السبت، 20 مايو 2023

نظرة تحليلية على الخطاب الجامع لسماحة الخليفة العام للطريقة المريدية مولانا الشيخ محمد المنتقى امباكي بمناسبة عيد الفطر المبارك 1444هـ

 

بمناسبة عيد الفطر ألقى شيخنا محمدٌ المنتقى امباكي الخليفةُ العام للطريقة المريدية خطاباً جامعاً ووجيزاً (15 دقيقة)، ومليئا بمعانٍ سامية لا تحصى، وفوائد جليلة لا تعد ولا تستقصى. وهو خطاب يفتح آفاقاً واسعةً أمام وحدةِ المسلمين في هذا البلد، ويضعُ أسساً متينةً لترسيخ السلام والوئام فيه، وهو خطابٌ منهجي يُحدد الأسسَ والمبادئ، ويبين الشروط، ويضع النقاط فوق الحروف، خطاب متسمٌ بالصراحةِ والصدقِ، ولكنَّه مفعمٌ بروح الأخُوَّة، ومشاعرِ العطف على المسلمين، والحرصِ على مستقبل هذا البلد وتماسكِ مجتمعِه. ويتضمَّنُ توجيهاتٍ، ووقفةً مهمةً حول العلاقات بين المسلمين في البلاد ودعوةً إلى الوحدة باعتبارها شرطا لتحقيق السلام.

1.            التوجيهات

في مستهلّ الخطاب بعد عبارات الشكر الموجهة إلى إخوته ومريديه وإلى سائر المسلمين جدَّد الشيخُ الخليفةُ -حفظه الله تعالى ورعاه- توجيهاتِه وإرشاداتِه التي ما زال يُردِّدها في كل مناسبة، وتتمثل في:

أ‌-  الأخذ بتعاليم الإسلام والتمسك بها قدر المستطاع؛

ب‌-  الالتزام بما تقتضيه «الإرادة الصادقة» من واجبات وحقوق؛

    ج- التخلق بمكارم الأخلاق في معاملاتنا، وتجنب الأخلاق السيئة.

 يقول في مستهل الخطاب: «فلن نطيل الكلام؛ لأنّ ما أقوله يكون تكرارا لما سبق أنْ قلتُه: وهو أن نجتهد أكثر في مراعاة تعاليم ديننا وفي العناية بها، ونجتهد أيضا في مراعاة مقتضى «إرادتنا» وفي تحسينها، وأن نجتهد كذلك في علاقاتنا فيما بيننا، وفي التحلي بمكارم الأخلاق في معاملاتنا، وهي الأخلاق الحميدة الجميلة، وأن نحرص على مكافحة أضداد هذه الأخلاق الحميدة الموجودة فينا، ونضاعف جهودنا في تطبيق هذه الأخلاق في تعاملنا، من حيث الاحترامُ المتبادلُ، ونيةُ الخير، والتضامنُ؛ ابتغاء لمرضاة الله تعالى».

2.            وقفة حول العلاقة بين زعماء الإسلام و«الطريقة المريدية»

وقف الشيخُ الخليفة -حفظه الله تعالى ورعاه- في خطابه وقفةً مهمة وفريدةً من نوعها حولَ الأخوةِ الإسلاميةِ بين مسلمي البلد، وقفةً وضَّح فيها الأساسَ الذي تنبني عليها علاقاتٌ سليمةٌ من شأنها أن تُفضيَ إلى الوحدةِ وإلى السلام وهو: الاعترافُ بـ«الآخَر» والتقديرُ لمكانته.

فقد شكر سماحةُ الخليفة -حفظه الله ورعاه- المسلمينَ الذين هم إخوةٌ في الدين وفي النسب، وجيرانٌ في الوطن، وعلى رأسهم القيادات الدينية، شكرهم على جهودهم في مهمة خدمة الإسلام، وهي مهمة مشتركة. ثم نوَّه بالمجبة الصادقة التي يكنها عمومهم لجناب مولانا شيخنا أحمدَ الخديم رضي الله تعالى عنه، وما ينمِّه ذلك من موقف تقديرٍ لمكانة الشيخ الخديم ودوره رضي الله تعالى عنه مع إعطاء جنابِه حقَّه. يقول -حفظه الله تعالى-: «إنّ لدينا معرفةً واضحةً بشيءٍ يهمُّنا كثيراً وهو موقف إخواننا المسلمين الذين يعيشون معنا في هذا البلد تجاه الشيخ الخديم -رضي الله تعالى عنه-، الذي نضعه نحن نصبَ أعيننا؛ فعندنا علمُ اليقين بأنهم يُوفونه حقه، ومن أعطاك حقك فقد برئت ذمّتُه نحوك!».

 وهذا المبدأ المتمثل في الاعتراف والتقدير المتبادل أساس وشرط لا يمكن بناء علاقة متينة وسليمة بدونه.

وبيَّن سماحة الخليفة -حفظه الله تعالى ورعاه- أيضا أنّ لهذا الاعتراف ما يبرِّرُه من سلوك الشيخ الخديم نفسه رضي الله تعالى عنه، وفقاً لقاعدة "الجزاء من جنس العمل؛ فاسمه الحقيقي هو «العبد الخديم»؛ فهو إذاً عبد الله -تعالى- وخديم رسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، ولم يزل يدور في فلكي «العبودية» لله و«الخدمة» لرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم. يقول: « هذا، وكان الشيخ، ولله الحمد والشكر، قد هيَّأ لنا كلَّ شيء، فاسمُه الحقيقي «العبد الخديم»، عبدٌ لله وخديمٌ لرسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، فهو لا يكون سوى «عبد الله»؛ وأما علاقته بالرسول -صلى الله تعالى عليه وسلم-، فهو «خديم له» بإذن من ربه، فهو لم يفارق قط هذه المنزلة بين عبادة الله تعالى وخدمة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم».

