الثلاثاء، 29 ديسمبر، 2009

البعد السياسي والديني للموقف السويسري بمنع بناء المآذن

مداخلة في طاولة مستديرة حول
" القرار السويسري بمنع بناء المآذن "
نظمت بفندق لاتجور بمدينة تياس السنغالية بتاريخ ٢٩ ديسمبر ٢٠٠٩
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تمهيد:
في ٢٩ من شهر نوفمبر الماضي فاجأ السويسريون العالم بالتصويت لصالح منع بناء المآذن في سوسرا وأصبحت هذه القضية، التي فرضت على الساحة مسألة الإسلام في الغرب، شغلا شاغلا لكثير من المفكرين ورجال الإعلام في العالمين الغربي والإسلامي على حد سواء على اختلاف زوايا النظرة إليها.
فلم يعد من الممكن تجاهل القضية وغض النظر عنها من قبل المثقفين المهتمين بمصير العلاقات بين الأمم وبشكل خاص الشباب المسلم، المهتم أساسا بمستقبل الحوار بين الأيان والثقافات. ومن هنا تأتي أهمية النظـر إلى أبعاد القضية الساسية والدينية.
وسنتعرض في هذه العجالة لتلك الأبعاد، بعد تحديد السياق الذي ظهرت فيه القضية وتقديم لمحة وجيزة عن الإسلام في سويسرا.

أولا : لمحة عن الإسلام في سويسرا

الإسلام هو أحد أبرز الديانات في سويسرا؛ وفق أحدث الإحصائيات يوجد ٤٠٠،٠٠٠ مسلم يعيشون في سويسرا مشكلين حوالى ٥ % من مجمل تعداد السكان، من بينهم ٤٨،٠٠٠ يحملون الجنسية السويسرية. ومن الجدير بالذكر أن الإسلام ليس ديناً معترف به رسمياً في البلاد. المسلمون منتشرون بشكل متساو في مناطق سويسرا وذلك على خلاف ما هو عليه الحال في العديد من الدول الأوروبية الأخرى، حيث يتركز المسلمون في مناطق بعينها.
ومعظم مسلمي سويسرا هم في الأصل من يوغوسلافيا السابقة (56.4%، جاء معظمهم من البوسنة والهرسك وكوسوفو وجمهورية مقدونيا) في حين جاء 20.2% منهم من تركيا.(١)

من الناحية التاريخية فقد استقر بعض المسلمين العرب والبربر في كانتون فاليز منذ القرن العاشر الميلادي. ويوجد في سويسرا نحو 120 مصلى في مختلف أرجاء البلاد، ونحو 100 مصلى غير رسمي. وقد رفض مجلس مدينة برن عام 2007 خطط بناء أحد أكبر المراكز الثقافية الإسلامية في المدينة. وتوجد بالفعل أربعة مساجد لها مآذن في البلاد، ويسري قانون حظر المآذن على المساجد الجديدة التي يتم بناؤها في البلاد.

ثانيا: سياق قضية حظر بناء الماذن في سويسرا

من الصعب أن نفصل قضية الاستفتاء عن السياق العام المتمثل في الحالة التي يعيشها المسلمون في الغرب والنظرة السائدة إلى الإسلام بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، وصعود اليمين المتطرف في كثير من البلدان، الأمر الذي ساعدت على إثارة قضايا مشابهة في دول أوروبية أخرى كقضية الحجاب في فرنسا وبناء المساجد في ألمانيا.

فمنذ سقوط الشيوعية ينظر كثير من اليمينيين إلى الإسلام باعتباره الخطر المهدد لوجود الغرب كحضارة متميزة تسعى إلى الهيمنة على بقية شعوب العالم، بالإضافة إلى تزايد عدد المسلمين في أوروبا بشكل مستمر.
وقد لعبت وسائل الإعلام دورا خطيرا أيضا في تقديم صورة مشوهة عن الإسلام والمسلمين وخلق حالة من الذعر الدائم إزاءه وتأجيج مشاعر الكراهية ضد المسلمين، لدى عدد لا بأس به من شعوب الدول الغربية.
فهذه الظروف مجتمعة تضفى على قضية الحظر أبعادا سياسية ودينية نشير إلى بعضها فيما يلي

ثالثا : الأبعاد الدينية لقضية حظر بناء المآذن

إن البعد الديني لهذه القضية حاضر بشكل مكثف؛ فالمنع ينصب أساسا على رمز ديني وهو المنارة لارتباطها بالمسجد وبالتالي بعماد الدين: الصلاة، وإن لم تكن ضرورية أو فريضة بذاتها.

وإذا تأملنا نجد أن من الجهات التي قادت الحملة لصالح منع بناء المآذن الاتحاد الديمقراطي الفدرالي UDF وهو حزب مسيحي محافظ، صغير ولكنه نشط ومعروف بانتقاداته للإسلام وتأييده للإسرائيل والصهيونية بناء على تفسيرات لنصوص إنجيلية.

