الأحد، 28 يونيو 2020

مدارسنا الإسلامية بعد أزمة كورونا

فرضت جائحةُ كورونا واقعاً جديداً على العالم، فقد أصابت أكثرَ من ثمان ملايين من البشر وحاصرت أكثر من مليارين في حجز صحي؛ فاضطرت دول عديدة إلى غلق مدارسها، وتعيَّن على الأنظمة التربوية التعاملُ مع هذه الأوضاع الجديدة. وقد كشف هذه الأومة عن تحديات كبيرة تواجه مدارسنا الإسلامية من الناحية المادية والتربوية .
في واقع الأمر، قطعت المؤسسات التربوية الإسلامية شوطا بعيداً في سبيل ترسيخ منظومة التربية الإسلامية في السنغال، حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من النظام التربوي الرسمي بعد إيجاد الشهادة الثانوية العربية الخاصة بالمدراس العربية الإسلامية سنة ٢٠١٣م.
ولكن أزمة كرونا أظهرت ضعف الإمكانيات المادية لهذه المؤسسات؛ فقد عجزت أغلبها عن توفير الرواتب للعاملين فيها بعد توقف التلاميذ عن دفع الرسوم الدراسية، وكانت تمثل المورد المالي الوحيد لها، لأنها لا تتمتع بأي دعم مالي من الحكومة بسبب فقدانها للاعتراف (reconnaissance)؛ فالرخصة (autorisation) وحدها لا تُخول للمدرسة الخاصة لكي تتمتع بالدعم الحكومي.
وهذه المشكلة تُظهر ضرورةَ سعي مؤسساتنا إلى تصحيح أوضاعها وترقيتها للوصول إلى الاعتراف الحكومي، ليحق لها أن تتمتع بالدعم المالي من الحكومة على غرار أغلب المدارس الخاصة المسيحية، كما تؤكد أيضا أهميةَ عملها على تنويع مصادرها المالية، بإيجاد أنشطة تدر لها أرباحا أو تأسيس أوقاف يمكن أن تستفيد من غلاتها.
ومن الناحية التربوية، حاولت بعض المؤسسات أن تستفيد من الوسائل التكنولوجية الحديثة لضمان استمرارية الدروس بعد غلق المدارس، من خلال نظام التعليم عن بُعد، عبر شبكة الانترنت، وباستخدام تطبيقات مثل (WhatsApp , zoom, youtube ). وذلك، بعد أن أطلقت السلطاتُ التربوية في البلاد مبادرةً سمتها "التعلم في المنزل apprendre à la maison". و لكن هذه المحاولات كشفت عن قصور شديد لهذه المؤسسات في مجال التعليم عن بُعد، من حيث المواردُ البشرية والبيداغوجية والمرافق والتجهيزات.
وهذا القصور يقتضي مزيداً من الاهتمام بهذا المجال، وخاصة بعد ما اتجه العالمُ نحو مزيد من استغلال الوسائل التكنولوجية في ميدان التربية لتكون جزءاً من العملية التعليمية التعلُّمية في جميع مستويات الدراسة، من مرحلة الحضانة إلى مرحلة الجامعة.
فهذا جانب من التحديات التي أبرزتها أزمة كورونا، والتي يتعين على مدارسنا الإسلامية، في نظري، أن تتعامل معها بشكل جاد، لتسعيد عافيتها في أقرب وقتٍ، حتى تكون قادرة على النهوض بمهمتها الحضارية الجليلة كما ينبغي . وعلى الحكومة السنغالية والمنظامات الإسلامية الخيرية أن تقف بجانب هذه المدارس في سبيل تحقيق هذه الغاية، لأنها تعمل، في الحقيقة، لصالح النظام التربوي والمجتمع السنغالي والأمة الإسلامية بشكل عام.

سام بوسو عبد الرحمن
مقالات ذات صلة

الأحد، 31 مايو 2020

استئناف الدراسة … ماذا عن المدارس القرآنية؟ !