ولكن الخليفة -حفظه الله تعالى وأعلا مجده-، من ناحية أخرى، ذكر وأكَّد الموقفَ المطلوب من المريدين، استجابةً لذلك الموقف الإيجابي من إخوانهم، وهو الاقتداءُ بمولانا الشيخ الخديم -رضي الله تعالى عنه- في لزوم العبادة لله تعالى وخدمة المسلمين، وتحسين علاقاتهم معهم، فقال : «وإذا كان إخوتنا الذين تجمعنا بهم روابط النسب والدين والوطن يعرفون الشيخ الخديم [رضي الله تعالى عنه] ويعطونه حقَّه قدر َاستطاعتهم   -ولا نشك فيه- فجزاء ذلك أن نقوم نحنُ بواجبنا، فنتمسك بعبادة الله تعالى كما يريدها منا، ويريدها الشيخ لنا، ونلتزم التزاما تامًّا بخدمته في الإسلام، وذلك بخدمته في المسلمين، وهكذا تكون استجابتُنا لإخوتنا المسلمين، وخاصة لزعماء الإسلام الذين يشاطروننا المهمة».

3.            الدعوة إلى السلام وبيان شروطه

وقف الشيخ الخليفةُ -حفظه الله تعالى ورعاه- في خطابه على نقطة مهمة، وهي دعوة زعماء الإسلام إلى السعي لترسيخ السلام ليس في السنغال فحسب، بل في العالم كله، مع بيان شروطه التي منها:

·   الصدق في التَدَيُّنِ والتوجه إلى الله تعالى، وهو أساسُ أي تعاملٍ سليمِ بين المسلمين؛

·   وحدةُ الصف، ويقوم على وحدة الأهداف وتوحيد الجهود؛

·   التفاهم، ويتطلب التعارفَ والتواصلَ والتشاور؛

·   إخلاص النية في طلب مرضاة الله تعالى.

فإذا تحققت هذه الشروطُ يتحقق «السلام» الذي يَنشُده العالمُ ولا يعرف كيف ولا أين يجده. يقول في الخطاب: «فلنضاعف الجهود في مهمتنا المشترَكة، وليكن همُّنا أن يكون إسلامُنا صادقا فينا، فإذا كنَّا صادقين في إسلامنا، وكنَّا متحدين ومتفاهمين، سيحِل السلام الذي ننشده لا في البلاد فحسب، بل في العالم كله!».

فإن اجتهد الزعماء الذين قدَّمهم اللهُ -تعالى- وجعلهم قادة دينيين، وكان الإسلام صادقا فيهم واتحدوا وكانوا مسلمين حقيقيين، وطالبين لمرضاة الله؛ فإن ما يبحث عنه العالم ولا يستطيع أن يجده -وهو «السلام»- سيكون متحققا كما نريده.

وهذه النظرةُ من مولانا الشيخ محمد المنتقى تَنِمُّ عن رؤيته البعيدة التي تتجاوز حدود البلد لترنو إلى آفاق رحبة تشمل العالم بأسره، وذلك باعتباره شيخا للمسلمين ومجددا لطريق القوم!

إنَّ هذه الدعوةَ إلى «السلام» ليست وليدةَ اللحظة، فهي دعوةٌ أصيلةٌ وصادقةٌ،  تمتدُّ جذورُها إلى الشيخ الخديم -رضي الله تعالى عنه- صاحب المنهج السلمي[1]، فقد قدَّمَ نموذجاً في الدعوة السلمية والجهاد السلمي، ويمكن للعالم أن يستلهم هذا النموذج:  واجه الشيخ أحمد الخديم رضي الله تعالى عنه في حقيقة الأمر عدواً قوياً لدوداً سامَهُ ما لا يوصف من أنواع الظلم والتعذيب، ولكنه تحمَّل وصبر لوجه الله -تعالى- مُصمِّماً على إنجاز مهمته، وبعون الله -تعالى-، نجح في رفع راية الإسلام خفاقةً في هذه المنطقة، وهذا هو فحوى قول الشيخ محمد المنتقى «وإذا صدر منا هذا الكلامُ يمكن أنْ يصدقه الجميع نظراً لمواقف الشيخ الخديم [رضي الله تعالى عنه] في نشر السلام؛ فمن تأمَّل في أمره ورأى العدو القوي الذي واجهه حين ظهر، وعامله لعدة سنوات أشد أنواع المعاملة قساوةً وألماً، فتحمل وصبر لوجه الله تعالى، ولم ير سواه، وخدَم الإسلام خدمتَه الجليلة، حتى وصل إلى ما وصل إليه، ولم تُرق قطرة دم، فمن نظر في هذا الأمر يوافقنا إذا دعونا إلى سلام».

 ويختتم مولانا الشيخ الخليفة -حفظه الله تعالى ورعاه- خطابه بتمثيل جميل يُظهر حرصه على توثيق روابط الأخوة الدينية والطينية بين المسلمين وعلى حسن تجاوبه مع موقفهم الإيجابي تجاه الشيخ الخديم -رضي الله تعالى عنه- في قوله: «فهم مدُّوا إلينا يدًا، ونحن نمد إليهم يديْن!» تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا﴾ [النساء: 85].

