّهِ فَلَمْ يُبْقِ فِيهَا مُتَّسَعاً لِغَيْرِهِ، كَذَلِكَ تُحَاوِلُونَ أَن تَبَذُلُوا أَنْتُمْ وُسْعَكُمْ لِاقْتِفَاءِ هَذَا الْأَثَرِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ مَنَّ عَلَى الشَّيْخِ بِتَحَقُّقِ مُرَادِهِ؛ فَإِنْ تَخَلَّفَ الْبَعْضُ عَنْ هَذَا الْمِضْمَارِ، فَتِلْكَ سَوَابِقُ الْأَقْدَارِ؛ إِذِ اللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ قَاسِمُ الْأرْزَاقِ والْحُظُوظِ وَمُصَرِّفُ الْمَرَاتِبِ.

وَلَمَّا كَانَتْ إِرَادَةُ اللَّهِ قَدْ مَضَتْ بِإِرْضَاءِ الشَّيْخِ وَتَحْقِيقِ مَقْصَدِهِ، وَقعَ بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ أَنْ يُقِيمَ طَائِفَةً تَحْمِلُ هَذَا السِّرَّ وَتَنْهَضُ بِهَذَا الْعِبْءِ؛ طَائِفَةً تُحًاوِل أَن تَخْلَعَ أَثْوَابَ الرُّعُونَةِ، وَتَنْسَلِخ عَنْ رَغَبَاتِ النَّفْسِ وَتَعَلُّقَاتِ الْخَلْقِ، لِتَقْصُرَ هِمَّتَهَا عَلَى خِدْمَةِ الشَّيْخِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكُمْ مَظْهَراً لِهَذِهِ الْبَرَكَةِ وَسَبَباً لِهَذَا الِاجْتِمَاعِ.

مَا كَانَ لِهَذَا الْعِبْءِ أَنْ يُحْمَلَ لَوْلَا تَوْفِيقُ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَمَا يُيَسِّرُهُ اللَّهُ يَتَيَسَّرُ،  إِنَّ مَا بَلَغْتُمُوهُ الْيَوْمَ لَيْسَ بِحَوْلٍ وَلَا قُوَّةٍ، بَلْ هُوَ تَوْفِيقٌ مَحْضٌ، إِذِ اصْطَفَاكُمُ اللَّهُ لِتَكُونُوا الشَّاهِدَ الْعَمَلِيَّ عَلَى إِتْمَامِهِ لِمُرَادِ الشَّيْخِ؛ ذَلِكَ الْمُرَادُ الْمُتَمَثِّلُ فِي إِيجَادِ جِيلٍ يَتَجَرَّدُ عَنْ كُلِّ إِرَادَةٍ تُعَارِضُ الْمَقْصِدَ الَّذِي رَبَّى الشَّيْخُ الْمُرِيدِينَ عَلَيْهِ مِنْ إِخْلَاصِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، لِتُصْبِحَ هِمَّتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى رِحَابِ الشَّيْخِ خَالِصَةً لِلَّهِ وَحْدَهُ.

إِنَّ الشَّيْخَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) يَسَعُ بِرَحْمَتِهِ وَنَظَرِهِ الْجَمِيعَ، وَلَئِنْ عَزَّ عَلَى الْعُقُولِ إِدْرَاكُ حَقِيقَةِ مَقَامِهِ الْبَاطِنِ عِنْدَ رَبِّهِ، فَإِنَّ سُنَّةَ اللَّهِ اقْتَضَتْ أَنْ تَكُونَ لِلْبَوَاطِنِ ظَوَاهِرُ تُتَرْجِمُهَا؛ وَأَنْتُمْ فِي الظَّاهِرِ مِن مُجلِّي هَذَا الْمَقْصَدِ. فِيكُمْ ظَهَرَتْ عَلَامَاتُ الِانْقِطَاعِ لِلَّهِ تَعَالَى مُتعَلِّقينَ بِالشَّيْخِ. وَإِنْ لَمْ يَسْلُكِ الْعَوَامُّ ذَاتَ الدَّرْبِ لِوُعُورَتِهِ، فَحَسْبُهُمْ أَنَّ السَّالِكِينَ هُمْ نُخْبَةُ الشَّيْخِ وَخَوَاصُّهُ، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

لِذَا، ارْفَعُوا أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ شُكْراً لِلْمُنْعِمِ؛ فَلَا عَطَاءَ كَعَطَائِهِ، وَلَا مُوَفِّقَ سِوَاهُ، وَبِالتَّوْفِيقِ سَادَ الصَّحَابَةُ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِين) مَنْ بَعْدَهُمْ، وَبَابُ التَّوْفِيقِ مَفْتُوحٌ لَا يُغْلَقُ، يَفِيضُ بِهِ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. وَلَوْلَا هَذَا الْفَيْضُ الَّذِي غَمَرَكُمْ لَمَا ذُلِّلَتْ لَكُمُ الصِّعَابُ، وَلَمَا كُنْتُمْ صُورَةً مُشْرِقَةً لِتَحَقُّقِ أَمَلِ الشَّيْخِ.

إِنَّ حَدِيثَنَا هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا شَهِدْنَاهُ عِيَاناً وَأَدْرَكْنَاهُ بَيَاناً، فَلْتَلْهَجْ أَلْسِنَتُكُمْ بِالشُّكْرِ،  إِنَّ كُلَّ مَنْ أَنْزَلَ مَحَبَّةَ الشَّيْخِ فِي سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ، وَتَأَمَّلَ صِدْقَ صِلَتِهِ بِرَبِّهِ، يَنَالُهُ قَبَسٌ مِنْ هَذَا النُّورِ؛ غَيْرَ أَنَّ حَقَائِقَ الْقُلُوبِ تَظَلُّ دَعَاوَى حَتَّى يُصَدِّقَهَا الْعَمَلُ كَمَا صَدَّقْتُمُوهَا؛ فَالشَّيْخُ يَنْظُرُ إِلَى الْجَمِيعِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ، وَلَيْسَ لَهُ وِجْهَةٌ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، يَحْدُوهُ رَجَاءٌ صَادِقٌ فِي أَنْ يَرُدَّ الْخَلْقَ إِلَى الْخَالِقِ، فَلْنُجَدِّدْ عَهْدَ الشُّكْرِ، وَلْنَكُنْ جَمِيعاً عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَقَرُّ بِهَا عَيْنُ الشَّيْخِ، وَمَنْ حَازَ شَرَفَ الِانْتِسَابِ لَهُ، فَلْيَقْضِ حَقَّ هَذِهِ النِّسْبَةِ بِالْجِدِّ فِي خِدْمَتِهِ بِكُلِّ مَا أُوتِيَ مِنْ جَهْدٍ.

وَلْنَعْلَمْ أَنَّ مَوَائِدَ الْفَضْلِ مَبْسُوطَةٌ، لَا تَخْتَصُّ بِفِئَةٍ دُونَ أُخْرَى؛ فَتَوْفِيقُ اللَّهِ فَضْلٌ عَمِيمٌ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ صَدَقَ فِي الطَّلَبِ، وَعَلَيْنَا أَلَّا نَجْعَلَ فِي قُلُوبِنَا مُرَاداً يُزَاحِمُ مُرَادَ الشَّيْخِ (الَّذِي هُوَ مُرَادُ اللَّهِ)، عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فَكُلُّ حَيٍّ مُطَالَبٌ بِتَحْقِيقِ عُبُودِيَّتِهِ قَدْرَ طَاقَتِهِ، وَفِي ذَلِكَ عَيْنُ التَّأَسِّي بِالشَّيْخِ فِي خِدْمَتِهِ لِلْمُصْطَفَى ﷺ، خِدْمَةً مُكَلَّلَةً بِتَوْحِيدِ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا. فَالْمَدَارُ كُلُّهُ عَلَى صِحَّةِ السُّلُوكِ، وَعَلَيْنَا جَمِيعاً أَنْ نَسْلُكَ الطَّرِيقَ إِلَى اللَّهِ، فَهَذَا هُوَ قُطْبُ الرَّحَى.

فَاطْمَئِنُّوا وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّ لِلشَّيْخِ عِنْدَ رَبِّهِ ذُخْراً لَا يَنْفَدُ، وَقَدْ تَوَّجَهُ مَوْلَاهُ بِتَاجِ الْقَبُولِ الْمُطْلَقِ، وَفِي هَذَا بَرْدٌ وَسَلَامٌ لِقُلُوبِنَا، بَيْدَ أَنَّ هَذِهِ الطُّمَأْنِينَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ دَافِعاً لِلْمَزِيدِ مِنَ صِدْقِ التَّوَجُّهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، لَا سَبَباً لِلرُّكُونِ وَالْفُتُورِ؛ إِذِ الْقَصْدُ إِدَامَةُ الصِّلَةِ بِاللَّهِ، فَلْيُشَمِّرِ الْجَمِيعُ، رِجَالاً وَنِسَاءً، صِغَاراً وَكِبَاراً، نَحْوَ حَضْرَةِ اللَّهِ فِي كُلِّ نَفَسٍ، مُتَّخِذِينَ مِنْ صِدْقِكُمْ أُسْوَةً، إِنَّ زِمَامَ تَرْبِيَتِنَا وَتَوْجِيهِنَا مَعْقُودٌ بِيَدِ الشَّيْخِ، فَلْنَلْتَمِسْ مُرَادَهُ وَلْنَبْذُلِ الْمُهَجَ فِي تَحْقِيقِهِ.