ومن جهة أخرى، تَعتبر الأوساط المعادية للإسلام أن انتشار هذا الدين في أوروبا بمثابة غزوة غير مسلحة وستتلوها هيمنة إسلامية تصل إلى فرض نظام شرعي إسلامي، فحظر المآذن بالنسبة لهذا التيار يشكل إشارة قوية لوقف هذا المد الإسلامي، وقد وصفه البعض بأنه محاولة لـ "قطع رقاب المساجد" بأن يتم طمس هويتها، وذلك للحد من انتشار الإسلام في سويسرا وللحفاظ على هوية البلاد من الغزو الثقافي الخارجي لتلك الدولة صغيرة الحجم قليلة السكان.
فمسألة الهوية الدينية لسويسرا كانت إذن مطروقة طيلة الحملة السابقة للاستفتاء، ولكن هذا البعد الديني يتضافر مع الأبعاد السياسية للقضية، ولذا نري منظمة العفو الدولي في إعلانه يضطر لوصف هذا المنع العام لمآذن منافية لحقوق الإنسان. وكيف نوضح البعد السياسي؟

رابعا : الأبعاد السياسية لقضية الحظر

إن إلقاء نظرة إلى الرموز المستخدمة في الحملة تؤكد الطابع السياسي أو الاستغلال السياسي للقضية، فقد استغلت الأحزاب اليمينية المتطرفة القضية لإشاعة مزيد من حالة الذعر والخوف تجاه الإسلام بين أفراد الشعب السويسري بهدف تكريس وجودها وصعودها، ومن اللافت للانتباه أن الملصق الذي روجته حملة مناصرة حظر المآذن يتضمن مجموعة من المآذن تظهر وتتنامى على العلم السويسري على شكل صواريخ، ويوجد ملصقا آخر تظهر فيها مستشارات وهن محجبات.

وقد كانت الظروف مواتية لهذا التوظيف السياسي لأسباب منها:

- القلق من الهجرة المتزايدة للمسلمين؛ فسويسرا دولة تحتضن عددا مهما من المهاجرين، ومثلما هو الحال في أي مكان آخر بالعالم، فإن التنامي السريع في أعداد سكان أجانب يثير ردود أفعال، خاصة فيما يتعلق بالمسلمين، الأمر الذي يرجع في معظمه إلى طابع الصراع المهيمن على تاريخ علاقات الإسلام بأوروبا الغربية.

- بعض الحوادث التي استغلت إعلاميا لتأجيج مشاعر الكراهية ضد الإسلام فعلى سبيل المثال حاول بعض وسائل الإعلام تصوير اعتقال رجلي الأعمال السويسريين في ليبيا على أنه عملية إذلال لسويسرا من قبل دولة مسلمة.

الخاتمة
فهذه بكل إيجاز إشارات إلى بعض الأبعاد الدينية والسياسية التي تكمن وراء حظر بناء المآذن في سويسرا. وإذا نظرنا إلى طبيعة المئذنة بذاتها من الناحية الشرعية البحتة قد نميل إلى التقليل من شأن القضية، ولكن إذا أمعنا النظر في هذه الأبعاد والنوايا المعلنة لمناصرى المنع ندرك خطورة الموقف. فهؤلاء المتطرفون يعتبرون هذا الفوز بداية لخطوات أخرى في سبيل محو الهوية الإسلامية لمسلمي أوروبا وغلق أي باب للحوار مع الحضارة الإسلامية التي لا حق لها في نظرهم في التعايش معهم بعد فشلهم في وقف انتشار الدين الإسلامي فيها.

في الوقت الذي بدأ بعض المتعقلين من الغرب ينتبهون من غفوتهم ويرفضون اطروحات هنتجتون العنصرية، وبدأ نجم المحافظين الجدد في الأفول بعد سقوط الجمهوريين في الولايات المتحدة، واتجهت دول إسلامية مهمة نحو توثيق روابط الحوار، في هذا الوقت بالذات، يجدد اليمينيون المتطرفون في الغرب نشاطهم في تأجيج أوار الكراهية ضد الإسلام والمسلمين.

ولكن ينبغي على المثقفين المسلمين بما لهم من مسؤولية جسيمة في توصيل رسالة الإسلام وحضارته إلي العالم السعي، بالمقابل، لإفشال مخططات اليمينيين المتطرفين، وذلك بالتعامل مع القضية تعاملا عقلانيا يُظهر لغالبية السويسرين المغترين خطأ موقفهم وقبحَ نوايا المتطرفين ويفسح الطريق لمواصلة الحوار بين الأديان والثقافات، وبهذا نقدم للإسلام خدمة جليلة، نسأل الله أن يوفقنا لذلك!.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
سام بوسو عبد الرحمن

(١) انظر موقع wikipedia.org
ولمزيد من التحليلات انظر في مرصد الأديان http://religion.info/french.shtml