وفي النهاية، يمكن القولُ إنَّ هذا الخطابَ كثيف المبنى ورحب المعنى؛ فهو على وجازته لفظاً، يحتوي على أسُس السعادة الدنيوية والأخروية، وشروطِ تحقيق الأخوَّة الإسلامية التي تعتبر سلُّماً للوصول إلى «السلام» الراسخ الشامل، وهو خطابٌ يَدعو إلى التفاؤُل بمستقبلٍ مُشرق للإسلام في هذه المنطقة؛ لأنها أساسٌ للوحدةِ والتفاهُمِ والتضامنِ بين المسلمين.

حفظ الله تعالى شيخنا الخليفة وأبقاه ذخراً للإسلام والمسلمين وجزاه عنا خير الجزاء.

                                                      سام بوسو عبد الرحمن

                                                                                                        طوبى بتاريخ  7 شوال 1444هـ (28 أبريل 2023م)

ملاحظة : يمكن تحميل نص الخطاب من هنا 


[1] فالشيخ الخديم رضي الله تعالى عنه اختار منهجا سلميا في جهاده لرفع كلمة الله تعالى، فقد دعا الله سبحانه وتعالى أن يجدد به سبيل الهدى بدون ألم في قوله: "وبِيَ جدِّدِ السبيل بلا عدى أو ألمِ"

وصرح بأن وسائله في الجهاد هي العلوم والتقوى يقول رضي الله تعالى عنه :

"إني أجاهد بالعلوم وبالتقى عبدا خديما والمهيمن شاهد

فقد كرس حياته لخدمة الرسول صلى الله عليه في التعليم والتأليف والتربية، وتعرض لأشد أنواع الابتلاء على أيدي المحتلين الفرنسيين، فصبر وعفا، ويقول بعد أن أُخرجَ من بلده لأكثر من سبع سنوات :

عفوت عن الأعداء طرا لوجه من                         نفاهم لغيري سرمدا لست أدفع

الخميس، 30 مارس 2023

افتتاح مجمع الشيخ أحمد الخديم ... دلالات وآفاق


في الثالث عشر من شهر مارس ٢٠٢٣م عُقدت الجلسة الافتتاحية لقسم التمريض والقبالة بالمعهد العالي للعلوم والمهن الصحية التابع لمجمع الشيخ أحمد الخديم بطوبى، وبذلك اكتملت فروع المجمع التي تنطلق في هذه السنة؛ وهي المعهد القرآني، والمجالس التعليمية ( المحظرة ) وكلية الدراسات الإسلامية والعربية،  وقسم التمريض والقبالة
.

وهكذا بدا مشروع الشيخ محمد المنتقى التربوي العملاق يتجسد عمليا من الناحية الأكاديمية، بعد اكتمال الجزء الأكبر  من المرافقفمنذ أربع سنوات، انطلقت اللجان الفنية بقيادة الشيخ احمد البدوي بن الشيخ محمد الفاضل لبلورة المنهاج التعليمي والتكويني المبني على الرؤية التربوية للشيخ الخديم وهي رؤية قائمة على ثلاثية «العلم النافع والعمل الصالح والادب المرضي».

 

 وفي زمن قياسي وبفضل الهمم الرفيعة لعلماء الطريقة وخبرائها ومربيها تمَّ بناء المناهج، وفي الوقت نفسه سارت على هذه الوتيرة عملية تشييد المباني وتجهيزها.

وفي الخامس عشر من رجب ١٤٤٤ه الموافق للسادس من شهر فبرائر ٢٠٢٣م، حضر الشيخ الخليفة بنفسه في المجمع  ليبارك افتتاحه.  

الشيخ محمد المنتقى حين يعلن قيام هذا المشروع وضَّح رؤيته وغايته التي كان يرنو إليها: تحقيق أمنية الشيخ في أن تكون مدينة طوبى مدينة علمية وقبلة يؤمها طلبة العلم من كل صوب، مدينة تقود النهضة العلمية والثقافية للبلاد وللأمة جمعاء

 

وفي افتتاح المجمع دلالات ورموز ومعان عميقة، فحين كان الشيخ يباشر إلقاء الدرس الاول للأطفال استخدم لوحة كان الشيخ الخديم نفسه استخدمها لتلقين الدرس الاول من القرآن الكريم لأحد مريديه وهو الشيخ محمد لوح ابن الشيخ مختار بنت لوح ولقن الاطفال البسملة، وفي ذلك إشارة الى كون هذا المدرسة امتدادا للمدرسة الخديمية التي ذكرها في قوله:

 بالمصطفى لي بنى القدور مدرسة                بها يزول الأذى والجهل والكبد

 

وفي الجلسة الافتتاحية للمجلس التعليمي باشر الشيخُ الحاجّ امباكي جخت عميد معهد دار المعارف تلقين الدرس الاول من كتاب "تزود الصغار " للأطفال حفظة القرآن الكريم. ودار المعارف مجلس تعليمي أسسه الشيخ محمد الفاضل في المسجد الجامع تنفيذا لإرادة الشيخ الخديم، وقد أكد في كلمته أن محظرة المجمع امتداد لدار المعارف، فكان في ذلك دلالةٌ أخرى على تمدُّد تلك الشعلة المباركة من المسجد الجامع إلى مجمع الشيخ أحمد الخديم. 