فَلْنُجَاهِدْ أَنْفُسَنَا حَقَّ الْجِهَادِ، لِنَكُونَ مُسْلِمِينَ بِبَوَاطِنِنَا وَظَوَاهِرِنَا، وَمُرِيدِينَ صَادِقِينَ يَتْبَعُونَ الشَّيْخَ أَحْمَدَ الْخَدِيمِ  حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ؛ فَهُنَا مَحَطُّ الرِّحَالِ، وَهُنَا مَفَاتِيحُ الْفَوْزِ بِرِضْوَانِ اللَّهِ.

وَبِهَذَا نُجَدِّدُ عِرْفَانَنَا لَكُمْ، وَنُشَاطِرُكُمْ فَرَحَةَ هَذَا الِاصْطِفَاءِ؛ فَمَا نِلْتُمُوهُ هُوَ عَطَاءٌ مَحْضٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ، نُعْلِنُ تَجْدِيدَ بَيْعَتِنَا الرُّوحِيَّةِ، وَنَشُدُّ الْمَآزِرَ بَعَزْمٍ لَا يَلِينُ! فَإِنْ كُنَّا بِعُيُونِنَا الْقَاصِرَةِ قَدْ رَأَيْنَا عَظَمَةَ صَنِيعِكُمْ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْخِدْمَةِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يُعَايِنُهَا بِبَصِيرَتِهِ النَّافِذَةِ أَجْلَى وَأَبْهَى؛ إِذْ هُوَ خَبِيرٌ بِمَنَابِعِ صِدْقِهَا وَبَوَاعِثِ وُجُودِهَا.

فَلْنُقْبِلْ جَمِيعاً بِنِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ لِتَجْدِيدِ الْعَهْدِ، عَاقِدِينَ الْعَزْمَ عَلَى بَذْلِ مُهَجِنَا وَكُلِّيَّتِنَا فِي خِدْمَةِ طَرِيقِ الشَّيْخِ؛ إِذْ ذَاكَ هُوَ الْمَبْدَأُ وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهَى.

نَشْكُرُكُمْ كُلَّ الشُّكْرِ عَلَى اسْتِقَامَةِ سَيْرِكُمْ، وَنَعْقِدُ النِّيَّةَ عَلَى أَنْ نَكُونَ سَنَداً لَكُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذِي قَبْلٍ، وَلَكِنْ لِنَكُنْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ مَا تَرَوْنَهُ مِنْ حُسْنِ عَمَلِكُمْ لَيْسَ إِلَّا قَبَسٌ مِنْ أَنْوَارِ الشَّيْخِ وَبَرَكَةِ نَظَرِهِ وَحُسْنِ اجْتِبَائِهِ، فَالْفَضْلُ كُلُّهُ لِلَّهِ الَّذِي أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ، فَلْيَبْقَ هِجِّيرَانَا دَائِماً إِدَامَةُ الشُّكْرِ، وَاسْتِنْهَاضُ الْهِمَمِ، وَرَدُّ الْأَمْرِ كُلِّهِ لِلَّهِ تَسْلِيماً وَتَفْوِيضاً.

وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، نَرْفَعُ أَسْمَى آيَاتِ الشُّكْرِ لِآلِ الشَّيْخِ الْأَكَارِمِ الْحَاضِرِينَ مَعَنَا؛ الَّذِينَ لَمْ يَسُقْهُمْ إِلَى مَجْلِسِنَا هَذَا سِوَى صِدْقِ الْمَحَبَّةِ لِجَنَابِ الشَّيْخِ وَالتَّفَانِي فِي مَرْضَاتِهِ.

نَشْكُرُهُمْ عَلَى نُبْلِ أَرْوَاحِهِمْ، وَصَفَاءِ سَرَائِرِهِمْ، وَجَمِيلِ صَنِيعِهِمْ، وَعَلَى حُضُورِهِمُ الَّذِي لَمْ يَقْصِدُوا بِهِ شَيْئاً إِلَّا خِدْمَةَ الشَّيْخِ وَالْإِشَادَةَ بِمَقَامِكُمْ قَصْدَ وَجْهِ اللَّهِ.

كَمَا نَشْكُرُ الْمَشَايِخَ الْأَجِلَّاءَ، وَكُلَّ مَنْ حَضَرَ بِقَالَبِهِ، أَوْ حَضَرَ بِقَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ وَحَالَتِ الْأَعْذَارُ دُونَ شُخُوصِهِ وَحُضُورِهِ وَنُذَكِّرُ أَنْفُسَنَا وَإِيَّاكُمْ بِأَنْ نَجْعَلَ مُرَادَ الشَّيْخِ مِنَّا نُصْبَ أَعْيُنِنَا فِي كُلِّ نَفَسٍ، مُجِدِّينَ فِي السَّيْرِ إِلَيْهِ بِهِمَّةٍ لَا تَعْرِفُ الْكَلَلَ. وَمَهْمَا بَدَتْ عَقَبَاتُ الطَّرِيقِ، فَغَايَةُ الشَّيْخِ شَاخِصَةٌ لَا تَتَبَدَّلُ وَهِيَ أَنْ نَنْطَرِحَ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى أَعْتَابِ اللَّهِ، وَأَنْ يُحَاطَ بِالْعِنَايَةِ كُلُّ مَنْ سَلَكَ هَذَا السَّبِيلَ.

وَمِسْكُ الْخِتَامِ: حَمْدُ اللَّهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ عَلَى مَا أَسْبَغَ وَتَفَضَّلَ، مُسَلِّمِينَ لَهُ الْقِيَادَ تَسْلِيماً لَا يُخَالِطُهُ مُنَازَعَةٌ، مُنْقَادِينَ لِأَمْرِهِ حَتَّى نَبْلُغَ مِنَ الْقُرْبِ مَقْعَدَ صِدْقٍ يَرْضَاهُ لَنَا.

شُكْراً لَكُمْ!

 

نص التعليق 

الدكتور السيد سام بوسو الأخ العزيز الباحث الحصيف الحبيب والخبير الأديب الأريب أبعث إليكم بخالص التحية وصادق الود/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد فلقد طالعت الخطاب المعرب متأملا إياه بعد أن استوقفني الخطاب الأصلي المسموع والمشاهد وسبى قلبي وفكري عمقا ودلالة منذ أن تابعته؛ ولذلك بادرت في اليوم نفسه إلى الاتصال هاتفيا ببعض من أراهم من أولى الناس بالتهنئة والمباركة وإسداء الشكر والدعاء لهم في هذه المناسبة السعيدة، مع التركيز على ما رأيت أنه هو لب كلام سيدي الشيخ محمد المنتقى حفظه الله تعالى، ألا وهو صدق التوجه إلى الله تعالى، وما أدراك ماهو صدق التوجه إلى الله تعالى الكريم! فكأن هذا الخطاب في فحواه ومعناه يمتزج امتزاجا روحيا وفكريا بديعا بينه وبين نص قديم متجدد لمحتسب الفقهاء العلامة الرباني المحدث الفقيه المحقق الإمام أبي العباس أحمد زرق الفاسي رضي الله عنه المتوفى  سنة 899 هـ، الموافق تقريبًا 1493 م، وذلك في قواعده من كتابه المرجع الكبير المعروف ب تأسيس القواعد والأصول وتحصيل الفوائد لذوي الوصول أو قواعد التصوف وشواهد  التعرف، وإن حال بينهما القرون فإنهما ينبعان من مشكاة نورانية واحدة إذا استنطقنا الروابط وفكّكنا دلالاتها تتكشف لنا صورة مدهشة من التوازي بين عمق سيدي الإمام زروق -رضي الله عنه -الأصيل الفريد في قواعد التصوف وبين الخطاب الحيوي النابض لسماحة الشيخ محمد المنتقى مباكي حفظه الله تعالى، والذي صاغه حضرتك مترجما ترجمة دقيقة في عمومها متسمة ببراعة لغوية التقطت أدق الجوانب الروحية.

إليكم قراءتي المتواضعة لهذا التلاقي البديع بين هذين النصين

إن سر الأسرار في السير إلى الله تعالى بسلوك الصراط المستقيم  هو صدق التوجه إلى الله تعالى بما يرضى حيث يرضى والإقبال عليه تعالى بالكلية، وهذا أعظم خيط ناظم بين النصين وهو جوهر التصوف الحقيق، فسيدي الإمام زروق رضي الله عنه في قاعدته الاستثنائية القاعدة الرابعة من كتابه المذكور آنفا حسم الجدل التاريخي أو الاختلاف حول تعريفات التصوف التي ناهزت الألفين، بردّها كلها إلى أصل مكين (وَقَدْ حُدَّ التَّصَوُّفُ وَرُسِمَ وَفَسِّرَ  بِوُجُوهٍ تَبْلغُ نَحْو الْأَلْفَيْنِ تَرْجِعُ كُلُّهَا لِصِدْقِ التَّوَجُّهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا هِيَ وُجُوهٌ فِيهِ وَاللهُ أَعْلَمُ ).

