الثلاثاء، 1 سبتمبر، 2009

ركعتا الشيخ أحمد بمب في مكتب الحاكم باندر مغزى ودروس *

يعتاد المريدون في مثل هذه الأيام الاحتفال بذكري حدث تاريخي وديني يتمثل في قيام الشيخ الخديم بأداء ركعتين في مكتب الحاكم الفرنسي بمدينة اندر (سانت لويس) في اليوم الخامس من سبتمبر ١٨٩٥م قبيل محاكمته. وتُعتبر هذه الواقعة سابقة تاريخية لها دلالات وأبعاد كبيرة بالنظر إلى ما كانت تتمتع به السلطة الفرنسية المستعمرة من الهيبة أمام أعين الأفارقة، ولما كانت تشتهر به من ممارسات ترهيبية ضد الشيوخ المسلمين.

مغزى الركعتين :

إن ركعتي الشيخ داخل مكتب الحاكم العام للمستعمرة الفرنسية بمدينة اندر لحدث تاريخي جلل له دلالات عميقة حسب منطق الإنسان العادي الذي يحلل الأحداث تحليلا تاريخيا ضمن سياقه الاجتماعي والسياسي، لاشك في ذلك ؛غير أنه لا تعتبر هذه الواقعة أمرا غير عادي بالنظر إلى رؤية الشيخ ومنطقه ومبادئه.
فالشيخ الخديم في حقيقة الأمر، منسجم مع نفسه في كتاباته وتعاليمه وحياته العملية ولا تخالف أفعاله أقواله.وقد أوضح منذ بداياته إعراضه عن الدنيا وإقباله إلى الله وتوكله عليه يقول  رضي الله عنه:
        قالوا اركن لأبواب السلاطـــين *** تحز جوائز تغني كــلـما حـــــــين
        فقلت حسبي ربي واكتفيـت به *** فلستُ راضيَ غير العلم والـديـــن
       فلست أخشى ولا أرجو سوى ملكي*** لأنـــه جل يغنــيني وينحيـني
وكتب بعد ذلك في مسالك الجنان "
      وكل ما أصابنا لم يكن *** يريد أن يخطئنا في الزمن
      وكل ما أخطأنا لم يكن *** يريد أن يصيبنا من محن
        فثق به ثم عليه اتكـلا *** وعنك دع تذبذبا ووجــــــلا
كان الشيخ يعيش في هذا الحال من التوحيد الرائع، فلم يكن يفرق بين السلاطين والسوقة، وقد اعتاد أن يصلي في أي محل نزل فيه ولا يميز في ذلك بين مكتب الحاكم أو منزل مريد من مريديه. 

دروس من الحدث

وعلى كل حال يرى المريون في هذه الحدث بعدا دينيا وتاريخيا ينبغي تخليد ذكراه على مر السنيين، وعلى هذا الأساس تعتبر المناسبة فرصة لتأمل هذا الواقعة ولاستخلاص دروس منها. ومما يمكن استفادته من دروس ما يلي:

أولا: أن التوكل على الله والثقة به هو الذي يعطي للإنسان حريته ، فإذا كان المؤمن متوكلا على الله حق توكله وواثقا به فإنه يتحرر من رق الخوف من 
غير الله تعالى كما يتخلص من عبودية غيره  كالمادة والهوى والجاه ، وقد يكون الإنسان في الواقع حرا تجاه الخلق ، ولكنه يظل عبدا لهواه أو لحب الجاه أو لشهوته ، يقول تعالى " أفرأيت من اتخذ إلهه وأضله الله على علم " [ الجاثية 23] وقال عليه السلام " ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى "

ثانيا : أكد الشيخ بفعله أنه يقابل مكائد المستعمرين وتهديداتهم وعنفهم بسلاح التقوى والتوجه إلى الله، وقد أثبت التاريخي أن الوسائل السلمية هي أفضل وسيلة إلى تحقيق الأهداف ، وقد قدم الشيخ هذا الدرس قبل مائة سنة قبل غاندي ولوثر بكثير.

ثالثا: من المعروف أن أكبر التحديات أمام أصحاب الثقافات والعقائد والتقاليد هي الاندماج في ما يسمى بالعولمة ومسايرة الاقتصاد العالمي دون الذوبان وفقدان الهوية .
وأفضل وسيلة لرفع هذا التحدي هو الدرس الذي قدمه الشيخ في رسوخ الإيمان بالله والثقة بالنفس وعدم الخوف والتردد أمام شرقي أو غربي ، والإيمان بعالمية عقيدته.
فهذه بعض من الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا الحدث التاريخي الذي يمكن أن يكون في المستقبل موضوع دراسة أوسع وأكثر عمقا .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
سام بوسو عبد الرحمن

هذا المقال ملخص من محاضرة ألقيتها حول المناسبة بمدينة سانت لويس بالولايات المتحدة الأمريكية يوم ٥ سبتمير ٢٠٠٤ حول مغرى الركعتين وبعض دروسهما.

التعليم العربي في المدارس الفرنسية : قضية على طاولة النقاش !

منذ عدة سنوات، كنتُ أفكر في قضية التعليم العربي في المدرسة الفرنسية العمومية، بعد أن زاولتُه لمدة خمس سنوات كمعلم للغة العربية في المرحل...