فهذه الاشارات تؤكد الدور المحوري الذي سينهض به هذا المجمع التربوي في تحقيق طفرة علمية مباركة شاملة، إلى جانب دور المؤسسات التربوية التي أقامها رواد التربية الحديثة في الطريقة المريدية، وفي مقدمتهم المجاهد الأكبر الشيخ محمد المرتضي ابن الشيخ الخديم، والشيخ أحمد امباكي ابن الشيخ محمد المصطفى رضي الله تعالى عنهم. فهذه المؤسسات التربوية بالإضافة إلى المجالس التعليمية التقليدية العريقة أسهمت بشكل كبير في الحفاظ على التربية الإسلامية ونشرها في البلاد حتى قام المجمع، باعتباره مؤسسة تابعة للخلافة المريدية، ليصبح دعامة التطور العلمي في السنغال وفي إفريقيا كلها. 

 

والنظام التربوي المبني على ضوء الرؤية الشيخ الخديم وتوجيهات خليفته يقوم على الجمع بين التربية الدينية والتكوين الأكاديمي والمهني وإزالة الحواجز اللغوية والثقافية التي تعوق التفاعل الحيوي المثمر بين قوى المجتمع الإسلامي في إنجاز المشاريع الكبيرة وضمان تنمية المجتمع وتقدمه

 

وانطلاق هذا المجمع، في حقيقة الأمر، يفتح آفاقا واسعة للمنطقة من الناحية العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية فالمجمع سيكون كعبة علمية ومركز إشعاع ثقافي في طوبى وسيخلق دافعا قويا على البحث العلمي كما أنه سيسهم في إحياء وحفظ ونشر التراث العلمي والادبي للشعب السنغالي عموما وللمريدية خصوصا.

 ومن الناحية الاقتصادية تمثل عملية التكوين عصب التنمية، لأن من شروطها توافر موارد بشرية ذات كفاءة مهنية، وتقنية عالية.

 ومن الناحية الاجتماعية تعد التربية الدينية الصحيحة ركيزة الحياة الاجتماعية السليمة وهي التي تضمن للمجمع التماسك والانسجام.

 

فالمجمع، في نهاية المطاف، يعزز الآمال في تقدم علمي نوعي في طوبى، وفي البلاد عموما، هذا التقدم الذي سوف يرفع المدينة المحروسة إلى مصاف المدن العلمية العريقة المشهورة في تاريخ الحضارة الإسلامية مثل المدينة المنورة، والكوفة، والبصرة وغيرها من المدن الإسلامية كما ذكره شيخنا المنتقى حين كان يعلن هذا المشروع.  

 

الاثنين، 27 فبراير 2023

مجمع الشيخ أحمد الخديم للتربية والتكوين ... ماذا بعد الافتتاح؟

 

في الخامس عشر من شهر رجب الفرد سنة ١٤٤٤هـ الموافق للسادس من شهر فبراير ٢٠٢٣م، شهدت مدينة طوبى حدثا تاريخيا عظيما، وهو افتتاح مجمع الشيخ أحمد الخديم للتربية والتكوين على يد سماحة الخليفة العام للطريقة المريدية الشيخ محمد المنتقى، بحضور جمع غفير من شيوخ الطريقة المريدية ومن السلطات الحكومية وفي مقدمتها رئيس جمهورية السنغال، ومن أعضاء السلك الديبلوماسي المعتمد في البلاد، وممثلي الطرق الصوفية والمنظمات الإسلامية. 

كان هذا المشروع التربوي الكبير أول مباردة قام بها  الشيخ محمد المنتقى بعد وصوله إلى خلافة الطريقة المريدية، بهدف تحقيق رغبة الشيخ أحمد الخديم مؤسس الطريقة في إنشاء مدرسة في طوبى تكون قبلة لطلبة العلوم الشرعية واللغوية وغيرها من العلوم النافعة.


وقد تطور المشروع بشكل سريع بفضل عزيمة الشيخ الخليفة وعنايته الفائقة به وبفضل استجابة جميع المريدين ومسارعتهم إلى الإسهام في تحقيقه، وفي خلال أربع سنوات تـمَّ ّإنجاز  أكثر من ثمانين بالمائة من أعمال المشروع وأصبحت بداية الدراسة فيها أمرا ممكنا.


ويدخل هذا الصرح العلمي في عداد المشاريع الكبيرة التي أنجزها المريدون بقيادة زعامتهم ابتداء من تشييد المسجد الجامع في جوربل في عهد الشيخ الخديم رضي الله تعالى عنه، ومسجد طوبى الكبير  إلى بناء مسجد مسالك الجنان في العصمة دكار مرورا بمدّ السكة الحديدية من جوربل إلى طوبى وإنشاء مزارع خلكوم الواسعة. ولكن طبيعة هذا المشروع التربوي تختلف عن طبيعة المشاريع الأخرى التي كان التحدي الأكبر فيها يتمثل في إنجاز المرافق، فهذا الأخير مؤسسة يتطلب تسييرها جهوداً تفوق جهود  بناء مرافقها.


ومن هنا يكون التحدي الماثل أمامنا الآن -كما تجلّى في خطاب شيخنا محمد المنتقى حفظه الله تعالى في يوم الافتتاح- هو حشد جميع الإمكانيات والكفاءات والخبرات الجاهزة التي تزخر بها المريدية  لتوفير  ما يلزم من الموارد البشرية، والوسائل المادية، والتنظيم المحكم، والأفكار النيرة، من أجل تحقيق غايات هذا المجمع، وهي غايات مستمدة من منهج الشيخ الخديم وفكره، وفي تحققها مصلحة للأمة الإسلامية وللبشرية جمعاء.

