السبت، 10 يونيو، 2017

تأملات رمضانية

من أسرار الصوم وعجائبه أنه يُصفِّي خواطرَ الصائم وترقق مشاعرَه ويدفعه إلى التأمل الذاتي في أغوار حياته، فتتوارد في فؤاده أحوالٌ تسمو به إلى آفاق وجدانية عالية يلوح فيها بعض الحقائق التي تتوارى عادةً في خِضَمِّ هذه الحياة المادية المضطربة. والإنسان بسبب تعاميه عن تلك الحقائق يظل مكبلا بقيود وأغلال وهمية ثقيلة!

وأحيانا يغشاني بشكل خاطفٍ مثلُ هذه اللحظات فيتراءى لي من خلالها بعضُ الدسائس التي تعكر صفوَ حياتي الروحيةِ من حبٍ للدنيا واتباع للأهواء وانغماس في الملذات فأتحرقُ تحسرا على ماضاع من العمر وفات من الخير!


حقيقةً، يقودنا الصومُ إلى واحات إيمانية صافية خالية من مُلوثات هذه الحياة المادية الخانقة تزودنا رياحينها بطاقات روحية كفيلة بفك القيود والأغلال الوهمية، و العبد الضعيف يتمنى أن تصمد هذه الطاقات بعد رمضان أمامَ هجمات القوى الشهوانية الطاغية.. ولكن هيهات وهيهات!

الاثنين، 22 مايو، 2017

ما أحوجنا إلى رؤية الشيخ شعيب ومنهجه؟

إن أهم عامل لنجاح جماعة ما في تحقيق أهدافها الدينية أو الاقتصادية أوغيرها هو القيادة الرشيدة كما أن أخطر أزمة يمكن أن يواجهها مجتمع ما أيا كانت طبيعته هي الأزمة القيادية. فالجماعة تحتاج دائما إلى قيادة حكيمة للوصول إلى غاياتها والمحافظة على بقائها ونقل تراثها وتوصيل رسالتها.

ومن هنا وضع الإسلام مبدأَ القيادة في قمة تعاليمه وإعدادَ القادة في بُؤرة اهتماماته. فقد تولَّى الرسولُ صلى الله عليه وسلم بنفسه تربيةَ أصحابه رضي الله عنهم ليحملوا فيما بعد شُعلةَ رسالة الإسلام إلى البشرية جمعاء وسار على خطاه ونهجِه وريثُه ومجددُ سنتِهِ شيخُنا أحمدُ الخديم رضي الله عنه في تربية كبار أتباعه وإعدادهم وتكوينهم كقادة أكفاءَ روحيا واجتماعيا وثقافيا. وكان رضي الله عنه وقف على حقيقة الأزمة القيادية في عصره فقدَّم في مهمته الإصلاحية تكوينَ شيوخ أجلاء نشروا تعاليمه إلى ربوع البلاد وحافظوا على منهج تربيته فظلت الطريقة المريدية دوحة شامخة أصلها ثابت وفرعها في السماء ...
فقد جاهد جميع أبناء الشيخ الخديم رضي الله عنه وخلفائه من بعده في حمل راية الدعوة الإصلاحية والرسالة التربوية، ولكن المربيَ العلامة الشيخ شعيب امباكي رضي الله عنه تنَبَّه إلى الأهمية البالغة لتربية قادة المستقبل والمكانة التي تحتله في الإسلام عامةً والمريدية بشكل خاص، فكرس حياتَه المباركة لهذه المهمة النبوية الشريفة وتفرَّغ بقلبه وقالَبِه لتربية الناشئة من أسباط الشيخ الخديم وكبار أتباعه. وكان رضي الله عنه صاحبَ رؤية بعيدة ومنهجية فريدة في تعليم الصغار وتهذيبهم وتكوينهم1.
ولا يمكن للمرء أن يتصورَ ما بذله شيخُنا شعيب من أوقاته النفيسة في مباشرة المتعلمين ومتابعة سلوكياتهم لحظة بلحظة وللإشراف على تعليمهم وتقويمهم ليل نهار. "فلم يكن هم الشيخ – رضي الله عنه – تعليم الوافدين فحسب، بل كان يُعنى بتخليتهم وتحليتهم، وبتربيتهم على الطاعة والعبادة، وحضِّهم على تعمير الأوقات وزجرهم عن تضييعها؛ فكان يضيق ذرعا إذا وجد طالبا سبَهْللا لا هو في أمور الدين ولا في أمور الدنيا، بل كان يُشغله بما يجلب إليه النفع في العاجلة والآجلة"2