عندما قررت الحكومة السنغالية في شهر مارس الماضي إغلاقَ المدارس والجامعات ومنعَ التجمعات تجنبا لانتشار فيروس الكورونا، التزمت كثير من المدارس القرآنية بقرار الحكومة، فأوقفت الدراسة لتلاميذها الخارجيين، ووصل الأمر ببعضها إلى الإغلاق التام، كما أعيد عديد من الطلبة إلى أهاليهم قسرا.
وقد كانت هذه المدارس معرضةً لكثير من المشكلات والمضايقات والحملات التشويهية، كما عانى طلبتها أكثر من غيرهم، من الظروف الصعبة التي فرضتها حالة الطوائ وحظر التجول الليلي، على الرغم مما كانوا يتلقونه من دعم ومساندة من قبل فاعلي الخير. 

الخميس، 30 أبريل 2020

إدارة وباء كورونا... استنتاجات أولية


وصل إلينا وباء كورونا على حين غرة، وصل ولم يكن كثير من الناس يظنون أنه سيكون له مثل هذا الوقع وهذا التأثير في حياة الناس المادية والنفسية والعقلية، فرض نفسه كحقيقة ماثلة أمامنا، أقام الدنيا ولَم يقعدها، ولم يلُح في الأفق ما يفيد بأنه سيرحل عما قريب، ولم يكشف بعد عن جميع خباياه، ومع ذلك لا نستطيع أن نمتنع عن قراءة هذا الواقع الذي فرض نفسه علينا قراءةً سريعة، وإن لم تكتمل الصورة بعد، ولَم يحن وقت استخلاص نتائج نهائية. سنحاول إلقاء نظرة على مختلف المواقف التي تعاملت مع الوضع الطارئ وما كشف عنه هذا التعامل من مشكلات في المجتمع قبل أن نأتي ببعض الاستنتاجات.

الأحد، 29 مارس 2020

مكافحة فيروس كورونا.. والدور الحاسم للشيخ محمد المنتقى حفظه الله



منذ بداية شهر مارس الجاري، يعيش السنغال على غرار عديد من  الدول أوضاعاً استثنائية بسبب ظهور حالات من مرض الفيروس التاجي الفتاك في أراضيه. ونظرًا لخطورة هذا الوباء، ولما تسبب فيه من الوفيات المتضاعفة بشكل مرعب،  في دول متقدمة تتمتع بقدرات واسعة في مجال الصحة مثل الصين وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وغيرها، بادرت الحكومة السنغالية باتخاذ إجراءات احترازية  مهمة فور ظهور الحالات الأولى في البلاد.

الثلاثاء، 18 فبراير 2020

من الشذوذ الجنسي إلى المثلية.... كيف يُحَوِّرُون المفاهيم؟!

مِن المعروف أنَّ تحويرَ المفاهيم لتعديل تمثُّلات الناس لها يُعتبرُ آليةً فعّالة لتغيير المواقف والاتجاهات، فالمفهوم يحمل في طياته أحكاماً قيمية تتبلور من خلال صياغته، ومن هنا يحرص المهتمون بتغير التفكير السائد تجاه قضية من القضايا على مراجعة المفاهيم المرتبطة بتلك القضية1. والقضية التي تحضرني الآن هي ما تسمى بـ"المثلية الجنسية".

في الخطاب الديني كان المصطلح الذي يرمز إلى العلاقة الجنسية بين رجلين هو اللواط
2، وكان ممارسوها يوصفون بالشوَّاذ جنسيا وفقاً للمعايير الاجتماعية السائدة في المجتمعات المسلمة، لأن منظومةَ القيم فيها تمجُّهم وتفرض عليهم عقوبات  معنوية إلى جانب العقوبات المادية.