الاثنين، 2 يناير 2023

العالم الأديب الشيخ الحاج محمد المحمود انيانغ ينتقل إلى جوار الله تعالى

استيقظت مدينة طوبى صباح اليوم على نعي أحد قاماتها الفكرية، ومشايخها العظماء، الكاتب والأديب، العلامة الشيخ محمد 
المحمود انيانغ ابن الشيخ عافية انيانغ أخي الشيخ محمد الفاضل من جهة أمه.

يُعتبر الحاج محمد المحمود من أبرز العلماء الصالحين المثقفين الذين كرسوا حياتهم لخدمة الحضرة الخديمية، وسخروا أقلامهم لنشر فكر الشيخ الخديم ومنهجه القويم؛ فقد عاش قرابة قرن من الزمن أمضاه في العلم والعبادة والخدمة. فبعد تبحره في العلوم الشرعية واللغوية، كتب العديد من المقالات المنشورة، وألف في سيرة الشيخ كتابا قيما سماه النهج القويم في سيرة الشيخ الخديم. وقد وظّف أيضا مقدرته الأدبية في تخليد مآثر أبناء الشيخ الخديم الكرام البررة بقصائد فائقة الجمال والروعة.

ولد عمُّنا الفقيد قبل حوالي عشرة أشهر من انتقال الشيخ الأكبر إلى جوار ربه، أي في منتصف ربيع الآخر سنة ١٣٤٥هـ (أكتوبر ١٩٢٥م) في طوبى، فحظي بشرف عظيم، وهو أن الشيخ الخديم نفسه سمَّاه باسم "محمد المحمود " وكتب هذا الاسم بيده الشريفة، وقد سرت بركة هذه التسمية على حياته الحافلة.

كان الشيخ محمد المحمود من أصحاب الهمم العالية والإرادة الصادقة، الغرقين في محبة شيخنا أحمد الخديم رضي الله تعالى عنه، كان مشهورا بأخلاقه الحميدة ومعاملته الحسنة. كان شيخا اجتماعا يتسم بالدماثة والتواضع والحلم.

والشيخ انتصب لأمانة سر عدد من خلفاء المريدية، وهم الشيخ محمد الفاضل والشيخ عبد الأحد والشيخ عبد القادر رضوان الله تعالى عليهم، وبفضل ثقافته الواسعة وتمكنه من لغة الضاد وحنكته الدبلوماسية، قام بدور همزة وصل بين الخلافة المريدية والعالم الخارجي لعقود من الزمن، بذل خلالها جهدا كبيرا في تعزيز علاقاتها مع العالم العربي والإسلامي.

وبرحيل عمنا الحاج محمد المحمود انيانغ فقد المريدون والمثقفون عموما اليوم ركنا ركينا من أركان الثقافة والأدب والتاريخ المريدي، رحمه الله تعالى ورضي عنه وتقبل خدمته وبارك في أهله، وسدد خطاهم لمواصلة مسيرته المباركة.

د. سام بوسو عبد الرح

السبت، 3 ديسمبر 2022

رحلتي إلى بورتو نوفو (من مملكة داومي سابقا) إحدى محطات الشيخ الخديم في طريقه إلى الغابون

بحمد الله تعالى وصلتُ صباح الأمس (٢ ديسمبر ٢٠٢٢م) إلى بورتونوفو Porto Novo عاصمة بينين (مملكة داومي سابقا) بمناسبة الأيام الثقافية التي تنظمها الجالية المريدية في هذه المدينة منذ عشرين سنة، تخليداً لذكرى مرور الشيخ أحمد الخديم رضي الله تعالى عنه بها في رحلته إلى الغابون أثناء غيبته البحرية سنة ١٣١٣هجرية (١٨٩٥ميلادية).

ففي العاشر من ربيع الثاني ١٣١٣هـ الموافق للتاسع والعشرين من سبتمبر ١٨٩٥م رست في ميناء داومي السفينةُ التي كانت تقل الشيخ، بعد أن غادرت دكار يوم السبت الثاني من ربيع الثاني ١٣١٣هـ (٢١ سبتمبر ١٨٩٥م)[1]. وقد نقل صاحب "إرواء النديم" عن الشيخ كرامة أكرمه الله بها في داومي، وهي أنه رضي الله عنه أخذَ حقةً من المسك كانت عنده، ليرش بها ثيابه وكُتبه، فهتف به هاتف قائلا له : ألقِها في البحر، فلم يتردد، بل ألقاها، يقول رضي الله تعالى عنه: "فلما رست السفينة، دخل جمعٌ من إخواننا المسلمين، سمعوا بي، ليسلّموا عليَّ، فكل من سلَّم عليَّ دفع لي حقةً من المسك كلا أو جلا". وفيه يقول:

دعاني الرحيمُ عند داوُمِ له بما أغنى عن التساوم[2]

كان الشيخ في هذه المنطقة النائية وحيداً غريباً بين أعدائه، لا يستأنس إلا بالله وبالقرآن الكريم متوجهاً إلى مكان لا ناقة له فيه ولا جمل، ولم يكن له ذنب سوى سعيه لإعلاء كلمة الله وتجديد دينه وإصلاح مجتمعه، فأبى المحتل الفرنسي إلا أن يحول دون مبتغاه، فقرر إخراجه من بين أهله ومريديه، ولكنه رضي الله عنه وثِق بربه سبحانه وتعالى، وتوكَّل عليه، وتحلَّى بالصبر الجميل، وتحمّل الوحشة والغربة والطقس القاسي والبيئة المخيفة بمشاعر الشكر والرضى، لأنه كان يرى دائما نعمةً في طي النقمة.