الأربعاء، 11 نوفمبر، 2009

اللاعنف في تعاليم الشيخ الخديم *

اللاعنف في تعاليم الشيخ الخديم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في هذا اليوم ١١ نوفمبر يحتفل بعض المريدين بذكرى عودة الشيخ الخديم من منفاه سنة ١٩٠٢، ويتردد كثيرا في هذه المناسبة الحديث عن الدرس الذي قدمه الشيخ للبشرية عن العفو والدفع "بالتي هي أحسن"، وفيما يلي نص المحاضرة التي ألقيتها بتاريخ ١١ نوفمبر ٢٠٠٣ ضمن فعاليات الاحتفال بالذكرى المئوية لهذا الحدث في داكار بعنوان "اللاعنف في تعاليم الشيخ الخديم (ض)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته ومن ولاه
إن الله سبحانه وتعالى جعل حياة الإنسان ابتلاءا يقول تعالى : " الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا " [الملك ،٢)
وما زال هذا الإنسان، منذ هبوط أبيه آدم إلى ظهر هذه البسيطة، تتعرض لأزمات ومشكلات تكدر صفو حياته وتقطع عرى تماسكه وتهدد أمنه وسلامته، مثل مشكلات الفقر والنزاعات والصراعات العنيفة.
ومن فضل الله وحكمته أنه ما زال يبعث رسلا يهدون الناس وسط تلك الغابة من الظلمات بنور تعاليمهم الإلهية، إلى أن ختم هذه الرسالات برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن مزايا هذه الأمة أن مَنَّ الله تعالى عليها بمجددين يجد الناس في حياتهم وتعاليمهم حلولا شافية لمشاكلهم ويسترشدون بهديهم إلى سبل النجاة عند اشتداد الأزمات .
ومن هؤلاء المجددُ الفذ خديم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نجد في تعاليمه أفضل الأجوبة لما يعانيه المجتمع بصفة خاصة والجنس البشري بصفة عامة .

وسنحاول في هذه العجالة أن نتعرف على موقفه تجاه واحدة من أكثر المشاكل تعقيدا وأكثرها تهديدا لحياة الإنسان ألا وهي: مشكلة العنف وما قدمه من حلول لاستئصال هذا الداء .
فقبل مارتين لوتر كنج ومهاتما غاندي المشهورين بترويج فكرة " اللاعنف " لدى الغرب، فقبلهما بقرون عديدة جاء الإسلام بمبادئه السامية في ترسيخ السلام والأمن في المجتمع الإنساني وجاء شيخنا الخديم ليقدم ترجمة حية وتطبيقا واقعيا لهذه المبادئ وهذا ما نريد توضيحه.

وسنحاول استعراض مفهوم اللاعنف في الفكر الغربي ثم في الفكر الإسلامي قبل أن نبين كيف جسد الشيخ هذا المبدأ في أجمل صوره وأسمى معانيه، سائلين الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا ويبارك خطواتنا إنه سميع قريب مجيب الدعوات .

  • اللاعنف في الفكر الغربي:
في الثقافة الغربية عندما تذكر فكرة اللاعنف (non-violence ) يراد بها الموقف المتمثل في مكافحة الظلم بدون اللجوء إلى القوة (l'attitude qui consiste à combattre l'injustice sans avoir recours à la force) ويعرفونها بالمذهب الذي يوصى بتجنب استعمال العنف في العمل السياسي مهما كانت الظروف (doctrine qui recommende d'éviter la violence dans l'action politique en toute circonstance) .
و عند مفكرى الغرب، يعتبر الهندي" مهاتما غاندي " (1868 – 1948) أكبر مُنظر وممثل لهذه الفكرة كخطاب سياسي وكخطة استراتيجية للمقاومة؛ وبالنسبة لغاندي فاللاعنف هو القدرة على قطع سلسلة " العنف ضد العنف " وقد استعمله في مقاومته للاحتلال البريطاني للهند .
ويعتبر مارتين لوتر كينج ( 1929 – 1968 ) من منظري فكرة اللاعنف ، وقد كان مناضلا من أجل حماية ورعاية حقوق الأمريكان السود واندماجهم في المجتمع الأمريكي المتعصب في عنصريته للبيض آنذاك.
وكلا الشخصين استعملا "اللاعنف" كاستراتيجية فعالة لتحقيق مكاسب سياسية واجتماعية. ومهما كان نجاحهما السياسي والاجتماعي، فقد ماتا مقتولين ووقعت بعد وفاتهما أعمال عنف جسيمة راحت ضحيتها عديد من الأرواح.