وعندما ننتقل إلى خطاب الشيخ محمد المنتقى -حفظه الله- نرى ذلك يتجسد واقعا حيا يتنفسه مولانا العبد الخديم وكبار أتباعه رضي الله عنهم، فكأن المترجم الحصيف، د. سام بوسو قد التقط هذه الحكمة الزروقية ببراعة فائقة، موظفا مصطلحي التوجه والإقبال لترجمة حال مولانا الشيخ الخديم "تَوَجَّهَ إِلَى مَوْلَاهُ... فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ إِقْبَالاً خَالِصاً مُصَفَّىً مِنْ كُلِّ الشَوَائِبِ الجَلِيَّةِ وَالْخَفِيِّة"، إنه لجميل هذا التطابق، فسيدي زروق يرى التصوف "صدق توجه"، والشيخ المنتقى يرى رفعة شيخه الإمام العبد الخديم في كونه "لَمْ يَلْتَفِتْ لِغَيْرِ رَبِّهِ، بَلْ تَوَجَّهَ إِلَى مَوْلَاهُ"، هذا التكرار لمفردات الإقبال والتوجه هو ترسيخ للقاعدة في وجدان المريدين، وتذكير بأن طريقهم هو امتداد أصيل لما قرره أئمة التصوف السني.

إرادة وجه الله وصدق التوجه إلى الله تعالى الكريم 

يؤصل الإمام زروق في قاعدته السابعة لاسم التصوف، مرجحا اشتقاقه من الصُّفَّة، مستندا إلى الآية الكريمة: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. هذا القصد الخالص لوجه الله هو لب الحقيقة.

وبالتأمل في خطاب الشيخ المنتقى نجده يستحضر هذا المعنى بحذافيره، واصفا الطائفة الصادقة من المريدين بأنها "تَحْصُرُ هِمَّتَهَا فِي خِدْمَةِ الشَّيْخِ لِوَجْهِ اللهِ الْكَرِيمِ". ويؤكد أيضا "فَالشَّيْخُ لَا يَطْلُبُ سِوَى قصد التوجه إلى اللهِ"، وكأن الخطاب يستحث همم المريدين العصريين ليقتدوا ويقتفوا آثار أهل الصفة الأوائل، إنها رسالة واضحة في أن التصوف الحق هو امتداد لحال أولئك الذين لم تصرفهم فاقة ولا غنى عن إرادة وجه ربهم، صدق التوجه إلى الله تعالى الكريم من حيث يرضى بما يرضى وهو ذات المعنى الذي خطّه الإمام زروق في قاعدته الثامنة، حيث نفى ارتباط التصوف بفقر أو غنى، وربطه حصرا بإرادة وجه الله الديان.

 

التجرد والتخلية

يفكك الإمام سيدي زروق في قاعدته التاسعة مراتب السالكين مبينا منزلة الفقير قائلا إنه إِذَا سَقَطَ مَا سِوَى الحَقِّ مِنْ يَدِهِ فَهُوَ الفَقِيرُ

هذا السقوط لكل ما سوى الحق صاغه سيدي الشيخ المنتقى بعبارة بالغة الدلالة حين تحدث عن ضرورة "التجرد"، قائلاً: "فَالشَّيْخُ لَا يَهُمُّهُ إِلَّا التَّجَرُّدُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى مِنَ الذَّاتِ، فِي سَبِيلِ التَّوَجُهِ إِلَى اللَّهِ". هذا هو عين الفقر الصوفي عند سيدي الإمام زروق رضي الله عنه؛ انقطاع تام عن حظوظ النفس، وانسلاخ من رغباتها، ليغدو العبد "بِرَبِّهِ لِرَبِّهِ" والمريد هنا بتوجيه الشيخ المنتقى مدعو لبلوغ هذه المرتبة التي يتخلى فيها القلب عن كل شيء إلا خالقه تعالى.

 

التلازم والاتزان بين الشريعة والحقيقة هو ضابط السلوك السوي

لم يترك الإمام زروق في قاعدته الرابعة مجالا للزندقة أو التفسق، بل وضع حدا صارما يقرر تلازم الفقه والتصوف والإيمان، مستشهدا بمقولة الإمام مالك الشهيرة: وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ تَحَقَّقَ.

وفي قال العبد الخديم رضي الله عنه في كتابه العظيم مسالك الجنان في جمع ما فرقه الديماني

اَلْعِلْمُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ يَنْقَسِمْ           لِظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ سِرًّا كُتِمْ

ظَاهِرُهُ الْـمُصْلِحُ لِلأَعْمالِ      وَالْبَاطِنُ الْـمُصْلِحُ لِلأَحوالِ

فَأَوَّلٌ بِاسْمِ تَفَقّهٍ دُعِي         وَالثَّانِ عَنْهُمْ بِتَصَوُّفٍ وُعِــي

ثُمَّتَ تَقْدِيمُ الْفَتَى الْفِقْهَ عَلَى     تَصَوُّفٍ وُجُوبُهُ قَدِ انْجَـــلَى

فَمَنْ إِلَى إِخْلَالِ الاَوَّلِ انْتَمَى     هَلَكَ فِي الدُّنْيَابِحُكْمِ الْعُلَما

وَمَنْ يَكُنْ بِالثَّانِ ذَا الْإِخْلَالِ     يَهْلِكْ غَدًا بِحُكْمِ ذِي الْجَلَالِ

فَوَاجِبٌ عَلَى الْعِبَادِ طُرَّا     جَمْعُهُمَا لِكَيْ يَنَالُوا الْأَجْرَا

*وَمَنْ تَفَقَّهَ بِلَا تَصَوُّفِ فَذُو تَفَسُّقٍ صَرِيحٍ فَاعْرِفِ*

*وَمَنْ يَكُنْ بِعَكْسِ ذَا فَإِنَّهُ      إِلَى تَزَنْدُقٍ أَمَالُوا شَأْنَهُ*

*وَمَنْ لِفِقْهٍ وَتَصَوُّفٍ جَمَعْ     فَهْوَ الَّذِي حُقَّ لَهُ أَنْ يُتَّبَعْ*

أَخْرَجَ ذَا الْحُكْمَ الْإِمَامُ مَالِكُ رَحِمَهُ رَضِيَ عَنْهُ الْـمَالِكُ

*وَلْتَعْلَمَنْ بِأَنَّ عِلْمًا وَعَمَلْ     هُمَا وَسِيلَتَا السَّعَادَةِ أَجَلْ*

فَفِيهِمَا اجْتَهِدْ وَفِي  التَّصْفِيَةِ     مِنْ كُلِّ آفَةٍ وَفِي التَّنْقِيَةِ

وَصَحِّحَنْ بِالصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ كِلَيْهِمَا تَظْفَرْ بِالاِخْتِصَاصِ

وَبِاتِّبَاعِ سُنَّةِ الْـمُخْتَارِ     صَلَّى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ الْبــــــــــــارِي

وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعْ     آثَارَهُمْ مِنْ مُقْتَدًى وَمُتَّبِـعْ

 

وهذا الميزان الشرعي الدقيق حاضر بقوة في خطاب الشيخ سيدي محمد المنتقى حفظه الله، فبالرغم من تحليق الخطاب في فضاءات المحبة والتجرد والروحانيات، فإنه يرد الأمور دوما إلى نصابها الشرعي المكين "وَالْمُهِمُّ هُوَ الِاجْتِهَادُ، وَأَلَّا يَكُونَ لَنَا مُرَادٌ يُزَاحِمُ مُرَادَ الشَّيْخِ؛ فَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ الشَّرْعِيُّ، مِصْدَاقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾" هو بذلك يؤكد أن التوجه والإقبال لا يستقيمان خارج إطار العبودية المحضة التي حددتها الشريعة، العمل والاجتهاد هما القالب الذي يُصب فيه هذا الصدق، مصداقا لقاعدة زروق: "إِذْ لَا عَمَلَ إِلَّا بِصِدْقِ تَوَجُّهٍ".

 

عبقرية الترجمة في إجادة جسر بين التنظير والتطبيق

لا يسعني هنا إلا أن أشيد ببراعة أخي الدكتور سام بوسو، ذلك أن ترجمة النصوص العرفانية محفوفة بصعوبات جمة؛ لافتقارها إلى أكثر من مجرد النقل اللفظي، بل احتياجها إلى فقه عميق بالمصطلح الصوفي، لقد نجح المترجم بامتياز في استدعاء المعجم الزروقي (صدق التوجه، الإقبال، إرادة وجه الله، التجرد من الحظوظ) ليعبر عن مقاصد الشيخ المنتقى، فخرج النص العربي متينا رصينا متجذرا في التراث الأصيل، ومحتفظا بحرارة الخطاب الأصلي وحميميته، لقد كان أمينا في نقل المعنى إلى حد كبير وعبقريا في هندسة المبنى الذي ربط حاضر سلوك المُريد اليوم بماضي التأصيلات الزروقية.

أفق منهجي وضبط اصطلاحي استشرافي

ومن جماع ما سبق يبدو لنا ملاحظة عامة -يا فضيلة الشيخ سام- وهي أن سيدي الشيخ محمد المنتقى ومثله من أهل الذوق والعرفان نفعنا الله بحسن التأدب معهم - حين يتكلم فهو كثيرا ما ينطق بلغة وجدانية عالية المستوى متسمة برموز كثيرة ومكثفة المعاني والدلالات، وبالتالي فترجمة كلامه إلى اللسان العربي قد تنقله من محيطه التربوي الداخلي أو الخاص إلى المجال العام أو إلى الفضاء الأكاديمي، فيحتاج حينئذ بالتأكيد إلى ضبط اصطلاحي محكم تجنبا لأي لَبسٍ أو إشكال قد يوهم بمعنى مخالف أو مناقض للمراد والمقصود من إخلاص العبادة لله تعالى وحسن التأدب معه تعالى وصدق التوجه إليه تعالى، وتمحيض الخدمة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدق المحبة ودوام الاقتفاء وحسن الاتباع في السر والعلن، وذلك كله بالتعلق بالوارث الأكمل العارف بالله عبد الله وخديم رسوله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه..