الأحد، 26 يناير 2020

العمدة في نظرية الخدمة .. مساهمة جديدة في الساحة الفكرية السنغالية

يُعتبر مفهومُ الخدمة من أهم المفاهيم التي شغلت بالَ المفكرين والباحثين المهتمين بفكر المجدد الشيخ أحمد الخديم رضي الله تعالى عنه. وقد كان هذا المفهوم مجالا خصبا لصياغة النظريات وبلورة الرؤى حول البُعد التجديدي في حياة شيخنا وأعماله وتعاليمه نظراً لمركزية الخدمة ومحوريتها في كتابات الشيخ. 
وهو في الواقع من أشد المفاهيم  تأثيراً في تشكيل عقلية المريدين وتاطير سلوكهم وتحديد هويتهم. وقد اختلفت المقارباتُ التنظيرية لمفهوم الخدمة، بين مقاربة فلسفية وروحية وثقافية واجتماعية وسياسية وسيكولوجية و...
وهنا تكمنُ أهمية كتاب "العمدة في نظرية الخدمة، الآليات والمحاور الأيديولوجية البديلة" لأخينا الباحث محمد المصطفى جوب الكُكي، كمساهمةٍ قيّمة من مفكر معروف بجرأته في النقد، وحريته في التفكير، وصراحته في التعبير، ومِن مريدٍ عالي الهمة مطلع على  تاريخ المريدية ومتزود بذخائر من تراث الرعيل الأول من أتباع مؤسسها رحمهم الله تعالى.
فهذه كلمة وجيزة عن سياق الكتاب وعن شخصية مؤلفه  حررتُها فور تسلم نسختي قبل قراءته. وأتمنى أن تتسنى لي فرصة للعودة إلى المضمون مرةً ثانية بعد القراءة إن شاء الله تعالى.
نشكر المؤلف على الإهداء ونسأل الله تعالى أن يتقبل منه هذا العمل ويكتبه في ميزان حسناته. 

مقالات ذات صلة 
من الشذوذ الجنسي إلى المثلية.... كيف يُحَوِّرُون المفاهيم؟! 
حرب المفاهيم !  

الاثنين، 30 ديسمبر 2019

منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة . ... دور ريادي في نشر ثقافة السلم



بعد خمس سنوات فقط من العمل، فتح منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة أبوابَ أملٍ جديدٍ لتصحيح وتقويم كثير مما اعوجَّ في مسار الأمَّة الإسلامية والعائلة الإبراهيمية في القرون الأخيرة، من ناحية المفاهيم والأفكار والتصوُّرات، كما فتح قنوات التلاقي بين العالَمين الإسلامي والغربي، من خلال تحالفٍ لـ"أولي البقية" أو عقلاء البشرية يرعى القيمَ السامية على ظهر البسيطة.

بعد تشخيصٍ دقيقٍ لأحوال المجتمعات المسلمة وأوضاع العالم المعاصر، وما فيها من مفاهيم مغلوطة، وصراعات دموية، واستقطابات عنصرية، سعى المنتدى لوضع أسس علمية لبناء صرح فكري يأوي إليه أصحاب الهمم العليا من الأديان والثقافات المختلفة لاتخاذ مبادارات عملية في مجال حماية الحقوق ورعاية الضعفاء ونزع فتيل الصراعات في العالم.

وكان النجاح الذي حققه المنتدى في فترة قياسية يستند إلى رؤية سديدة، ووعي عميق، وفكر منير، وحس إنساني مرهف، لمؤسسه العالم الرباني الفقيه الأصولي الشيخ عبد الله بن بيه الذي سخَّر كل إمكاناته وخبراته لنسف الأفكار الهدامة وإحياء القيَم البناءة لصالح المجتمعات المسلمة وأبناء البشرية جمعاء.

وانطلاقاً من تأثيث الفضاء المعرفي بمفاهيم السلم من حيث التأصيل والتنزيل في سنة ٢٠١٤م، عُني المنتدى بتفكيك بنية الخطاب المتطرف ومعالجة الخلل المنهجي بجميع تمظهراته، وتلت هذه المرحلةَ عمليةُ تصحيح وصياغة المفاهيم الشرعية عبر تصحيح المفاهيم المفجرة.