ففكرة اللاعنف إذن دخيلة في الثقافة الغربية فهي معزوة إلى رجل شرقي وآخر من أصل إفريقي ، أما المعروف لدى الغرب فهو استعمال العنف والاضطهاد والغزو متى دعت إلى ذلك مصالحهم . والشواهد على ما ذكرنا لا تحصى ابتداء من الحروب الصليبية إلى السياسية الاستعمارية والتوسعية مرورا بالحربين العالميتين إلى جانب ما ينفق الآن من مبالغ مذهلة وخيالية لإنتاج أسلحة فتاكة ، فالعلاقات عندهم مبنية فقط على موازين القوى (rapport de force ) لا غير .
وحين يرى الفكر الغربي اللاعنف كمجرد خطاب سياسي وإستراتيجية للمقاومة فالإسلام ينظر إليه بعيون مختلفة .

  • اللاعنف في الفكر الإسلامي.
إن رسالة الإسلام من أساسها رسالة سلام ورحمة للبشرية جمعاء يقول تعالى مخاطبا لرسوله: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " [ الأنبياء 107].
ومن أهم مقاصده المحافظة على الأمن والاستقرار على ظهر البسيطة لكي يتمكن الإنسان من القيام بمهمته الأساسية. والعلاقات الإنسانية في المنظور الإسلامي مبنية على مبادئ السلم والسماحة والاحترام المتبادل لا على منطق القوة والسيطرة والعنف ، سواء كانت بين المسلمين أنفسهم أو بينهم وبين غيرهم .


العلاقة بين المسلمين :
فقد رفع الإسلام الأخوة الإيمانية إلى منزلة أعلى من أخوة النسب يقول تعالى " واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخوانا [ آل عمران 103] ويقول تعالى " إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم [ الحجرات 10 ].
وجعل من شروط كمال الإسلام لدى المرء سلامة المسلمين من شره، ووصل إلى حد النهي عن الإشارة إلى المسلم بالسلاح ولو على سبيل المزاح.


العلاقة بين المسلمين وغيرهم:
وفي تنظيم علاقة المسلمين بغيرهم وضع الإسلام قاعدة أصيلة وهي السلم والاحترام والبر وعدم الاعتداء، يقول تعالى " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم [ الممتحنة ] ويقول جل وعز " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله . [الأنفال 6 ]" فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم من سبيل [ النساء 90].

والإسلام أعطى للإنسان حقا شرعيا في رد المعاملة بالمثل كما قال تعالى " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم "[ البقرة 194]. لكنه فضل العفو والإحسان إلى المسيء يقول تعالى في محكم تنزيله " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن "[ فصلت 34] "ادفع بالتي هي السيئة " [ المؤمنون 96] فاصفح عنهم وقل سلام " [ الزخرف 89] إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفو عن سوء فإن الله كان غفورا قديرا " [ النساء 149].

ومن أهم المبادئ التي أرسخها الإسلام ويدل على سماحته مبدأ حرية العقيدة وحق الإنسان في الاختلاف دون أن يمس بأي أذى أو يحاسبه أحد غير خالقه، يقول تعالى " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر [ الكهف 29 ] لا إكراه في الدين " [البقرة ]وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون [ الحج 68 ].

ولم يكتف الإسلام بذلك بل وضع قيما تحقق السلام وتضمن الأمن وتبعد خطر العنف ومن أهم هذه القيم :
  1. العدالة وعدم حرمان ذوى الحقوق من حقوقهم يقول تعالى " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " [ النساء 85 ].
  2. التعارف والتعاون وإزالة الحواجز المصطنعة بين الطبقات وبين والشعوب ، يقول تعالى " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم "[ الحجرات 13] " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا " [ البقرة 29 ] لكي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم " [ الحشر 7].
  3. الاحترام المتبادل وعدم احتقار أحذ بسبب جنسه أو لونه أو نسبه يقول تعالى " ولقد كرمنا بني آدم " [ الإسراء 70 ] وقال سبحانه " يا أيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من قوم ولا نساء من نساء عسى أن يكونوا خيرا منهم " [ الحجرات 11].

فهذا هذا هو الإسلام بمبادئه السمحة ، وإن كان واقع المسلمين في بعض الأحيان وفي بعض المناطق، يعكس صورة مخالفة لأسباب متعددة، والشيخ الخديم رضي الله عنه قد جسد هذه المبادئ في أروع صورها فكرا وعملا وبشكل لم يشهد التاريخ مثله .

  • الشيخ الخديم رضي الله عنه واللاعنف
فالشيخ الخديم رضي الله عنه، تجسيدا لروح الإسلام وتعاليمه السامية، تبنى في جميع مراحل حياته مبادئ السلم واللاعنف بصورة إيجابية ناجعة، وقد تجلى ذلك في كتاباته ومواقفه العملية، كما سنوضحه على الأوجه التالية .