بالإضافة إلى ذلك فإن مما ألاحظ من المنهج العلمي التربوي لهذا الشيخ - زاده الله من الحفظ والرعاية والنصر والتمكين والتوفيق والصحة والعافية وطول العمر- في كلامه الوجداني العرفاني أن بعض خطاباته وكلماته تكمل بعضها البعض

فمن ينبري لسبر أغوار كلامه لا مندوحة له عن ضم أطرافه إلى بعض، ولعل من أمثلة ذلك:

 أن هذه الكلمة التي أفدتم وأجدتم في تعريبها فالتأمل فيها يتطلب ربطها بتلك الكلمة المختصرة التي بارك بها حفل التخرج للدفعة الأولى من جامعة الشيخ أحمد الخديم قبل بضعة أسابيع؛ فضلا عن رصد وجمع كل أحاديثه التي مضت وركز فيها على قصد التوجه إلى الله  - وما أكثرها فلله الحمد والشكر-

ومن ذلك أيضا أن من يبتغي تحقيق مراده ومقصوده من مشروع المدينة العلمية (مجمع الشيخ أحمد الخديم) عليه  أن يستعد لتتبع مدونته الكلامية والحالية حول هذا الصرح العلمي العظيم، وقد شملت تلك الخطابات  الجوانب التربوية والتمويلية وحسن التسيير والاستشراف الاستراتيجي للمستقبل البعيد، ليستجيب هذا المعلم لمتطلبات التربية الروحية والعلمية للمدينة المحروسة بالإضافة إلى قدر مهم من الاحتياجات الوطنية والإقليمية والدولية في هذا الجانب.

خلاصة القول -أخي الكريم-أن ما سطّره سيدي الإمام زروق رضي الله عنه في قواعده هو بمثابة الهيكل العظمي والقوانين الحاكمة لعلم السلوك، وما لمسناه في خطاب الشيخ المنتقى هو بمثابة اللحم والدم والمكابدة الحية لهذا السلوك في واقع الناس، كلاهما يدوران في فلك واحد وهو أن يتجرد العبد لله بكليته، ويحقق قصد التوجه إلى الله تعالى من حيث يرضى بما يرضى فلا يرى غيره، ولا يقصد إلا وجهه.

وفي الختام أسأل الله العظيم سبحانه وتعالى أن ينير بصائرنا بنور اليقين، وأن يطهر سرائرنا حتى لا تشهد سواه، وأن يجعلنا وإياكم ممن استغنوا به عمن سواه فظفروا بطمأنينة القلوب وسلامة الصدور .

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يمكن تحميل الملف بصيغة pdf من هنا  

 خطاب الشيخ محمد المنتقى باللغة الولوفية



 

الخميس، 30 أبريل 2026

تأملات في حفل تخرج الدفعة الأولى من جامعة الشيخ أحمد الخديم

 

لم تكن الحفلة التي نظمتها جامعة الشيخ أحمد الخديم بطوبى في الثالث والعشرين من أبريل 2026م مجرد احتفاء بتخريج الدفعة الأولى من طلابها، بل كانت مناسبة تحمل دلالات رمزية عميقة؛ فهي تجسد في الواقع قوة الإرادة التي كانت وراء تأسيس مجمع الشيخ أحمد الخديم للتربية والتكوين، الحاضن لهذه الجامعة.

لقد صدح الخليفة الشيخ محمد المنتقى -حفظه الله تعالى- حين وضع الحجر الأساس بعبارته المدوية "بُمُ لالْ سوف" (Bumu lal suf)، ومعناها: "فليبقَ عالياً"، في إشارة إلى ضرورة شحذ الهمم لإنجاز المشروع وإتمام مسيرته على أكمل وجه دون توقف. وقد تحولت هذه العبارة إلى شحنة معنوية ودفعة قوية للمريدين، فحققت أعمال البناء وإعداد البرامج والعملية التعليمية أرقاماً قياسية في سرعة الإنجاز وجودة المخرجات؛ إذ لم تستغرق أعمال بناء المرافق أكثر من 50 شهراً، وفتح المجمع أبوابه في السادس من فبراير 2023م، رغم التحديات الصعبة في تلك الفترة الحرجة التي مر بها العالم والبلاد بسبب تداعيات وباء كورونا والاضطرابات الاقتصادية.

وعلى الصعيد الإداري، حققت الجهود نتائج مبهرة؛ فقد حصلت الجامعة على الرخصة قبل افتتاحها، وعلى الاعتماد المؤسسي في غضون ثلاث سنوات من الافتتاح. وينسحب هذا التميز على الجانب الأكاديمي؛ ففي أقل من ثلاث سنوات، تخرجت الدفعات الأولى من أقسام الدراسات الإسلامية واللغة العربية، والتمريض والقبالة. وتعد هذه النتائج انعكاساً للالتزام المنقطع النظير من الشيخ الخليفة، ومن شيوخ الطريقة ومريديها، وعلمائها وخبراءاتها ورجال أعمالها.

لقد سارت الجهود العلمية جنباً إلى جنب مع الإسهامات المادية؛ فبينما كانت اللجان الفنية -التي تشرفتُ بتنسيقها- تعمل يومياً، ويجتمع رؤساؤها أسبوعياً في إطار لجنة تنسيقية مصغرة تحت إشراف الشيخ أحمد البدوي امباكي، كانت "الجبهة المريدية" تتابع عمليات البناء عن كثب وتعقد اجتماعاتها الدورية. وقد تحركت هذه الفرق بفضل دينامية "الخدمة" التي بثها وعززها صاحب الهمة العالية والرؤية السديدة، مولانا الخليفة الشيخ محمد المنتقى -حفظه الله تعالى-.

إن هذا الصرح العلمي يمثل نموذجاً رائعاً لقيمة العمل التطوعي الجماعي الرامي إلى نيل رضا الله تعالى، والقائم على مبدأ "الخدمة" بصورها المختلفة: الخدمة بالمال، والمعرفة والخبرة، والجهد البدني. لقد تجلت روح الخدمة في جميع مراحل هذا المشروع، وجاءت حفلة التخرج تتويجاً لهذه المسيرة المباركة، وفتحاً لآفاق مستقبلية واعدة للطريقة المريدية، وللمجتمع السنغالي، وللأمة الإسلامية جمعاء. 

فهنيئاً للخريجين وذويهم، وهنيئاً للأساتذة والإداريين وجميع العاملين في هذا المجمع الرائد.

                                                            د. سام بوسو عبد الرحمن 
 

الثلاثاء، 31 مارس 2026

السنغال يفتح صفحة جديدة للدارات عبر جلسات وطنية تاريخية

بحمد الله تعالى، أُسدِل الستار يوم أمس الاثنين 30 مارس 2026م على أشغال الجلسات الوطنية حول المدارس القرآنية، وهي مبادرة تاريخية أطلقها فخامة رئيس الجمهورية في 28 نوفمبر 2024م، بهدف تمكين المدارس القرآنية ووضعها في المكانة اللائقة بها ضمن النظام التربوي السنغالي، بما يتيح للدولة التكفّل بهذا القطاع الحيوي، نظراً لما يضطلع به من أدوار تاريخية وثقافية ودينية محورية في المجتمع، خاصة في ظل الأزمات المتعددة الأبعاد التي يعرفها.

وقد بادرت وزارة التربية إلى تشكيل لجان عمل أوكلت إليها مهمة الإعداد المحكم لهذه الجلسات والإشراف على تسييرها، وهي: لجنة القيادة برئاسة الأستاذ المربي السيد طاهر فال، ولجنة الدعم العلمي بتنسيق الدكتور سام بوسو، كاتب هذه السطور، ولجنة التنظيم برئاسة المفتشالسيد  موسى انيانغ، إلى جانب مجلس المتابعة والتوجيه. برئاسة الأستاذ المربي مختار كيبي.

وعلى مدى سنة كاملة، عملت هذه اللجان بتنسيق وثيق مع مدير الدارات بوزارة التربية، المفتشالسيد  بابكر صمب، على إعداد الوثائق المرجعية اللازمة لتنظيم الجلسات، من مذكرات منهجية وخارطة طريق وغيرها، كما نظمت مشاورات واسعة وشاملة ضمّت مختلف الأطراف المعنية، من معلمي القرآن وأصحاب الدارات والشيوخ والسلطات المحلية والمفتشين وأولياء المتعلمين وغيرهم.

وقد انطلقت هذه المشاورات على مستوى البلديات (557  بلدية)، بمشاركة فاقت 28,000 شخص، وتمحورت حول قضايا أساسية شملت المفاهيم والغايات والتوجهات المرتبطة بالدار، إضافة إلى الحوكمة والتمويل والبيئة المعيشية والدراسية، والمناهج، والتكوين، والاندماج، وتوظيف المعلمين.

وعقب ذلك، جُمعت مخرجات هذه المشاورات في تقارير جهوية على مستوى المقاطعات، ثم في تقارير إقليمية. وقامت لجنة الدعم العلمي بتحليل هذه التقارير، إلى جانب المساهمات الواردة عبر المنصة الإلكترونية والمقدمة من بعض الجمعيات والمؤسسات، وصياغتها في تقرير وطني أولي شامل.

وفي يومي 29 و30 مارس، انعقدت الجلسات الوطنية بفندق كنغ فهد بالاس بدكار، بمشاركة نحو 400 مشارك، واختُتمت باعتماد المخرجات النهائية، بحضور معالي الوزير الأول السيد عثمان سونكو، ووزير التربية الوطنية، إلى جانب عدد من الشخصيات البارزة.

