الأربعاء، 17 مارس، 2010

تحليل قصيدة "ياجملة" للشيخ الخديم رضي الله عنه

بقلم / أبو مدين شعيب تياو الأزهري

جوّ القصيدة:
اتهم الشيخَ أحمد بمبا المستعمِرُون الفرنسيُّون بحيازة أسلحة فتاكة، واختلقوا أنه يستعدُّ لمهاجمتهم واستئصال شأفتهم، مما دعاهم إلى بعث جواسيس شطر منازل الشيخ- رضي الله عنه- للتأكد من صحة الخبر، لكن ذلك لم يجرّ إليهم إلا خيبةً ووبالاً، حيث عادوا بخفَّيْ حُنينٍ، ولم يكتشفوا فيها شيئا من هذا القبيل. وهذا - بكل تأكيد - ما دفع أديبنا – رضي الله عنه- إلى كتابة هذه القصيدة، تبكيتًا لهم على تقوّلهم وسوء ظنهم، ونقضاً للافتراءات التي أُلْصِقتْ بجنابه الطاهر.
* * * * * * * * * * * * * *
التحليل:
استهلّ الشّاعرُ المفلقُ قصيدته الدالية من بحر الكامل بالتشنيع على المستعمِرين وتوبيخهمْ على الضلال المبين الذي أمسك بخِطَامِهم وأوْلجهمْ في جُبّ الكُفر والتّثليث، فدفعهم العِنادُ والجبروتُ وتسويلُ الشيطان لهمْ إلى الإشراك بالواحد الفريد الذي تنزَّهَ عن والدٍ وعنْ ولدٍ. ولا جَرَمَ أنَّ ذلكَ ما أهاجَ مشاعرَ العبد الخديم، ودفعه إلى الاستهلال بهذا المطلع الذي هُو أشدّ عليهم مِنْ وقْعِ السِّنانِ على النُّحُور.
وأول ما يلفت انتباهنا في هذه القصيدة الرائعة هو ما تبلْوَرَ في مطلعها من جُرأة الشاعر وشجاعته وأَنَفَته وعدم اكتراثِهِ للمُستعمِر الفرنسيّ الطاغي، وكذلك صِدقُهُ وإخلاصُهُ، فالكلماتُ تصدُرُ بحقٍّ عن قلبٍ مُفْعَمٍ بالإيمان، مَليءٍ بالتوحيد، مُوقِنٍ بأن لا سبيل إلى استرجاع المجد الإسلامي التليد العريق إلا باستئصال شأفة الاستعمار من جذورها ومَحْقِ آثارها من ديار الإسلام السنغالية والإفريقية.
ولا بُدّ من التنويه أيضًا بأنَّ النداء في قوله:(يا جملةً قد ثلثوا...) ليس على حقيقتِهِ، وإنما الغرضُ منهُ التَّأْنيبُ والتَّثْريبُ، وكذلك الاستهزاءِ والسُّخْرية، إذ لو تفكّروا في خلق السموات والأرض لعلمُوا علماً لا يشوبُهُ أدنى شكٍّ أنَّ الإلهَ واحدٌ، وأنْ لوْ كان فيهما آلهةٌ إلا اللهُ لفَسدَتَا. كما أنَّ فيهِ لفتاً وشدّاً لانتباههم إلى أن يتفطّنُوا للكلمة التي سيقولُهَا لهم، وإلى أنْ يتيقّظُوا للمنهج السلميّ في الجهاد الذي سيُميطُ عنه اللثام لاحقاً.