أولا : بين أن الهدف الأساسي لمهمته ورسالته يكمن في تجديد الدين وإنقاذ الناس من براثن الجهل وحماية قومه وتحريرهم من جور الملوك الطغاة وسيطرة المستعمرين الغزاة، يقول رضي الله عنه :
دين سوى إسلامه لا يحمد ** عند الإله وبه نجدد
ولكن الشيخ أراد واختار أن يكون جهاده لتجديد الدين وإنقاذ قومه جهادا سلميا لا يرافقه عنف ولا ألم ولذا يقول في ابتهالاته ومناجاته في قصيدة "جذب القلوب" :
بعد صلاة لا تزول ** بالآل والصحب العدول
وبي جدد السبيل ** بــــلا عـــــــدى أو ألـم
وفي [ مواهب النافع ]
أصلحت حالي ** بلا ارتحــــــالي ** بي اهد عيالي ** بــــلا بكــــــاء

ثانيا: استعمل الشيخ في جهاده الوسائل الأكثر فعالية وانسجاما مع روح الإسلام ومنها إعداد الأجيال وتزويدهم بسلاح العلم والإيمان ومكارم الأخلاق، ويقول في رده البليغ على اتهامات السلطات الاستعمارية في قصيدة "يا جملة"

أخرجتموني ناطقين بأنني ** عبد الله وإني لمجــــــــــاهد
ومقالكم إني أجاهد صادق ** إني لوجه الله وإنني لمجاهد
إني أجاهد بالعلوم وبالتقى ** عبدا خديما والمهمين شاهد

وقد أكد التاريخ أن هذه الوسائل هي أنفع وأنجع للإسلام والمسلمين لأنه ظهر جليا أن الأمم تتسابق ويتفوق بعضها على بعض بالعلم والسلوك، ولذا تركز اهتمامها على سياساتها التربوية، وقد اعترف الآن منظرو الحركة الإسلامية الإصلاحية بأولوية الجهاد الأكبر على الجهاد الأصغر : أولية التربية على الجهاد بالأسلحة. ( راجع فقه الأولويات للعلامة الدكتور يوسف القرضاوي)

وهكذا أوضح الشيخ منذ البداية أن استعمال العنف لا يدخل بأي حال من الأحوال ضمن مشروعه التجديدي.

ثالثا: جاوز الشيخ نبذ العنف في مقاومته وجهاده، وقدم درسا أو نموذجا فريدا في مقابلة العدوان بالعفو، والعداوة بنية الخير؛ فبعد كل ما تعرض له من أنواع الظلم والتعذيب والتغريب كان رده:
"عفوت عن الأعداء طرا لوجه من نفاهم لغيري سرمدا لست أدفع
عفوت لوجه الله مع صفو كلكلي ......

وقال في " المجموعة”:" السلامة في نية الخير وقوله وفعله، ومن وجَّه الخير إلى مسيء فإن الخير يرجع إليه "

وقد ذهب الشيخ إلى أبعد من ذلك، ففي الوقت الذي يضع أعدائه الخطط لتفتيش منزله في دار المنان واعتقاله من جديد – حوالي 1902 - كان الشيخ يكتب قصيدة ابتهال عجيبة، مقيدة بحروف "رحمن رحيم" يقول فيها داعيا لجميع الخلق :
رحمن هب لجميع الخلق رحمة من ** يغني عن الشر من قرآنه قـــرءا
يا مالك الملك يا من جل عن قود ** ارحم جميع الورى يا هاديا ردءا

رابعا : لم يفرق الشيخ، في نيته للخير، بين أتباعه وأعدائه نراه يدعو كثيرا أن ينفع الله به جميع الورى ، يقول :
اجْعل حياتي نفعَ أهل زمَني ** وغيرِهم ولي كن بأمَـــــــــــــن
وفي قصيدة أخرى [ وكان حقا]
لي أوْصِل الذي أريدُ وانفَعِ ** بِيَ الورى يا مُغنيا عن مِدفع .
وفي قصيدة أخرى [ مطلب الفوزين ]
ولتكفني أذى جميع العالمين ** ولتكفهم أذايَ يا ربِّ أمين
وقد استجاب الله دعوته، فعبَّر عن ذلك بقوله
الله ينصرني والخلق تتبعني ** في البر والبحر ذا نفع بلا ضرر

ومن الجدير بالملاحظة أن الشيخ كان يربي أتباعه على هذا المنوال، يقول في إحدى رسائله :
"... وأمرت كل من يدَّعي أنني رئيسه بطاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام وأن يترك ما يكسر خواطر أهل الأرض وغيرهم فإن السلامة والعافية خير من عكسهما " [ المجموعة ].
وقد وصف الشاعر الأديب القاضي مجخت كلا السلوك المهذب المنقطع النظير لهؤلاء الأتباع وشجاعتهم وقوتهم في قصيدة رائعة منها :
مربَّون قد غضوا من أصواتهم غضا ** وأبصارهم حتى يُظنوا معا مرضـــــــى
إلى أن قال :
وتاللــــه لو أن الــمربيَّ قـــــــــــادهم ** لينفوا عن الأرض العدى زلزلوا الأرضا

خامسا: إذا دققنا النظر سنجد أن موقف الشيخ في نبذ العنف وعدم اللجوء ولو مرة إلى استعمال السلاح مبني على أساسين :
إيمانه الراسخ وثقته الكاملة بمعية الله ودفاعه وحمايته قال الله تعالى " إن الله يدافع عن الذين ءامنوا " [ الحج 38 ] وقال "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " [النساء 141] وكان حقا علينا نصر المؤمنين" [ الروم 47].
ولذلك قال الشيخ
بِرازُ من بارزَني برازُ من ** يُبارز المنتقمَ الباري الزمن
وقال أيضا
علمتُ يقينا أن مولاي كان لي ** وأن المقفي من قلاني يردع.