ومن المنتظر تقديم هذه المخرجات إلى فخامة رئيس الجمهورية بمناسبة اليوم الوطني للدارات.

وقد عرفت هذه الجلسات التاريخية إقبالاً واهتماماً كبيرين من طرف مكوّنات قطاع الدارات، وفتحت آفاقاً واعدة نحو تطويرها بما يحفظ هويتها وأصالتها، ويعزز إسهامها في تطوير النظام التربوي السنغالي وخدمة المجتمع بصفة عامة.

د. سام بوسو عبد الرحمن

السبت، 28 فبراير 2026

شروط تحقيق الأمل في المنظور الخديمي

 ينتاب الإنسانَ أحوالٌ وجدانية وشعورية مختلفة؛ بعضها يشكّل طاقةً محفِّزة وقوةً دافعة نحو العمل والإنتاج والتقدم المادي والمعنوي، وبعضها يسبب التراخي والتسيّب ويثبّط الهمم. ومن الصنف الأول "الأمل" إذا فُهم حقَّ الفهم ووُظِّف للانطلاق نحو بلوغ الغايات الدينية والدنيوية. أما إذا لم يُفهم على وجهه الصحيح فإنه يتحول إلى أمنية مجردة لا قيمة عملية لها. وهذا المفهوم له حضور لافت في كتابات الشيخ أحمد الخديم رضي الله تعالى عنه. وفي هذه السطور نحاول تجلية الشروط التي تجعل الأمل منتجًا، والحالات التي تحوّله إلى سبب للفشل والخيبة، من خلال نصوص الشيخ.

إن الشيخ الخديم حين يتناول الأمل في كتاباته إنما يتناوله من منظور تربوي صوفي؛ إذ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسير إلى الله تعالى وحسن الظن به، وهو ضد اليأس والقنوط من رحمة الله. والمتأمل في تلك الكتابات يلاحظ أن الأمل، في رؤية الشيخ، ليس مجرد شعور وجداني، وليس تهرّبًا من الواقع، بل يتأسس على سلوك واعٍ، ويرتكز على دافعية حقيقية، وتطلّع صادق نحو غايات سامية، وطموحٍ في مصير مشرق.

ومن هنا نلاحظ أن الشيخ يربط دائمًا الأمل بالعمل الصالح المبني على العلم والمعرفة الصحيحة. يقول في قصيدته المقيدة بحروف "يوم عاشوراء":

مدَّ لي العلمَ الصحيحَ والعمل          الصالحَ الذي يقودُ لي الأملْ

ويقول في قصيدته "عصمة جميع المعصومين":

مننتَ بالعلم الصحيح والعمل       الصالحِ الذي يُحقِّقُ الأملْ

فالشيخ لم يُطلق هنا العمل الذي يحقق الآمال، بل قيّده بالصالح وقرنه بالعلم الصحيح، ووضع الأمل بهذا المنظور في إطاره الصحيح؛ لأن الأمل من دون الأخذ بالأسباب الواقعية يثمر غرورًا، أو يمثّل حالة نفسية وأخلاقية تقوم على خداع النفس ورؤية الأشياء على خلاف حقيقتها، ويؤدي إلى الدوران في حلقة مفرغة. ومن أمثلة هذه الحالة أن يرجو الإنسان الفوز بالسعادة الأخروية دون سلوك الطريق المؤدي إليها. وفي هذا المعنى يقول:

رجاءُ جنةٍ بلا طاعــــــــــــات         بسنةِ الماحي غرورٌ يأتي

ويؤكد الشيخ في مواضع أخرى شرطية العمل في تحقق الأمل، فيقول في مسالك الجنان:

ومنه يُعرفُ الرجاءُ وهو الأملْ         بأخذِ أسبابٍ بإكثارِ العملِ

ومن ابتهالاته في قصيدته "نور الدارين":

وهبْ لي العلمَ الصحيحَ والعمل          الصالحَ الذي يُكمِّلُ الأملْ

وهكذا يتضح جليًّا أن الأمل المنتج عند الشيخ لا يستند إلى التراخي والتسيّب والتواكل، بل إلى العلم الصحيح والعمل الصالح، وهما الشرطان الأساسيان لتحقيق آمال الإنسان في مختلف مجالات الحياة.

ومن ناحية أخرى، يرد في كلام الشيخ بشكل متكرر التحذيرُ من طول الأمل، باعتباره عائقًا للعمل ومثبِّطًا للهمم. ويمكن أن يُفهم من هذا التحذير ضرورةُ التخطيط للوصول إلى الأهداف المنشودة، وهو ما يتقاطع مع الفكرة الحديثة في عالم التدبير والحسابات، وهي "أفق التوقعات"؛ فكلما بعُد أفق التوقعات قلّت دقة النتائج.

فإطلاق العنان للآمال وتطويلها بلا حدود معقولة يثني عن العمل كليًّا أو يؤدي إلى إساءته. وفي ذلك يقول الشيخ في "مغالق النيران":

فلتقطعوا التسويفَ قصِّروا الأملْ             إذ دونَ ذينِ ليس يُمكنُ العملْ

ويقول في "إلهام الودود":

وقَصِّرِ الأملَ إذ طولُ الأملْ             يُفضي المطيعينَ إلى سوءِ العملِ

ويمكن في النهاية أن نستنتج من هذه الرؤية الخديمية أن صناعة الأمل أو إحياءه لا بد أن تمر عبر خلق شروطه؛ فالخطوة الأولى أن تكون للإنسان أهداف نبيلة واضحة، ومعرفة صحيحة تمكّنه من القيام بالعمل الصالح. وبتوفر هذين الشرطين يكون للأمل معنى، ولا يتحول إلى أمنية فارغة. وأي استراتيجية لصناعة الأمل – في سياق السعي لتحقيق السِّلم – تبدأ بالضرورة بالتربية الصحيحة، والتكوين الجيد، وخلق فرص للعمل.

 

د. سام بوسو عبد الرحمن

نواكشوط 11 فبرائر 2026

 

الخميس، 15 يناير 2026

وقفة تحليلية مع نص الشيخ محمد الفاضل حول علاقته بالرئيس الأسبق المسيحي لووبول سينغور

بقلم الدكتور  سام بوسو عبد الرحمن والدكتور  عبد الأحد امباكي عبد الباقي 

عثرتُ على نص مهم بخط والدي الشيخ عبد الرحمن بوسو  يتناول فيه الشيخ محمد الفاضل الخليفة الثاني للمريدية علاقتَه بالرئيس الأول للسنغال بعد الاستقلال، لووبول سيدار سينغور، فوجدته نصا ذا قيمة تاريخية وعلمية لأنه يتعلق بقضية ذات صبغة دينية وسياسية معا،  فهو يُظهر على وَجازته رؤيةَ الشيخ البعيدة ووعيَه العميق برهانات عصره، ومقتضيات دينه، باعتباره شخصية دينية ومرشدا روحيا يلتف حوله ملايين من المريدين، في طل دولة وطنية. وأردت أن أقف وقفة تحليلية مع هذا النص الأساسي المفعم بالدلالات والمعاني.

 

النص

ثِقَتِي بِمَنْ يَسْأَلُونَنِي عَمَّا هُوَ سَبَبُ مُخَالَطَتِي، أَوْ نَحْوَ مُصَاحَبَتِي مَعَهُ وَمُعَامَلَتِي، قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. فَهِمْتُ مِنْهُ أَنَّ الدِّينَ هُوَ الطَّرِيقُ، وَطَرِيقُ كُلِّ دِينٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كَيْفِيَّةِ السُّلُوكِ فِيهِ لِأَهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ؛ فَالسَّالِكُونَ صِنْفَانِ: دُنْيَوِيٌّ وَأُخْرَوِيٌّ، طَالِبُ الدُّنْيَا وَطَالِبُ الْآخِرَةِ. وَحِينَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، سَلَكَ كُلٌّ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ دِينَهُ، لِسَانُ حَالِهِ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.

طَالِبُ الدُّنْيَا بِالسِّيَاسَةِ، وَلَا بُدَّ لِلسَّائِسِ مِنْ إِعْدَادِ آلَاتٍ لَهَا، وَطَالِبُ الْآخِرَةِ هَمُّهُ التَّقَوِّي عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، طَاعَتِهِ، وَهَذَا الْمُشَارُ إِلَيْهِ، لَمَّا تَحَزَّمَ عَلَى طَلَبِهِ بِدِينِهِ أَتَانِي، وَحَلَفَ بِأَنِّي مَطْلَبِي، إِنْ وَجَدْتُهُ أَكُنْ مُعِينًا لَكُمْ فِي أُمُورِ دِينِكُمْ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» يَعْنِي بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِهِ، تَأَوَّلْتُ بَلْ تَحَقَّقْتُ أَنَّهُ هُوَ فِينَا. انْتَهَى.


 أولا: تحليل الدكتور  سام بوسو  عبد الرحمن

يُعدّ هذا النص وثيقة مهمة ذات دلالة عميقة في فهم علاقة الطرقة المريدية بالسلطة السياسية في السياق السنغالي، لا سيما في مرحلة ما بعد الاستقلال. إذ يسعى صاحبه، الشيخ محمد الفاضل، رضي الله تعالى عنه، من خلاله، إلى تقديم مبرر  شرعي وفكري لموقفه من تأييد شخصية سياسية غير مسلمة (وهو سينغور)، في ظل اعتراضات دينية محتملة من قبل من لا يقفون على بواطن الأمور. ويكشف النص عن رؤية أصيلة تجمع بين المرجعية النصية والواقعية السياسية.