وبعد هذا التقريع والتفهيم اللذَّين استهلّ بهما الشَّاعرُ داليته هذه، ابتَدَرَ دون تسْويفٍ إلى كشف القناع عن السببِ الخَلِق الملفَّقِ وراء تغريبه ونفيه إلى موريتانيا، والذي يتجسد في أشياء ثلاثةٍ: الأول كينونته (عبد الإله) والذي يعني - عندهم - التّمرد والشُّرود وعدم الانضباط بالقوانين الوضْعيَّة، والثاني: أنه (مجاهد) أي سَاعٍ إلى زعزعة الأمنِ وهِراقةِ الدماء ومحاولة السطوِ بهم والتسلّط على الشعب، بدليل توافدهم عليه والتفافهم من حولِهِ وتعظيمِهِمْ إياه؛ « فلا يتَنَخّمُ نُخَامَةً إلّا وَقَعَتْ فِي كَفّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلّكَ بِهَا جِلْدَهُ وَوَجْهَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدّونَ إلَيْهِ النّظَرَ تَعْظِيمًا » . والثالث: أن في حوزته (المدافع) مما يُوَكّد مصداقية التهمتين الأولى والثانية - أي التمرد والجهاد - حيث احتاز الأسلحة الفتاكةَ من غير استئذانٍ، مما يدل على التشمّر والاستعداد للجهاد والقتال.
ولا شكَ أنّ كُل ّذلك لم يكن، فما هو إلا وسائل يحاولون التذرّع بها من أجل إشلال حركته والقضاء عليه، ممّا بَعَثَهم في نهاية المطافِ على إخراجه من وطنه ونفيه إلى الجزر النائية حتى يكونوا في مأمنٍ منه ويذهبَ ما بهمْ من فَرَقٍ وقَلقٍ. وذلك بكلّ تأكيدٍ ما تفطّن له الشاعر المُجيد فعبّرَ بـ(ظنَنْتُم) إِيماءً إلى عدم اتضاح البراهين والحجج التي اعتمدتها السلطة النصرانية في إيقافِهِ وإلى الضّبابِية الهائلة التي تتراكم عليها. كما أنّ فيه إيماءً آخرَ إلى تفَطُّنِهِ للخُطط التي ينصبُهَا العُلُوج من أجل طمس هوية الإسلام والقضاء على الزعماء الدينيين والإصلاحيين. فضلا عن ذلك ففي قوله:(والكُلُّ منكُمْ ذُو قلًى ويُحاسدُ) تلميحٌ جليٌّ إلى السبب الحقيقيّ لأسرِهِ وتغريبهِ، فلا ينْأَى عن البُغض الشديد الذي كان يُكنُّهُ له وُكلاءُ المستعمِر المرتزقون، وعن الحسدِ المُفرط الذي كان يسْتكنّ في قُلُوبِ شُيُوخِ السُّوء؛ أولئك الذين كانوا يُزلقونه بأبصارهمْ ويعضّون عليه الأنامل من الغيظ، ويضيقون ذرعاً بالجماعات الغفيرة التي كانت تحُجُّه رجالاً وركباناً، وتضرب إليه آباط الإبل من أقاصي البلاد، فهمْ - دون أدنى شك - من قال الشاعر في شأنهم:[من الرجز]
إذ بان جهرا أنما شيوخُ هذا الزمان جلهم فخوخُ
وبعضهمْ يركن للتصدر إلى رياسة بلا تستر
ولم يميزْ بين فرض وسننْ ويجذب الورى لموجب الفتنْ
ويدَّعي الكمال والولايهْ يدهَى الورى بكثرة الروايهْ
وإن مدحت عنده شيخا سواهْ أغاظَه لحسدٍ وحبّ جاهْ
وحيثما تذكرْ بهجوٍ غيرَهُ يفرحْ وَلَوْ دَرَى الجميع خيرَهُ
ولا يسُرُّهُ سوَى انفرادِ بالذكر والمدح لدى العباد
وحيثما يملْ لغيره أحدْ مُسترشِداً يهُجْ غرامَه الحسدْ