تجرده الكامل من حب الدنيا واعتلاؤه على اهتمامات أعدائه الدنيوية؛ فقدكان من دعواته قوله:
وأن أكونَ على الأعداء معتليا ** حتى لي انقادت أشرارٌ واخيار

فالشيخ كان بعيدا كل البعد عن سفاسف الأمور التي كانت تهم السلطات المستعمرة وعملاءها، بل كانت غايته أن يسود الاستقرار والسلام حتى يتسنى للإنسان أن يعبد ربه بحرية وأمان .

  • الخاتمة: اللاعنف في حياتنا المعاصرة
بعد مرور أكثر من مائة سنة من ترسيخ الشيخ مبادئ السلم واللاعنف في مجتمعنا السنغالي ما زلنا نلمس آثار هذه المبادئ في حياتنا السياسية والاجتماعية.
وإذا كان المجتمع السنغالي يتمتع بنسبة من الاستقرار فإن ذلك يرجع إلى حد كبير إلى تعاليم شيخنا الخديم رضي الله عنه.
فكثيرا ما نسمع سياسيا كبيرا أو نقابيا، بعد تعرضه لعملية اعتقال أو حبس، يصرح بأنه يعفو عمن ظلمه ولا يسعى إلى الانتقام إقتداء بالشيخ الخديم .
ومع ذلك لا ننكر أنه في بعض الأحيان يهيج الغضب بعض الأتباع نحو استعمال العنف ولكن هنالك دائما من يسكن سورة الغضب ويعيد الناس إلى رشدهم ويذكرهم بمبادئ الشيخ.

وفي هذه الظروف التي ثبت فيها أن العنف لا يُولد سوى العنف المضاد ، وأن الحل في النزاعات لا يأتي عن طريقه ، ينبغي أن نتمسك بهذه التعاليم ونحافظ على الاستقرار في مجتمعنا ثم نسعى لنشرها في العالم .
ففي الوقت الذي ينادي فيها مفكرون كبار بفكرة " صدام الحضارات " فلنحاول نحن أن نثبت للعالم إمكانية أن يسود السلام والأمن إذا نوى كل إنسان خيرا لأخيه الإنسان مهما اختلفا في العقيدة أو في الجنس أو في الحضارة .

وختاما نؤكد بأن مبدأ اللاعنف – عند الشيخ – لا يعني الانهزامية أو التخاذل والسلبية بل يعني فيما يعنيه :
  1. العمل على إزالة دواعي العنف في المجتمع .
  2. تربية النفوس وضبطها .
  3. القدرة على تجاوز الأزمات الطارئة وحلها بالحكمة

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

البصوبي سام عبد الرحمن
دكار في 11 نوفمبر 2003 .

* محاضرة ألقيت ضمن فعاليات الذكرى المئوية لرجوع الشيخ الخديم (ض) الله عنه من منفاه بغابون في المركز العالمي للتجارة بداكار

الأربعاء، 28 أكتوبر، 2009

مع الشاعر الكبير الشيخ إبراهيم جوب المشعري في مطلع قصيدته*


بقلم / سام بوسو عبد الرحمن

***
يقول الشيخ إبراهيم جوب في مطلع قصيدة يمدح بها الشيخ أحمد بامبا:

مَا لِي لِبَغْدَادَ شوقٌ لَا وَلَا "فَــــاسِ"
إِنِّي برُؤْيَا "جُلُفْ" قدْ بعْتُ أنفاسي



في هذا البيت المفعم بالمعاني، يرمز الشاعر إلى تحوُّل عاطفي وروحي عميق هزَّ كيانه هزًّا قويا، بسبب انتقاله من الانتماءات التقليدية وانضمامه إلى دعوة جديدة قريبة منه، دعوة الشيخ أحمد بامبا التجديدية. فأكد في البيت قناعته واكتفاءه بهذا الارتباط الروحي الجديد بالشيخ الخديم ـ رضي الله عنه ـ وعدم حنينه أو تطلُّعه إلى ارتباطات أخرى.