 

ينطلق الشيخ محمد الفاضل من طرح إشكالي يتمحور حول مشروعية العلاقة بين العالم الديني، أو شيخ طريقة صوفية ورجل السياسة، خاصة عند اختلاف المرجعيات العقدية. ويعتمد في معالجته لهذا الإشكال على ثلاث ركائز أساسية: الاستدلال بالنصوص الشرعية، والتقسيم الصوفي للمقاصد الإنسانية، وفقه المصلحة والمآلات. ويُلاحظ أن النص لا يتخذ طابع الدفاع الانفعالي، بل ينهج أسلوب التبرير العقلاني المؤسس دينيًا.

يلاحظ أولا أن الشيخ قد وظَّف عددًا من الآيات القرآنية، أبرزها قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، مُقدِّمًا قراءة وظيفية  للآية، لا تقف عند حدّ المفاصلة العقدية، بل تؤسس لمبدأ التمايز دون القطيعة. فالدين، في تصوره، هو طريق في الحياة، ولكل طريق مقتضياته السلوكية والاجتماعية. كما يستحضر قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِلتأكيد أن الغاية الأخروية هي المقصد الأسمى، غير أن اختلاف السبل لا يلغي ضرورة تنظيم الشأن الدنيوي، خاصة إذا علمنا أن هذا الشأن الدنيوي قد يكتسي صبغة دينية في منظور الشيخ الخديم صلاحية  القصد وصدق النية.

وتأسيساً على ما سبق، يعتمد الشيخ رضي الله تعالى عنه تقسيمًا ثنائيًا معروفا في الأدبيات الصوفية، حيث يقسم الناس إلى طالب الدنيا، وهو المعني بالسياسة وتدبير الشأن العام، وطالب الآخرة، وهو المنشغل بالعبادة والتزكية والتربية الروحية. 

غير أن هذا التقسيم لا يحمل هنا حكمًا قيميًا سلبيًا على طالب الدنيا، بل يُقرّ بضرورة دوره الوظيفي داخل المجتمع. وبذلك يتجاوز الشيخ النظرة الإقصائية للسياسة، ليعترف بها كحقل خاص له أدواته وآلياته.

ومن ناحية أخرى، يُبرز النص وعيًا سياسيًا واضحًا حين يؤكد أن السياسة تتطلب إعدادًا وأدوات خاصة، غير أن الشيخ لا يمنح الشرعية المطلقة لرجل السياسة، بل يُقيد العلاقة معه بشرط أساسي، يتمثل في خدمة الشأن الديني وحماية مصالحه.

وبذلك يؤسس الشيخُ لما يمكن تسميته علاقةً تعاقدية مشروطة بين الزعيم الديني والسلطة السياسية، تقوم على الاستفادة من هذه السلطة فيما يعود على الدين بالنفع دون خضوع أو تبعية.

وانطلاقا من فقه المآلات، يستدل الشيخ بحديث النبي ﷺ: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»، مقدمًا تأويلًا عمليًا سديدا للحديث، مفاده أن نفع الشخص للدين لا يشترط فيه صلاحه العقدي أو الأخلاقي بل العبرة بالمآلات والنتائج لا بالصفات الشخصية. ويكشف هذا الاستدلال عن حضور واضح لـفقه المصلحة وفقه الواقع، حيث تُقدَّم المصلحة العامة للدين على الاعتبارات المثالية.

وإضافة إلى هذا الفهم للواقع، يحمل النص عدة دلالات مركزية، من أبرزها إقرار مبدأ التعايش السياسي مع غير المسلم في إطار الدولة الحديثة، واستقلالية المؤسسة الدينية عن السلطة، مع الانفتاح على التعاون المشروط، وأخيراً إبراز الواقعية الصوفية المريدية بوصفها نمطًا فكريًا منخرطًا في الشأن العام.

خاتمة

يُبرز نص الشيخ محمد الفاضل - في نهاية المطاف -  نموذجًا متميزًا في التفكير الإسلامي، يقوم على الموازنة بين الثابت الديني ومتغيرات الواقع السياسي. وهو نص يعكس انتقال الشيوخ من منطق المواجهة أو العزلة إلى منطق التدبير والتأثير غير المباشر، ضمن رؤية أخلاقية تحافظ على استقلال الدين وتخدم مقاصده العليا. ويمكن اعتبار هذا النص لبنة أساسية لفهم فقه العلاقة بين شيوخ الطريقة المريدية والسلطة في السنغال المعاصرة، خاصة في سياق الدولة الوطنية بعد ستقلال البلاد.


ثانيا : تعليق الدكتور عبد الأحد امباكي عبد الباقي 

أخي الحبيب فضيلة الشيخ الدكتور،حلّلتم تحليلا دقيقا هذا النص القيم لسيدي العلامة الخليفة المعظم الشيخ محمد الفاضل مباكي، والمحفوظ بخط والدكم العلامة المكرم الشيخ عبد الرحمن بوسو ، على ضريحهما شئابيب الرحمة والرضوان، وقد أبرزتم من القيمة العلمية بدقة منهجية الشيء الكثير، فجزاكم الله خيرا، وبارك فيكم غير أنه يسعدني-استكمالا لما تفضلتم به-أن أقدّم ما تيسر من تعليق على النص وما كتبتم حوله، بما يمكن أن يفتح لي ولغيري آفاقا أخرى لمثل هذا الصنيع الجميل المرجو نفعه.

أقول إن هذا النص عند التحقيق لَاجتهاد تنزيلي واع مكتمل الأركان ومتزن الأوزان استحضر فيه صاحبه سيدي الشيخ محمد الفاضل كليات الشريعة ووازن بين مقاصدها، ونزل حكما عمليا على واقع الدولة الوطنية الحديثة إذ ذاك بعد الاستقلال حيث تغيّرت صور السلطة، وتعذّر استحضار نموذج (الإمامة المستجمعة للشروط)

وهذا بعينه لما يقررمن كلام الإمام الشاطبي حين قال(..إنَّ الْوَقَائِعَ فِي الْوُجُودِ لَا تَنْحَصِرُ؛ فَلَا يَصِحُّ دُخُولُهَا تَحْتَ الْأَدِلَّةِ الْمُنْحَصِرَةِ، وَلِذَلِكَ احْتِيجَ إِلَى فَتْحِ بَابِ الاجتهاد من القياس وغيره، فلا بُدَّ مِنْ حُدُوثِ وَقَائِعَ لَا تَكُونُ مَنْصُوصًا عَلَى حُكْمِهَا، وَلَا يُوجَدُ لِلْأَوَّلِينَ فِيهَا اجْتِهَادٌ، وَعِنْدَ ذَلِكَ؛ فَإِمَّا أَنْ يُتْرَكَ النَّاسُ فِيهَا مَعَ أَهْوَائِهِمْ، أَوْ يُنْظَرَ فِيهَا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ أَيْضًا اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، وَذَلِكَ كُلُّهُ فَسَادٌ؛ فَلَا يَكُونُ بُدٌّ مِنَ التَّوَقُّفِ لَا إِلَى غَايَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى تَعْطِيلِ التَّكْلِيفِ لُزُومًا، وَهُوَ مؤدٍّ إِلَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاق؛ فَإِذًا لَا بُدَّ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ زَمَانٍ؛ لِأَنَّ الْوَقَائِعَ الْمَفْرُوضَةَ لَا تَخْتَصُّ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ.)

بالنظر إلى النص والتعليق من هذه الزاوية نرى أن منهج شيخنا محمد الفاضل التقاء يلتقي مع ما قرّره كبار الفقهاء الأصوليين المحققين من أمثال إمام الحرمين الجويني في غياث الأمم، وحجة الإسلام الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين وغيره في باب السياسة الشرعية، ومخالطة السلطان، وحفظ نظام الدين والدنيا، وكما قرره الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات والإمام طاهر بن عاشور والإمام عبد الله بن بيه

فلمن شاء أن يجيل النظر في ضبط الجانب الأصولي، وأولى خطوات النظر الصحيح في الأمر– كما فعل الشيخ ضمنا – هي تحرير محلّ النزاع؛ فالقضية ليست تقرير صحة دين غير المسلم، ولا إلغاء المفاصلة العقدية التي دلّ عليها النص القطعي: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وإنما النزاع محصور في جواز المخالطة والمعاملة السياسية مع سلطة غير مسلمة بقصد تحقيق مصلحة راجحة للدين وأهله في ظل دولة جامعة، ومع مراعاة الضوابط الشرعية.

وهذا الباب من حيث تصنيفه الأصولي من باب السياسة الشرعية والمصالح المرسلة وفقه المآلات، وليس من باب العقائد ولا باب الولاء والبراء بإطلاقه، وإخراج المسألة من هذا الإطار هو أصل الخلل في كثير من الاعتراضات المحتملة.

ثانيًا: الدين طريق، هو مفتاح الرؤية المقاصدية عند الشيخ الخليفة العلامة، فلما قال رضي الله عنه (فهمتُ منه أن الدين هو الطريق) جاد علينا نحن معاشرَ طلبة العلم بمفتاح تصوري عميق؛ إذ عرف الدين بكونه:اعتقاداوعبادة،وسلوكاونظاما تربويا واجتماعيا،ومسارا تاريخيا يحتاج إلى بيئة تحميه ليستمر.