* * * * * * * * * * * * * *
وبعدما أنهى - رضي الله عنه - تَشنيعَهُ على المستعمِر، وبعدما سردَ التهم والافتراءات التي كيلت له طَفَر إلى نقضها نقضاً عنيفاً وإبطالها أيَّما إبطالٍ، فأقرّ لهمْ دون خوفٍ ولا تردّدٍ بأنّه عبد الله وخديم رسوله - صلى الله عليه وسلم - لذلك فلا يخضعُ لغيره ولا يعترف بملكٍ غير ملكهِ سبحانه وتعالى، ولا يصرفه صارفٌ عن خدمة محبوبه - صلى الله عليه وسلم - بتعليمه الخلقَ وتربيتهمْ وتوعيتهمْ وتبيين معالم الحقّ لهم حتى يكونوا في الْمُنْتَهَى مُؤمنينَ مسلمينَ محسنينَ. كما أقرّ بأنه مجاهدٌ لكن لا يجاهدُ لعصبيةٍ ولا لاسترداد ملكٍ زائلٍ ولا لابتغاء مغانمَ كثيرةٍ - كما كان ذلك ديدن جل سالفيه - بلْ يجاهِد لتكون كلمة الله هيَ العُليا، ولينصر الدين الحنيف، ولينفيَ عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
وبعدَ ذلك انثنى الشاعر إلى بيان الطريقة التي سيتبناها في المقاومة والنضال، وإلى الأسلحة التي سيستخدمها في مناهضةِ الكتائب الاستعمارية، ناحياً في ذاك كله منحىً آخر مخالفاً نهجَ مَن سلفوه جملةً وتفصيلاً؛ فهو لا يجاهدُ العدوّ الاستعماريّ اللدودَ بالسيوف المَشْرفِيّة وبالأرماح السمهريّة، بل يجاهدهُمْ بالسلاح المعنويّ أي بالعلوم وبالتقى، وينبُذُ العنفَ بالعراءِ، ويجعل اللاعنف1 الوسيلة الأنجع والأسلوب الجهاديّ الأمثل، لأنّهُ أبْعدُ مدًى وأكثرُ فعاليةً وأبلغُ تأثيرًا، وهذا بكل تأكيد ما يعبر عنهُ في بيت آخر بقوله:[من الرجز]
أُجاهدُ الكُفار بالآياتِ وَبالأحاديثِ بلا التفاتِ