وقد وظَّف الشاعرُ براعتَه الأدبيةَ في تصوير هذا المعنى بشكل رمزي لطيف ووجيز، حيث نفى اشتياقَه إلى "بغداد" موطن الشيخ عبد القادر الجيلاني أو إلى "فاس" مزار الشيخ أحمد التيجاني ـ رضي الله عنهما ـ ، ولا غرو في ذلك! فقد أصبح بقلبه وقالبه مبايعا ومنقادا لنزيل "جُلُفْ2" الشيخ أحمد بامبا مؤسس الطريقة المريدية.

وفي الحقيقة، تمكَّن شاعرُنا بدقة تعبيره من إبراز معانيه بقوةٍ وحزمٍ، ولم تَطْغَ هذه القوةُ ولا هذا الحزمُ على رقة المشاعر وجمالها: فتكرارُ أداةِ النفي (ما، لا ولا) يعكسُ حرصَه على توكيد النفي وعدم تردده في الموقف، كما يتجلى صدقُ مبايعته في استعماله أداة التحقيق ( قد). وفي مقابلته بين نفي "شوقه" لبغداد أو لفاس، من جهة، وبين بيع "أنفاسه"، من جهة أخرى، إيحاءٌ إلى عدم معاناته لأي صراع نفسي أو عاطفي: فإنه بكل كيانه ووجدانه غارق في لج بحر الأنوار... فكيف يتشوق إلى ضوء النجوم بعد بزوغ الشمس!!

فبيت الشاعر، مع قلة ألفاظه، يُوحي إلى معانيَ أخرى عميقةٍ: ففي تعبيره ببيع الأنفاس إشارةٌ إلى حقيقة المبايعة الصوفية التي تقتضي الاستسلام والانقياد بين يدي الشيخ المربي؛ كما أنَّ في ذكر الأماكن، بغداد، فاس، جُلُفْ على هذا الترتيب، وإسنادَ الشوق إلى الأولين والرؤيا إلى الأخير تلميحاً إلى بُعدهما مكانا وزمانا وقربِ الأخير في المسافتين، لأن الشوق للبعيد والرؤيا للقريب؛ فكأنَّ صاحبَنا يريدُ إعطاءَ تبرير منطقي ملموسٍ لانتمائه الجديد: فما صدر عن مشاهدة "رؤيا" أقوى بكثير مما صدر عن مجرد الـ"شوق".

إن البيت يرمز ـ في التحليل الأخير ـ إلى حقيقة الجدلية والأزمة الروحيتين المتمخضتين عن تزعزع المسلمات واهتزاز المرتكزات الدينية والفكرية السائدة في ذلك العصر بسبب ولادة الحركة الإصلاحية المعروفة بالمريدية، في الوقت الذي كانت المدرستان القادرية والتيجانية تتقاسمان فيه السواد الأعظم من العلماء والمتدينين في أفريقيا الغربية.

وكأنَّ شاعرنا يمثُّل الفرقة المثقفة التي تخلت عن انتمائها القديم وانضمت إلى الدعوة الخديمية قلبا وقالبا، دون مواربة، وخدمتها خدمة جليلة.

وأخيرا، وضع الشيخ إبراهيم المشعري، بهذا البيت الرائع البليغ، حلا حاسما ونهائيا لذلك الصراع الداخلي الذي كان يساور العديد من النخبة المثقفة وعلماء الدين في تلك الفترة المضطربة دينيا واجتماعيا وسياسيا.

الثلاثاء، 27 أكتوبر، 2009

مناهجنا التربوية ... دراسة نقدية

ورقةٌ قدمت في
الدورة الشرعية السادسة بـ"مباكي - طوبي"
من ٨ إلي ١٨ أغسطس ٢٠٠٨


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
تقديم
تحتل التربية مكانة مركزية في حياة المجتمعات البشرية، باعتبارها الوسيلة الأساسية لنقل قيمها وثراثها ولتكوين نشئها وإعداده ليكون قادرا على التكيف والتكييف والمساهمة في تنمية المجتمع تنمية شاملة.
ويُعد المنهج التربوي المحور الرئيس في العمل التربوي والعنصر الأساس من بين عناصره الأخري كالمعلم والتلميذ والمرافق؛ وهنا تكمن أهمية دراسة المناهج التربوية ونقدها بشكل مستمر لتظل دينامكيا وقادرا عل مواكبة التغيرات الثقافية والاجتماعية والتقنية المتلاحقة لهذا العصر.
وفي هذه الورقة حول موضوع " مناهجنا التربوية.. دراسة نقدية " سنكتفي بمؤسسات التعليم العربي الأسلامي، وسنحاول استعراض مناهجها بهدف إعطاء فكرة عن مميزات هذه المناهج وبعض جوانب النقص فيها واقتراح خطوات لتحسينها، حسب الخطة التالية:
ـ تمهيد لتوضيح المفاهيم،
ـ نبذة تاريخية وجيزة عن المناهج التربوية،
ـ استعراض المناهج التربوية المطبقة في مدارسنا العربية الإسلامية،
ـ ملاحظات نقدية حول تلك المناهج،
ـ اقتراحات لتحسين المناهج،