ولقد ظهرت آثارُ تربيته المباركة في الشيوخ الذين تربَّوا في حجره، فتميزوا بالوعي بمسؤوليتهم والإلمام بمهامهم والاستقامة في سلوكهم والحرص على قيادة أتباعهم؛ فهم يمثلون نموذجا للشيخ المرشد الواقف على قضايا عصره وهموم مجتمعه. وحاجةُ  هذا العصر ملحةٌ إلى مثل هذا النموذج القيادي الرشيد الذي يتطلب إعدادا روحيا وتكوينا ماديا للنهوض بشؤون المسلمين.

فمعَ الانتشار السريع والإقبال الشديد اللذيْن تشهدهما الطريقة المريدية في العقود الأخيرة والفساد المنتشر في المجتمع أصبحت مسؤوليةُ التوجيه والإرشاد جسيمةً للغاية، لأن احتلالَ مناصبَ قياديةٍ دون سابق إعداد يؤدي إلى أضرار بالغة على المستويين الفردي والجماعي. ولذلك لم يكن الشيخُ الخديم رضي الله عنه يُصَدِّرُ شخصا إلا بعد الفراغ من تربيته وتأهيله، والرواياتُ في ذلك متواترة.
وبحمد الله وتعالى قدَّم الشيخُ شعيب رضي الله عنه نموذجا رائعا يجب الاحتذاءُ به في إيجاد مراكزَ أو مؤسساتٍ تربوية لتأهيل قادة المستقبل الذين يخدمون الإسلام ويجتهدون في إحياء السنة النبوية بوعي عميق ومعرفة واسعة وكفاءة حقيقية ورؤية ثاقبة ليدخلوا في زمرة ذرية الشيخ الخديم الموصوفين بقوله:
ذريةً طيبةً تُجددُ *** نهجَ النبيِّ المصطفى تجتهدُ

فهذه الرؤيةُ الاستراتجية البعيدة جانبٌ واحد من الجوانب المتعددة لحياة الشيخ شعيب، يحتاج العالم إلى الاستفادة منها، وتتطلب وقفات ودراسات أخرى عميقة مثل اهتمامه بنشر المعارف والعلوم باللغات المحلية وهي قضية اتفق المتخصصون في التربية الآن على أنها قضية أساسية لا مناص من أخذها في الاعتبار، كما شرعت السلطات التربوية في تخصيص مليارت من الفرنك بهدف استخدام اللغات الوطنية في المدارس العمومية.

نسأل الله أن يجازيَ شيخنا شعيب عن الإسلام خير الجزاء ويُلهمَ زعماءنا الاستفادةَ من رؤيته ومنهجه لصالح الأمة جمعاء ويسددَ خُطى أبنائه وأحفاده ويزيدَهم التوفيق في مهمتهم.
                             سام بوسو عبد الرحمن


        1 للوقوف على مزيد من التفاصيل حول منهج الشيخ شعيب انظر "مدرسة الشيخ شعيب امباكي القرآنية" للشيخ صالح امباكي مرتضي، مقال منشور في موقع مؤسسة الأزهر الإسلامية السنغالية
-->
       2  الشيخ شعيب امباكي ... العارف الرباني للباحث أبي مدين شعيب تياو (نسخة إلكترونية)

الأحد، 9 أبريل، 2017

كلام في غاية الخطورة !