ومما يدعو إلى العجب أن الشيخ حينما يذكر هذه الأماكن إنما يذكرها غالبا في مقام الرضى والشكر والتحدث عن نعم ربه عليه، وقد أشار في عدد من أبياته إلى بعض ما منَّ الله عليه في داوُم، ومنها:

أكرمني الأكرمُ عند داوُمِ بما به غنيتُ عن تساوم
**
ملَّكني الملك عند داوُم ما قد كفانيَ عِدى التساوم 
**
أغناني المغني عن التساوم به وبالمختار عند داوُم

ومن يتأمل في مسيرة الشيخ وغربته بالأمس وكيف صار أمره اليوم، حين يجتمع مريدوه في بورتو نوفو لتخليد ذكرى مروره بها، وهم يقرأون القرآن الكريم وينشدون قصائده مبتهجين وشاكرين الله تعالى على نعمه الوافرة، أمام جمع من مواطنيها، من بينهم بعض أمرائهم وأئمتهم، فلا بد أنه سيزداد إيماناً ويقيناً بوعد الله تعالى في قوله "وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين"، فقد نصر الله تعالى عبده الخديم كما نصر دعوته، ورفع شأنه، فتحوّل محلُّ غربته إلى محل يُحيِي فيه مريدوه ذكراه سنويا.

وقد لفت نظري بالأمس وأنا أدخل مدينة بورتو نوفو أن بلديةَ المدنية زيَّنت مدخلها الرئيس والشارع المتوجه إلى مكان الحفل بأعلام السنغال، وهي ترفرف على الأعمدة المتراصَّة في وسط الطريق مشيرةً إلى البُعد الوطني لشخصية الشيخ الخديم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وإلى أن سيرته جزء من تاريخ البلاد.

ولذلك يمكن القول: إن الشيخ الخديم في الوقت نفسه فخر ٌللإسلام، ورمزٌ للوطن، ومثال للإنسانية؛ وقد حان لإفريقيا – وللعالم الإسلامي - أن تكتشف منهجه ويستلهمَه من أجل تعزيز استقلالها وتسليح أبنائها بقيم التضحية، والتفاني، والجدية. 

وفي هذا المنظور تكون مسؤوليةُ المريدين في تجسيد هذا المنهج ونشره مسؤوليةً جسيمةً، وخاصة في ظل قيادة الخليفة الحالي سماحة الشيخ محمد المنتقى – حفظه الله تعالى - صاحب الرؤية البعيدة والهمَّة العالية الذي ينوي الخير للبشرية جمعاء، ويحرصُ على توصيل رسالة الشيخ إلى العالم أجمع، ولا يدَّخر جهداً في سبيل تحقيق هذه الغاية.


                                                                 د. سام بوسو عبد الرحمن 

                                                                                                بورتو نوفو ٣ سبتمبر ٢٠٢٢م



[1]  وفقا لتحقيقات مجموعة سوْ سِوِ امبور   Sew sewi mboor (مجموعة مخصصة لدراسة تاريخ المريدية ومؤسسها)

الجمعة، 28 أكتوبر 2022

طوبى تياكنم تدشن المدرسة القرآنية الأولى من مدارسها "العُمومية"

أقامت منظمة طوبى تياكَنَمْ مشروعاً تربوياً يُعتبر من أهم مشاريعها الجديدة، وهو بناء مدارس قرآنية نموذجية "عمومية" في أحياء طوبى، وقد دشنت يوم السبت ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٢م أول مدرسة قرآنية أنشئت ضمن هذا البرنامج القيم. وهذا المشروعُ يتَّسم بأهمية قصوى، وخاصة في مدينة مثل طوبى، لأنها تُعدُّ مدينةً قرآنية، بالنظر إلى رغبة مؤسّسها الشيخ أحمد الخديم رضي الله تعالى عنه، ولاهتمام سكّانها بحفظ القرآن الكريم، ولما فيها من عدد لا يُحصى من المدارس القرآنية، فحسب دراسة أُجريت مؤخراً بلغ عددُ المدارس القرآنية في طوبى ١٥٢٤ مدرسةً، وعددُ المتعلمين فيها ١٢٧,٨٢٢ متعلما[1].

ولكن، مع هذا العدد الكبير لم يعد الحصولُ على تعليم قرآني جيدٍ في متناولِ الجميع، لأن هذه المدارسَ على كثرتها تنقسم إلى نوعين: نوعٌ يكون التعليُم فيه مجانيا لا يدفع أولياءُ تلاميذه مقابلا مادّيا، ونوع آخر يُقدم خدماتِه مقابلَ رسوم شهرية، وأغلبُه مدارس داخلية، تكون الرسوم الدراسية فيها أحيانا مرتفعةً نظراً لثقل التكاليف المتعلقة بتسييرها. 

فظروفُ الحياةِ والدراسةِ في النوع الأول لا تكونُ غالبا مناسبةً، وقد يلجأ الأطفال فيها إلى التسوّل، وربما يؤثر هذا الوضع سلباً في جودة التعليم فيها. وأما الالتحاق بالنوع الثاني فليس متاحا لعديد من الأسر ذات الدخل المنخفض.