وقد زاوج المنتدى بين المجال التنظيري والمجال التطبيقي في جهوده لتحقيق السلم وحماية الحقوق؛ فكان وراء " إعلان مراكش سنة ٢٠١٦م، حول حقوق الأقليات الدينية، بناء على وثيقة المدينة المنورة، فانبثق من هذه الجهود تيارٌ للسلم شمل الديانات الإبراهيمية، تمخض عن قوافل السلام الأمريكية وإعلان واشنطن لتحالف القيم سنة ٢٠١٨.

وفِي سنة ٢٠١٩ وقَّع ممثلون للعائلة الإبراهيمية على ميثاق" حلف
الفضول العالمي الجديد" بمناسبة الملتقى السادس لمنتدى تعزيز السلم في أبوظبي، ويُمثل هذا التوقيعُ حدثا عالميا تاريخيا سوف تمتد آثاره على الأجيال القادمة إذا تَحققت الأهداف المرجوة منه. وقد استوحى هذا الميثاق حلف الفضول الذي شهده الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وكان من أجل الدفاع عن حق المظلوم وإعانة المحتاج ونحوهما من القيم الإنسانية؛ وقد قال عنه «لقد شهدتُ فِي دَار عبد الله بن جدعَان حلفا، لَو دُعيتُ بِهِ فِي الْإِسْلَام لَأَجَبْتُ».

وقد لقي منتدى تعزيز السلم، بفضل أصالة رؤيته وانفتاح مقاربته، قبولا وترحيبا من العلماء والباحثين والمفكرين في مختلف أنحاء العالم وخاصة في إفريقيا جنوب الصحراء.
ففي شهر مايو ٢٠١٨ نظم المنتدى في دكار عاصمة السنغال يوما دراسيّاً حول "الأسس المنهجية لثقافة السلم عند معالي العلامة الشيخ عبد الله بن بيه حاجة لتعزيز التعايش السلمي في السنغال".

ومن خلال المحاضرات والمعارض والكتب الموزعة والنقاشات حول فكر العلامة بن بيّه تجَلَّى اهتمامُ المفكرين والباحثين بالمقومات الكامنة في هذا الفكر التجديدي والتي من شأنها تصحيح كثير من المفاهيم المحرفة الخطرة على أمن واستقرار المجتمعات، وكان من بين المطالب في هذا اللقاء أن تكون تلك المبادرةُ انطلاقةً لنشر ثقافة السلم وتعزيزها في المنطقة بأسرها.

ويمثل ميثاق حلف الفضول الذي صدر في ديسمبر ٢٠١٩ بأبوظبي ضمن فعاليات الملتقى السادس للمنتدى أرضية صلبة لوضع استراتجيات فعالة في تعزيز قيم السلم والتسامح وخاصة من خلال المنظومات التربوية، كما ظهر ضمن توصيات الملتقى.

يمكن القول في نهاية المطاف بأن منتدى تعزيز السلم صحّح كثيراً من المفاهيم، وغيّر نظرة العديد من غير المسلمين نحو الإسلام، وفتح مجالا واسعا للتعاون بين الحريصين على السلام العالمي على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم، وأصبح يتمتع بدور ريادي في نشر ثقافة السلم.

  سام بوسو عبد الرحمن
مفتش التعليم العربي بوزارة التربية في السنغال
مقالات ذات صلة 
 
 

جامعة الشيخ أحمد الخديم تحقّق إنجازًا أكاديميًا بارزًا بالحصول على الاعتماد المؤسسي

حقّقت جامعة الشيخ أحمد الخديم بطوبى إنجازًا أكاديميًا نوعيًا بحصولها على الاعتماد المؤسسي (Habilitation institutionnelle) من الهيئة الوطنية ...