في الأسبوع الماضي اتصل بي أَخٌ فاضلٌ غيورٌ على دينه وعلى تعاليم شيخنا الخديم رضي الله عنه للفتِ انتباهي بشأن فيديو مُتداولٍ تم بَثُّه في مَجمُوعة واتساب هو عضو فيها، فقال لي بصوتٍ يَنِمُّ عن مشاعرِ الأسف والحزن : في هذا الفيديو الذي سأُرسله إليكم كلامٌ بلغَ من الخطورة مبلَغَها لم يتفوَّه به من قَبْلُ رجلٌ علَى حد علمي في أمر الشيخ الخديم عليه رضوان الله الباقي الخديم .
ولما شرعتُ في الاستماع إلى كلام الشاب المصور في الفيديو قلتُ في نفسي لشِدَّةِ خُطورة الكلام إن هذا الشابَّ لا يعي ما يقوله أَوْ ليس سليمَ العقل، ولا أَحدَ من العقلاء يلتفتُ إليه كما لو مرَّ بطفل صغير يقول : "إن أبي خالق السموات والأرض!" وكنتُ أحسبُ أَنه يكفي استدعاءُ الشاب لتنبيهه على خطورة ما يتلاعب به ليتخلى عن هذا الهذيان .
لم أَكن أُقدر مدى انتشار هذا الكلام في شبكة التواصل الاجتماعي وكثرة ردود الأفعال التي آثارها ولم أكن أدرك أَن هناك من أخذه مأخذَ الجد.
وبعدما قرأت منشورات عديدة في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تتعلق بالقضية رأيت أن أعلق عليها ولو بشكل وجيز ريثما أتمكن من العودة إليها بصورة أوسع.

الأربعاء، 15 مارس، 2017

حتى لا نخطئ في ترتيب الأولويات!

في الآونة الأخيرة نلاحظ في الخطاب الرسمي تركيزا شديدا على قضية الإرهاب وضرورة محاربته. ونسمع كثيراً من ممثلي السلطة السياسية في المناسبات الدينية يطالبون رجال الدين بالتدخل في قضية محاربة الإرهاب مع إلحاح شديد كأنها قضيتهم الأولى والأخيرة في الوقت الراهن.
لا أحد ينكر خطورةَ الإرهاب وتهديدَه للمجتمع الإنساني بشكل عام كما أن الصبغةَ الدينية لهذه الظاهرة بارزة للعيان، ولا خلاف أيضاً في ضرورة اتخاذ الاحتياطات اللازمة للوقاية منها. ولكن مع ذلك كله يمكن للمرء أن يتساءل عمن هو العدو الأولى بالمحاربة، عدو متوقع أم عدو ضارب أطنابه في عقر الديار ؟
فإذا كان شبح الإرهاب يلوح في الأفق فالجهل والفقر هما قد نشبا مخالبهما على رقاب الكثير من أفراد المجتمع أو غالبيته. وهما عدوان لدودان للإنسان، ولذا لا ينبغي أن تطغى قضيةُ مواجهةِ شبح الإرهاب على الاهتمام بدحر هذين العدوين وشلِّ قواهما.

الاثنين، 13 فبراير، 2017

عيد الحب ... والثقافة الرأسمالية!

في المجتمعات الرأسمالية يتم تسخير كافة الوسائل لدفع الناس إلى الانهماك في الاستهلاك وإشباع الرغبات. ومن أبرز هذه الوسائل اختلاقُ مناسبات واحتفالات تجذب الناس إلى الإنفاق، الأمر الذي يُحفز لديه الإنتاج ويُدِرُّ لها الأرباح وبالتالي يُساهم في ازدهار الخدمات والصناعات المختلفة.


الثلاثاء، 3 يناير، 2017

خطوة هامة نحو تبني مشروع القانون حول المدرسة القرءانية


قبل ثلاث سنوات انفجرت ضجة كبيرة حول مشروع قانون أعدته الحكومة السنغالية، وكان الهدف منه إعطاء وضعية قانونية للمدرسة القرءانية في السنغال بغرض تنظيمها، وقد كتبت مقالا حينذاك لمحاولة استكشاف الخلل الذي تسبب في ذلك الخلاف. ومن بين الأسباب المحتملة التي كنت أشرت إليها في تلك المقالة سببان أحدهما يرجع إلى اتحاد مدرسي القرءان والآخر إلى الحكومة وهما " أن المشروع لم يتم إنزاله في القاعدة، وهذا - إن وقع - يعتبر خطأ استراتجيا من الاتحاد في عدم إشراك قاعدته في العملية ومن الحكومة في عدم المتابعة والتحقق من أن المعنيين في المقام الأول تم إشراكهم"


تأملات رمضانية

من أسرار الصوم وعجائبه أنه يُصفِّي خواطرَ الصائم وترقق مشاعرَه ويدفعه إلى التأمل الذاتي في أغوار حياته، فتتوارد في فؤاده أحوالٌ تسمو ...