هذا، ولقد احترس الشاعر بقوله:(إني لوجه الله...) احتراساً2 حسناً حتى لا يُتَوهَّم أنه يجاهد من أجل الحصول على متعةٍ دنيوية أو شيءٍ من هذا القبيل، وبقوله:(إني أجاهد بالعلوم...) حتى لا يُتوهَّم أيضا أنه يستخدم العُنف في هذا المشروع الدّعَويّ الجهاديّ.
ثم شرعَ الشاعرُ الفَحْلُ يُبْرِزُ حقيقةِ جِهادِهِ وعن حقيقةِ أسلحتِهِ المعنويةِ التي قصم بها ظهر كُل مُتكبرٍ جبّارٍ، وقصّ بها عُنقَ كُل كرّارٍ وفرّارٍ؛ فبالتوحيد بَتر عُنق كل مشركٍ ومُثَلِّثٍ، وبالذكر الحكيم استأصل شأفة كل جحفلٍ عرمرمٍ، وبالحديث الشريف أصاب كبد كل مُبتدعٍ وأعمله في إزاحة البدع التي يُحدثها أعداء السُّنة البيضاء، كما فَقَأَ بالفقه عُيُون أصحاب الشُّبهات والدّعاوَى، أمّا التصوفُ السنّيُّ المنقَّى من كُلّ الشوائب فهُو الذي يُطلعُهُ على خبايا النُّفوس ويلْهمُهُ ما يسْتكنُّ فيها من الأمراض الوبيئة كالكبر والحسد، وذلك بحقٍّ ما يُمَكِّنه من وضع البلسم الشافي والدواء الأنجع للأمراض والأدواء التي يعاني منها المريدُون السالكُون.
ثمّ أنهى الشاعر - رضي الله عنه - ملحمته الجيدة السبك المحكمة الحبك بالثناء على الأسلاف الذين حموْا بيضةَ الإسلام، وحافظُوا على العقيدة الإسلامية نقيّةً وصافيةً، واصطانُوها عن أعلاق الشرك والوثنية، ونصح بعضهم لبعضٍ، فكانوا مُتواصّين بالحقّ مُتواصّين بالصبر. كما أعرب في غضون ذلك عن ثقته بربه وتوكله عليه واكتفائه به وليًّا وحفيظاً ونصيراً، فكان ذلك حِماءً له عن كل عدوٍّ لدودٍ، ووِقاءً عن كل قالٍ وحسودٍ.
ويلحظ القارئ كيفَ اسْطَاعَ الشاعِرُ ببراعته وألمعيته أن يغترف معجم قصيدته من تَرسانة أعدائه، ويوظف الكلمات التي تدل على السطو والقهر والقُوّة مثل:(سيفي، مدافعي، رماحي، السهام، يتجسس الأسرار لي، يدمدم، يفري، أزحزح .....) وغيرها مما جعل القصيدة فريدة من نوعها، وأكسبها روعةً وجمالاً. كما يَلمس في ثناياها عاطفة الشاعر الجيّاشة، ورغبته الجامحة في الإصلاح والتجديد، والمحبة الصادقة والمودّة الخالصة اللتين كان يكنهما لمولاهُ سبحانه وتعالى، ولرسوله - صلى الله عليه وسلم- وغير ذلك مما يدعوهُ بين الفينة والأخرى إلى وصفهما بالنعوت الجميلة والأوصاف المحمودة، نحو:( رب إله واحد، أكرم بربٍّ، وهو الصبور الماجد، وهو الكريم الواجد - وهو الحامد، وهو المقدم الشفيع الشاهد، نعم المقدم في الكرام جميعهم... إلخ).
ثمّ إن المطّلع على القصيدةِ قد يشتمُ فيها بغْض الشاعر الشديد للمستعمرينَ، ومُعاداتهُ لهم، وازدراءَهُ بهم، علماً أنه لم يُناصبْهمْ العَداءَ إلاّ في الله3، ولم يَقْلِهِمْ إلاَّ لإشراكهم بهِ واتخاذهم أنداداً من دونه، مما هيّج شعورَه الدينيّ وغَيْرَته الإيمانية ودفعه إلى وسْمهم بالنُّعوتِ الدالّةِ على الدُّونية والوَضاعة والصّغار، مثل:(قد ثلثوا بضلالهم، تباًّ لقومٍ ثلَّثُوا، أفٍّ لقومٍ أشركوا، أهل كتْب قد طغَوا، شِرارٌ، تنازعوا ، حاسد، جُبّأ، وذكورهم غُلْفٌ....إلخ) وهذا الأخيرُ كفاهمْ وصمةً لا تزول عن جبينهمْ إلى يوم القيامة.
هذا ويُلحظُ في الأبيات كيف حاول شاعرنا أنْ يقلّلَ من الصور البيانية ومن المحسّناتِ البديعية، ويصدفَ عن التصريع الذي تعوّده في قصائده، وذلك لأنه يخاطب العقل ويهدف إلى الإقناع، ولأنه يريد أن يقتلع التقولات من جُذورها، وينتزع التخمينات من بُذُورها وليُفَنِّدَ الدعاوَى المفتراةَ والمُوشَّاةَ، حتى يعلم المستعمِر وكذلك وكلاؤُهُ أنه لا يبتغي عرض الحياة الدنيا في جهادهِ، وأنْ ليس همُّه إلاّ رفع راية الإسلام خفّاقَةً عاليةً لا بالسيوف والمدافع، لكن بالسِّلمِ وبالعلم النافع. كما تُلحظَ فيها غلبة الأسلوب الخبريّ على الإنشائيّ لأنّ المقام مقام برهنةٍ وتدليلٍ، ودحضٍ وإبطالٍ للشبهات الملفقة والمزاعم المختلقة.
وختاماً بدأ الشاعر يتضرّع إلى ربه – سبحانه وتعالى – شاكرًا له ومُثنياً عليه، داعيًا أن يجود له بنعمٍ وافرةٍ تفوق مظنُونهُ، وأن يُغنيَهُ في الدارين حتى يكون في غُنْيَةٍ عمّن سواهُ، وأن يُؤَيّده وينصره نصراً عزيزاً حتى يُقيم الدينَ، وينْفيَ بالكلية الإلحاد منَ الأرض.

أبو مدين شعيب تياو الأزهري الطوبوي
كلية الآداب والعلوم الإنسانية
شعبة اللغة العربية وآدابها
تطوان/المغرب
madyanaabo@gmail.com

كلام في غاية الخطورة !

في الأسبوع الماضي اتصل بي أَخٌ فاضلٌ غيورٌ على دينه وعلى تعاليم شيخنا الخديم رضي الله عنه للفتِ انتباهي بشأن فيديو مُتداولٍ تم بَثُّه ...