ومن هنا يصبح تدبير العلاقة مع السلطة جزءا من حفظ الطريق، لا خروجا عنه، وهذا عين ما تقرر عند الإمام الغزالي رضي الله أن انتظام الدين متوقف على انتظام الدنيا، وأن الدنيا من حيث هي أمن ونظام ومعاش شرط سابق لإقامة العبودية، وأن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، وإن نظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع.

فليس المقصود تعظيم السلطة لذاتها، بل إدراك أن الفوضى والاضطراب أخطر على مقاصد ومصالح الدين والإنسان عاجلا وآجلا من وجود سلطة ناقصة الشروط في النظر الفقهي عند البعض.

ثالثا: تقسيم (طالب الدنيا) و(طالب الآخرة) إنما هو توزيع وظائف فحسب كما قلتم وليس تصنيف قيم.

يقيم الشيخ بناءه على تقسيم معروف في الأدبيات الصوفية، ويوظفه توظيفا وظيفيا مقاصديا لا أخلاقيا تقويميا؛ فطالب الدنيا عنده هو صاحب السياسة وتدبير الشأن العام، ولا بد له من "آلات" أي مؤسسات وقوة وتنظيم، وطالب الآخرة: وهو صاحب المقصد الأعلى، المتمثل في العبادة والتزكية وعمارة الأرض.

وينبغي العلم والتأكيد على أن هذا التقسيم لا يتضمن ذما للسياسة بتاتا ولا تزكية مطلقة لها، بل يقرّ بضرورتها، مع إخضاعها للمقصد الأعلى، ولاشك أن ذلك مستنبط من مدرسة جحة الإسلام الإمام الغزالي التي تميل إلى منع اعتبار السياسة والتدبير غاية مستقلة عن الدين، والداعية إلى جعلها خادمة له.

وعليه فإن شرعية آلات السياسة تُستمد من خضوعها لمقصد العبودية، وهذا هو جوهر الميزان الذي وضعه الشيخ العلامة.

رابعا: فقه الواقع والضرورة صدى لكتاب غياث الأمم في موقف سيدي الشيخ

يُعدّ غياث الأمم للإمام الجويني متضمنا لأبرز النصوص التجديدية من الكتب القديمة الموضحة لحالات اختلال شروط الإمامة، إذ قرّر فيه أن المقصد الأعظم من السلطان هو حفظ بيضة الإسلام، ودفع التظالم، ومنع التهارج، وأن ترك الناس فوضى يفضي إلى ضياع الدين والدنيا معا؛ ولهذا تقررأن ما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن؛ أي أن الردع السلطاني مهمى كان قد يمنع من الفساد ما لا تمنعه الموعظة وحدها.

وكذلك الإمام الشاطبي حين قال ما معناه في غير ما موضع من كتابه الموافقات أن إهمال المصالح في الجملة مفسدة، كما أن رعايتها في الجملة مصلحة.

وفي هذا الإطار نفهم موقف الشيخ محمد الفاضل، فهو لم يمنح السلطة القائمة تزكية عقدية، ولم يذب فيها، لكنه تعامل معها باعتبارها واقعا ذا شوكة يمكن توجيهه لخدمة مصالح الدين، أو على الأقل منع الإضرار به، فجعل من مهمته الوظيفية كمرجع وشيخ مرب ذي شرعية اجتماعية التزاما واضحا متمثلا في حماية الشأن الديني؛ومن هنا جاءت عبارته الفاصلة:

"إن وجدتُه أكن معينا لكم في أمور دينكم، وإلا فلا"

وهي عبارة تختزل منطق الجويني في تحميل أهل العلم مسؤولية توجيه السلطة الواقعية حين يتعذر النموذج المثالي.

خامسا: المخالطة مع المفاصلة (القاعدة الأخلاقية الحاكمة)

يوافق الشيخ محمد الفاضل مع الإمام الجويني والإمام الغزالي و الإمام محمد طاهر بن عاشور في أن الاجتماع الإنساني لا يستقيم إلا بالتعاون، ولو اختلفت العقائد، ما دامت المقاصد العامة محفوظة

أما الإمام الغزالي مع تحذيره الشديد من فتنة السلطة فقد قرر أن مخالطة الظلمة تجوز لغرض مصلحة راجحة؛ كدفع ظلم أو إقامة حق، ويمنع الثناء والتزكية والمداهنة، ويقصر المخالطة في حدها الأدنى على السلام أو ما يحقق المصلحة دون إضاعة الدين.

وهذا بعينه ما التزمه الشيخ محمد من مفاصلة عقدية صريحة، وتجنب التزكية المطلقة، وتعاون مشروط بمصلحة الدين والوطن، واستعداد للانسحاب إن انتفى الشرط، فالمخالطة هنا لاتلبس بالولاء المطلق، لكنها تدبير منضبط، تحفظ للدين استقلاله، وتمنع عنه الاستئصال أو التهميش.

سادسا: حديث (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) فقه المآلات وفصل الفعل عن الفاعل

واستحضار الشيخ لحديث (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) إنما يجري على هذا الأصل الشاطبي الجليل القاضي بأن "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا"، لا ينفك عنه الاجتهاد الرشيد.

من أبرز ما في نص الشيخ وأعمقه أصوليا استدلاله بحديث:(إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) وهذا الاستدلال يُفهم في إطار فقه المآلات؛ إذ يفصل بين:وصف الفاعل، وأثر الفعل ونتيجته على الدين والجماعة.

وقد قرر الإمام الغزالي هذا المعنى في مواضع متعددة حين اعتبر أن العبرة في السياسة ليست بكمال الحاكم، بل بما يترتب على حكمه من أمنٍ وحفظ للنظام، ومنع للفوضى التي هي أشد ضررا على الدين من ظلم حاكم أو نقص صلاحه.

وعليه، فإن الشيخ لا يقرر قاعدة مطلقة، بل يُخضع الاستدلال بشرطين:1 ألا يؤدي التعاون إلى منكرات بينات 2 أن تكون المصلحة المتحققة للدين حقيقية وراجحة.

وهذا ما يؤكد عليه شيخنا العلامة عبد الله بن بيّه من أن الفتوى والاجتهاد لا يُبنيان على مجرد استحضار النص، بل على الموازنة الدقيقة بين المصالح والمفاسد، مع اعتبار المآلات.

سابعا: العلاقة التعاقدية المشروطة الممثلة في الشرعية الوظيفية

نلاحظ من مجموع ما سبق أن الشيخ طبق ما يمكن تسميته شرعية وظيفية، فالسلطة تُقبل بوظيفتها في حفظ النظام وحماية المجال الديني، لا بذاتها ولا بعقيدتها، وهذا يلتقي أيضا مع ما تقرر عند الإمام الجويني من أن السلطان وسيلة لحفظ الجماعة، وعند الإمام الغزالي من كون السلطان شرطا لنظام الدنيا، لا غاية في نفسه.

وهو ما يلتقي تماما مع ما تقررأن السياسة الشرعية مدارها على تحقيق المصلحة العامة، ولو بغير نص جزئي، ما دامت منسجمة مع أصول الشريعة لا مناقضة لها، فالعلاقة هنا ليست تبعية وبعيد كل البعد عن تسييس الدين؛ لكنها في حقيقة الأمر تقييد أخلاقي ومقاصدي لها، وتحويلها من تسلط إلى سلم وخدمة لمصالح الدين والوطن.

ثامنا: الاستقلال الروحي والاقتصادي شرط صدق المفاصلة

إنما صمد هذا المنهج بالاستقلال الواقعي للمؤسسة المريدية تربويا واقتصاديا واجتماعيا؛ كصمام أمان في وجه التحديات المتعددة.

وقد شدد الإمام الغزالي كثيرا ما يفهم منه أن تعفف العلماء عن بعض الأموال شرط لصدق نصحهم، وأن الارتهان المالي يجرّ إلى المداهنة، ومن هنا نفهم كيف أصبح (طالب الآخرة) عند الشيخ ندّا لطالب الدنيا، لا تابعا له.

تاسعا: المآلات الاجتماعية – السلم بدل الصدام

إن الدولة الوطنية أصبحت إطارا ضروريا لتنظيم العيش المشترك، ولا يتعارض ذلك مع هوية المسلم إذا حُفظت المقاصد الكبرى كما يقول العلامة عبد الله بن بيه (الدولة الوطنية في عالمنا الإسلامي باختلاف أشكالها وصورها، هي نظم شرعية لها من المشروعية ما للإمبراطوريات الكبرى التي كانت قائمة في التاريخ بناء على قانون جلب المصالح ودرإ المفاسد).

لايخفى أن مثل هذا الاجتهاد الواقعي المقاصدي مما أنتج أو سهم في نموذج سنغالي لافت في استقرار سياسي مستدام بإذن الله تعالى وقوته، وحفظ المجال الديني والتربوي، وتعايش تعددي دون ذوبان الهوية.

وهذه نتائج تندرج ضمن مقاصد الشريعة الكبرى: حفظ الدين، والنفس، والنظام العام، وتؤكد صواب اختيار فقه المآلات على فقه الاستثارة والمواجهة غير المحسوبة.

خلاصة

إن نصّ شيخنا محمد الفاضل عند قراءته في ضوء فقه الكبار الأصوليين الفقهاء قديما وحديثا الأئمة: الجويني والغزالي والشاطبي وطاهر بن عاشر وعبد الله بن بيه تتجاوز أن تكون وثيقة تاريخية فحسب لتمثل منهاجا اجتهاديا يُعلّمنا كيف تُدار العلاقة بين الدين والسلطة في زمن الدولة الوطنية؛ من غر صدام يُفضي إلى الفوضى، ولا ذوبان يُفضي إلى ضياع الهوية، بل بتدبير مقاصدي حكيم يجعل السياسة خادمة للدين، ويؤكد كون الشيخ مرجعا أخلاقيًا صاحب شرعية اجتماعية يحقق كثيرا من المصالح العاجلة والآجلة.