في هذا السياق وضعت طوبى تياكنم هذا المشروع المهمّ الذي يمكن أن يضمن لقاعدة عريضة من أبناء طوبى تعليما قرآنيا يجمع بين الجودة والمجانية، من خلال بناء مدارس قرآنية "عمومية" تقوم بتسييرها وتعيين معلمين فيها. 

إن هذا المشروع يؤكد الرؤية الاستراتيجية لطوبى تياكنم المتمثلة في العناية بالتنمية البشرية بمختلف نواحيها، وخاصة الناحية الصحية والتربوية والبيئية؛ فإلى جانب بناء العيادات والمراكز الصحية، وإضاءة الشوارع، وتعبيد الطرق وتنظيفها، عنيت المنظمةُ بالمجال التربوي، فساهمت في مشروع الشيخ محمد المنتقى التربوي ببناء عمارة تتكون من أربعة طوابق وبتجهيزها بقيمة ٥٦٠ مليون فرنك بالإضافة إلى مساهمة قيمتها ١٠٠ مليون قدمت في بداية المشروع.

عناية طوبى تياكنم بالمدارس القرآنية

وأما اهتمام المنظمة بالتعليم القرآني فقد بدأ منذ ثلاث سنوات بعدد من البرامج المخصصة للمدارس القرآنية ومعلميها، مثل برنامج الترميم وبناء السقيفاتmbaar ودورات المياه، وبرنامج تكوين المعلمين، وبرنامج "وعاء المدرسة ndabul daara"[2]. فقد استفادت من البرنامج الأول ٢١٧ مدرسة، ومن البرنامج الثاني ٨٦٠ معلما للقرآن الكريم، وأما البرنامج الثالث فقد دخل في حيز التنفيذ. وهناك مشاريع مستقبلية قيد الدراسة تخص الجانب الصحي والقانوني في المدارس القرآنية.

واليوم تخطو طوبى تياكنم خطوة جديدة مهمة بإنشاء مدارس قرآنية يمكن أن توصف بأنها "عمومية" لكونها، على غرار المدارس الفرنسية العمومية، ملكاً للأهالي، لا يدفعون رسوما دراسية فيها، ويتقاضى معلموها من المنظمة رواتبهم. 

لا شك أن هذا المشروع سيلقى رضى الشيخ أحمد الخديم (رضي الله تعالى عنه) ورضى خليفته الشيخ محمد المنتقى المعروف بعنايته الشديدة بنهضة التربية والتعليم في مدينة طوبى المحروسة التي أسست لتكون مدينة علم وعمل وأخلاق، كما يتجلى في قصيدة "مطلب الفوزين".

ويظهر أن المشروع مدروس بعناية، فالاسم المختار "دار تَانِّيفْ tanneef" يكشف عن غاية المنظمة المتمثلة في إعداد النشء إعداداً يجعلهم خياراً متميزين، وتحديدُ عدد الأطفال في كل حلقة بخمسة وعشرين يدلُّ على حرصها على جودة العملية التعليمية في هذه المدارس. وعدد التلاميذ في كل مدرسة محددٌ بـ١٠٠ تلميذ (٥٠ من الذكور و٥٠ من الإناث).

وفي الختام يمكن القول: إن منظمة طوبى تياكنم بهذه الرؤية التنموية الإستراتيجية تجسد فلسفة الشيخ الخديم رضي الله تعالى في خدمة المسلمين، ابتغاء لمرضاة الله تعالى، كما أنها تتبنى في عملها مبدأ التخطيط الإستراتيجي الذي ينطلق من دراسة الأوضاع وتشخيصها بحيث يكون تدخلُها مناسبا وملبيا للاحتياجات الحقيقية لمدينة طوبى المحروسة وسكانها.

فقد أن الأوان – في نظري- أن يهبَّ جميعُ فاعلي الخير لنصرتها حتى يتحقق هدفها في تعبئة مليوني فرد يساهم واحد منهم شهريا بـ ١٠٠٠ فرنك إفريقي، لكي تصل إلى الغايات التي تصبو إليها، فالمشاركة في إنجاز مشاريعها استثمار مضمون لا خسارة فيه "يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول لكافر يا ليتني كنت ترابا"[النبإ، ٤٠]. 

                                                         د. سام بوسو عبد الرحمن 



[1] المصدر TCK من دراسة قامت بها مؤسّسة الخدمة khidma بالتعاون مع رابطة المدارس القرآنية في طوبى Résultats de la cartographie géolocalisée des daaras de Touba, www.globalsolidarityinitiative.org)

[2]  في إطار هذا البرنامج تشتري طوبى تياكنم أوعية توزعها على المنازل المجاورة للمدارس القرآنية، بحيث تضع فيها ربة المنزل طعاما مخصصا لأطفال المدرسة المجاورة لها.



مقالات ذات صلة 

"طوبى تيَاكَنَمْ" تعلن انطلاق "كَرْ أَسَكَيِ" أو بيت الزكاة بإذن من الشيخ محمد المنتقى حفظه الله تعالى ورعاه.



الجمعة، 30 سبتمبر 2022

رحيل العالم الرباني الشيخ عبد الرحمن امباكي دار المعطي بعد حياة حافلة في خدمة العلم والدين

استيقظنا صباح اليوم (الخميس ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٢) على خبر ثقيل ومفاجئ غزا مواقعَ التواصل الاجتماعي في وقت مبكر، وهو خبر انتقال الشيخ الجليل العالم الربَّاني الزاهد الورع التقي، بقية السلف الصالح خادم العلم والدين، الشيخ عبد الرحمن امباكي ابن الشيخ عبد القدوس ابن الشيخ إبراهيم فاط، رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه في فسيح جناته.