ونتيجة ذلك ما يؤكد عليه العلامة الشيخ عبد الله بن بيه في غير ما وضع من أولية السلم وأولويته وضرورة دفع الصدام متى أمكن، حفاظًا على الأرواح والدين.

ومما يتبين من اجتهاد الشيخ محمد الفاضل أن المرونة السياسية إذا انضبطت بالأصول بعيدة كل البعد عن النهي الشرعي، بل تعد حكمة شرعية تحفظ بيضة الدين وتبني الإنسان، وتعمر الأوطان، وتمنع عن الأمة شرور الاضطراب قال الإمام القرافي: "ولا تجمد على المسطور في الكتب.. والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين".

الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

جامعة الشيخ أحمد الخديم تحقّق إنجازًا أكاديميًا بارزًا بالحصول على الاعتماد المؤسسي

حقّقت جامعة الشيخ أحمد الخديم بطوبى إنجازًا أكاديميًا نوعيًا بحصولها على الاعتماد المؤسسي (Habilitation institutionnelle) من الهيئة الوطنية لضمان الجودة في التعليم العالي Anaq-Sup، وذلك بعد مرور ثلاث سنوات فقط على افتتاحها، في خطوة تُعد سابقة مميّزة في مسار الجامعات السنغالية الحديثة.

ويُعد هذا الاعتماد اعترافًا رسميًا بجودة التكوين الأكاديمي الذي تقدمه الجامعة، وبسلامة منظومتها البيداغوجية والإدارية، حيث شمل الترخيص واحدًا وعشرين (21) برنامجًا لشهادة الليسانس، إضافة إلى برنامج واحد للماستر، ما يعكس اتساع العرض التكويني وتنوعه واستجابته لمعايير الجودة المعتمدة. فللجامعة أربع كليات ومعهد جامعي : كلية الدراسات الإسلامية والعربية، كلية العلوم والمهن الطبية كلية العلوم الزراعية وتكنولوجيا التغذية، كلية المهن والتكنولوجيا، وأخيرا معهد للغات ومهن الطباعة.

ويأتي هذا التتويج ثمرةً لجهود جماعية متواصلة بذلها مختلف العاملين في المؤسسة، من إدارة وأطر تربوية وأساتذة وطلبة، الذين عملوا بروح المسؤولية والالتزام من أجل الارتقاء بالجامعة إلى مصاف المؤسسات الأكاديمية المعترف بها وطنيًا ودوليا.

ويُنتظر أن يشكّل هذا الإنجاز دفعة قوية لمسار جامعة الشيخ أحمد الخديم، ويعزز مكانتها ضمن منظومة التعليم العالي في السنغال، ويفتح آفاقًا أوسع أمام طلبتها لمتابعة مساراتهم الأكاديمية في ظروف علمية معترف بها رسميًا.

الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

من كرامات الشيخ أحمد بمب رضي الله عنه ... إصدار جديد لدائرة روض الرياحين

"عُرف الشيخ الخديم رضي الله تعالى عنه بكراماته الكثيرة التي تناقلتها الركبان، ورواها ثقات عن ثقات في سياقات مختلفة من حياته، ولكن أبرز هذه الكرامات شدة استقامته رضي الله تعالى عنه على الصراط المستقيم، وتحمله في العبادات ما لا يطيقه إنسان عادي. والشيخ   ينبه في كتاباته على أن نهاية الكرامة هي الاستقامة، كما قال في  مسالك الجنان

       قد أخبروا بأن الاستقامه                     نهاية الصلاح والكرامة

والاستقامة هي الجمع بين أداء الطاعات واجتناب المعاصي، وهي كما قال يحيى بن معاذ على ثلاثة أضرب: استقامة اللسان على كلمة الشهادة، واستقامة الجنان على صدق الإرادة، واستقامة الأركان على الجهد في العبادة وقد قيل :حقيقة الاستقامة لا يطيقها إلا الأنبياء وأكابر الأولياء؛ لأن الاستقامة هي الخروج عن المعهودات، ومفارقة الرسوم والعادات، والقيام في أمر الله بالنوافل والمكتوبات. ويقول الشيخ محمد البشير صاحب المنن : وللاستقامة كمالُها لأنها هي القيام بالواجب كما يجب فيما يجب على الدوام .

وقد كان الشيخ الخديم رضي الله تعالى عنه يتحمَّل من الطاعات ما لا يتصوره عقل بشر من حيث الكثرة والنوعية. يقول العلامة الدكتور محمد بن أحمد مسكه : أما عبادته فكان منقطعا لها طول دهره، وقد عاهد ربه تعالى أن لا ينتقض وضوءه إلا توضأ وصلى نافلة، ولم يكن ينام إلا غرارا، ولم يعرف له قط موضع للنوم (...) وكان ليله ونهاره في الذكر والقراءة وخدمة الأضياف والمريدين، وكان ملازما للوضوء وقد تكون به الجراحات والأمراض الشديدة، فكان يصبر على الوضوء. ويقول :  وأول كرامة أذكرها هنا هي ما حمل عليه نفسه من العبادة الشاقة التي لازمها طيلة حياته، والتي تصدق فيها الكلمة إن مَن خرق العادة في نفسه خرق الله له العوائد، فقد أعان الله تعالى هذا الشيخ على تحمل نمط من العبادة يبدو مستحيلا لأول وهلة، وذكر من ذلك أنه كان ملازما للطهارة (...) ولا يصلي فريضتين بوضوء واحد، بل يجدد وضوءه لكل فرض، وكان لا يصلي صلاة فريضة إلا في الجماعة، وكان لا يفطر من أيام الدهر إلا الفطر والعيد 

والشيخ رضي الله تعالى عنه يقر بنفسه أن من أكبر كراماته ما خصصه الله به من القوة في أداء العبادة في جميع الظروف والأحوال، يقول الشيخ محمد البشير إنه سمع الشيخ يقول  ُ: "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَرَامَاتِ الَّتِي خُصِّصْتُ بِهَا تَقْوِيَةَ اللَّهِ لِي عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي صِحَّتِي وَسَقَمِي، حَتَّى إِنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِيَّ مَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْقِيَامُ وَيَثْقُلُ مِنْهُ النُّهُوضُ ثُمَّ إِذَا سَمِعْتُ الْأَذَانَ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ حَتَّى أُقِيمَ صَلَاتِي فِي الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ إِذَا فَرَغْتُ يُعَاوِدُنِي إِلَى أَنْ يُقَدَّرَ الْبُرْءُ"

وفي هذا السياق  يورد في المنن قصة وقعت في سهوة الماء بموريتانيا ، وهي أن الشيخ رضي الله تعالى عنهأَصَابَهُ مَرَضٌ شَدِيدٌ دَامَ مَعَهُ أَيَّامًا كَثِيرَةً نَحْوَ شَهْرٍ، وَلَمْ يَحْبِسْهُ يَوْمًا عَنِ الْإِمَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى أَنْ أَجْحَفَ بِهِ غَايَةً. فَجَمَعَ الْقَوْمَ خَارِجَ بَيْتِهِ تِلْمِيذُهُ الْفَاضِلُ الْمُحِبُّ لِأَهْلِ اللَّهِ النَّاصِحُ لَهُ وَلِمُرِيدِيهِ أَوَّلًا وَآخِرًا  مُخْتَارْ بِنْدَ جِنْكْ  MAKHTAR PENDA DIENG رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَاسِعَةً، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّ الشَّيْخَ أَجْحَفَ بِهِ الْمَرَضُ وَإِنِّي صِرْتُ أَخَافُ عَلَيْهِ، وَمَعَ هَذَا الْإِجْحَافِ لَا يَصْبِرُ بَعْدَ سَمْعِ الْأَذَانِ عَنِ الْحُضُورِ. وَهُوَ كَمَا تَرَوْنَ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ. فَأُرِيدُ مِنَ الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَخْفِضَ صَوْتَهُ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ سِيد بْن عَبْدِ اللَّهِ هَذَا. فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الصَّلَاةِ يُخْبَرُ بِالْوَقْتِ وَبِأَنَّ الْجَمَاعَةَ صَلَّوْا لِئَلَّا يَتَكَلَّفَ الْحُضُورَ". فَصَارُوا إِلَى قَوْلِهِ وَرَأْيِه

وهكذا كانت أكبر الكرامات عند الشيخ رضي الله تعالى عنه بشهادة مريديه وشهادته هو دوامه على الاستقامة وتقوية الله تعالى له على العبادات في صحته وسقمه، ولذلك كان يقول لمن معه : لا تُكلِّفوا أنفسكم بمثل ما أكلف به نفسي من ترك الرخص والتمسك بالعزائم

                                                      من كتاب "من كرامات الشيخ أحمد بمب رضي الله عنه 

ندوة علمية بأبيدجان تسلط الضوء على المريدية بين التصور العام والمعرفة الأصيلة

احتضنت منطقة كوكودي بأبيدجان يومي 13 و14 يونيو 2026 ندوة علمية حول الطريقة المريدية، نظمتها دائرة خدمة الخديم تحت عنوان: «المريدية بين التصو...