ما إن وقعت عيني على هذا الخبر المفاجئ حتى بدأتُ أفكر في حياة هذا الشيخ في تواضعه وفي عظمة ما قدَّمه للمسلمين في هذه المنطقة: فقد عاش - رحمه الله تعالى - حياةً حافلةً وثريةً، كلّها عبادةٌ وخدمةٌ للعباد، من تربيةٍ، وتعليم، وكتابةٍ، ودعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة


كان سخاء الشيخ  في علمه يثير الإعجاب، فقد كان يستخدم كلَّ الوسائل العصرية المتاحة لنشر العلم والمعرفة، وتوعية المسلمين باللغة الوُلُفية التي يفهمها أغلب سكان البلد؛ وهكذا، خلَّف رضي الله تعالى عنه مكتبةً صوتيةً قيمةً؛ كان منذ عقود من الزمن يسجِّل في الشرائط دروسَه التي كان يُلقيها على طلبة العلم في حلقته، وشملت تلك الدروس جميع الكتب المدرسية المتداولة في المجالس التعليمية  (المحاظر) في السنغال، من توحيد، وفقه وأصول، وتصوف، وحديث، ولغة، وأدب، وتاريخ، وسيرة ، واعتنى فيما بعدُ بإعادة تسجيل تلك الكتب التعليمية، لما ظهرت وانتشرت أدوات التسجيل الإلكترونية الحديثة الأنقى صوتا، حرصاً منه على زيادة وضوح التسجيلات  وانتشارها.


في الواقع، كان العلامة الشيخ عبد الرحمن رائداً في هذا الميدان، وقد أحدث فيه ثورة حقيقية، وأضفى عليه طابع الديموقراطية: أصبح التاجر يتعلم في دكانه، والفلاح في حقله، والصانع في ورشته، وصارت مضامينُ الكتب الشرعية واللغوية الأساسية المستعملة في مناهجنا التربوية في متناول الجميع. 


كان للشيخ أسلوب متميز يجمع بدقةٍ متناهيةٍ بين ترجمة الألفاظ وشرح المعاني باللغة الوُلُفية بدون تطويل ممل ولا إيجاز مخل، فكان يقيد الشوارد ويبين الغوامض، فانتفع بهذا العمل الجليل مختلف شرائح المجتمع، لا فرق في ذلك بين المتعلمين المثقفين والعمال البسطاء. كل يجد ضالته في تسجيلاته بصرف النظر عن مستواه.


ولحرص الشيخ عبد الرحمن على نفع المسلمين بالذخائر الموجودة في التراث المريدي لم يهمل  دررَ الأمداح النبوية التي حبّرها الشيخ الخديم رضي الله عنه، ووصاياه وحكمه، وكذلك  المراجع الأساسية في سيرته، فقد شرح العديد منها بالولفية.

وإلى جانب هذه الجهود في نشر التراث الإسلامي المريدي، كان الشيخ يهتم بنسخ قصائد الشيخ الخديم رضي الله تعالى عنه ومؤلفاته بخط يده.


ومن ناحية أخرى كان الشيخ عبد الرحمن غيوراً على الإسلام، ومهتما بقضايا المسلمين، وكان يسخّر قلمه لينافح  عن دينه وعن أمة نبيه، وليبرز مواقفه الشجاعة في كل ما يَهُم هذه الأمة. وله إنتاج أدبي ثري يتسم بالتنوع والجمال والعمق (انظر ديوانه هنا).


اشتهر الشيخ عبد الرحمن بمجلسه التعليمي في دار المعطي والذي خرج العديد من العلماء البارزين وبتسجيلاته وكتاباته القيمة، ولكنه كان يقف بجانب الضعفاء والمحتاجين، وخاصة أصحاب المدارس القرآنية، فقد كان يمدُّهم بمساعدات سخية لا يُطلع عليها أحداً.


وهذا غيضٌ من فيض أعمال جليلة قام بها الشيخ عبد الرحمن بصمت، وفي حياة تتصف بالزهد والتقشف والتواضع واللين والرفق واللطافة والصفاء والحلم.

ويمكن القول في النهاية: إنه كان من الرجال الذين إذا رُءوا ذكر الله تعالى، وفي الحديث "ألَا أُنبِّئُكم بخِيارِكم؟ قالوا: بلى يا رسولَ الله! قال: خياركم الذين إذا رءوا ذكر الله عز وجل[1].  

فجزاه الله تعالى عن الاسلام والمسلمين خيراً وألحقه بآبائه ومشايخه الصالحين، وحشره مع الذين أنعم عليهم من النبيئين والصدقين والشهداء والصالحين، وحسن أوليك رفيقا.

                                                                د. سام بوسو عبد الرحمن 

                   تحميل ديوان الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى عنه

               هذا الرابط لصفحة تحتوي على كثير من الكتب التي شرحها بالولوفية

 




[1]  صحيح ابن ماجه: 3/349

جامعة الشيخ أحمد الخديم تحقّق إنجازًا أكاديميًا بارزًا بالحصول على الاعتماد المؤسسي

حقّقت جامعة الشيخ أحمد الخديم بطوبى إنجازًا أكاديميًا نوعيًا بحصولها على الاعتماد المؤسسي (Habilitation institutionnelle) من الهيئة الوطنية ...