تمهيد
توضيح المفاهيم
يجدر بنا قبل الخوض في الموضوع أن نوضح مفاهيم بعض المصطلحات التي استعملناها في هذه الورقة.
- المناهج :
اصطلح المربون على أن للمنهج مفهومين تقليدي وحديث:
أ) المنهج حسب المفهوم التقليدي عبارة عن مقرر دراسي موضوع بشكل مواد دراسية تتوزع محتوياتها بالتفصيل علي الصفوف المختلفة، ويدرسها التلاميذ داخل الصف استعدادا للامتحان [ علم التربية التطبيقي]
ب) المنهج حسب المفهوم الحديث تخطيط للعمل البيداغوجي أكثر اتساعا من المقرر التعليمي، فهو لا يتضمن فقط مقررات المواد بل أيضا غايات التربية وأنشطة التعليم والتعلم وكذلك الكيفية التي سيتم بها تقويم التعليم والتعلم [ معجم علوم التربية]
ومصطلح المنهاج curriculum في استعماله الفرنسي " خطة عمل تتضمن الغايات والمقاصد والأهداف المقصودة والمضامين والأنشطة التعليمية، وكذا الأدوات الديدكتيكية، ثم طرق التعليم وأساليب التقويم."
والمناهج التربوية في السنغال غابة واسعة، وهي متعددة ومتنوعة حسب تعدد المؤسسات التعليمية وتنوع وضعياتها وتوجهاتها، ما بين تقليدية وحديثة، نظامية وغير نظامية حكومية وأهلية، وما بين علمانية ودينية . فمن باب المستحيلات التعرض لها جمعاء في إطار هذه الدراسة، ولذا نقتصر بمناهج مؤسسات التعليم العربي الإسلامي.
- دراسة نقدية:
سنكون طموحين أكثر من اللازم إن أرادنا إجراء درسة نقدية حقيقية في هذه الورقة، لأن ما تتطلبه هذه العملية من البحث والإجراءات المنهجية، وما تستلزمه لكي تتسم بالمصداقية من التخصص والخبرة، لا تتوفر لدينا، ومن هنا نكتفي باستعراض مناهج مؤسسات التعليم العربي الإسلامي ، لاكتشاف مميزاتها وتقديم ملاحظات نقدية حولها، حسب معايير المنهاج بمفهومه الحديث، بهدف فتح باب للإصلاح والتحسين في إطار امكانياتناالمتاحة وظروفنا الواقعية.

I)نبذة تاريخية عن مناهج مؤسسات التربية الإسلامية في السنغال

ا) التعليم العربي الإسلامي التقليدي " المجالس "
إن عملية التربية لا تخلو من منهج يسلكه الفرد أو المجتمع فيها، سواء أكان صريحا موصوفا ومخططا أم متبعا بدون تصريح. وقد عرف السنغال منذ دخول التعليم العربي الإسلامي مع دخول الإسلام فيه مناهج أوبرامج تعليمية في مؤسسات تطلق عليها " المجالس "أو "دار"
وكانت لهذا التعليم العربي الإسلامي برامج ومناهج تعليمية خاضعة لشروط ومعايير خاصة حسب المواد والكتب المدرسية.
ومنهج الفقه يبدأ من كتاب الأخضري لمؤلفه عبد الرحمن الأخضري (تـ 983هـ) وينتهي في الغالب إلى الكتاب الموطأ لإمام مالك ابن أنس صاحب المذهب المالكي (تـ 1142هـ)، ويكمل الطالب دراسته الفقهية بكتاب أصول الفقه الذي ألفه تاج الدين السبكي (تـ 1370 هـ).
وأما منهج النحو فيبدأ من كتاب أجرومية المنسوب إلى مؤلفه محمد بن محمد الصنهاجي الأجرومي المشهور بأبي عبد الله (تـ 1323 هـ) وينتهي إلى كتاب ألفية بن مالك وهو منظوم شعري يصل إلى ألف بيت لمؤلفه محمد جمال الدين المكني بأبي عبد الله والمشهور بابن مالك (تـ 1273 هـ).
وتنطلق دراسة الأدب ابتداء من كتاب مقصورة ابن دريد لمؤلفه محمد بن حسن المشهور بابن دريد الذي ولد في بصرة بعراق و توفي فيها، وكانت هذه المدينة مشهورة بعلم النحو في تاريخ الأدب العربي وينتهي المنهج الأدبي إلى كتاب مقامات الحريري لمؤلفه القاسم بن علي الحريري المكنى بأبي محمد (تـ 516هـ).1 "
وقد اجتهد علماؤنا في إصلاح هذا البرامج التعليمية علي مر السنين بإعادة تأليف المضامين لبعض كتبها التعليمية شعرا ونثرا لتكييفها مع بيئتهم، ومن هؤلاء :
1. محمد جوب « مور خج كمب » صاحب المقدمة الككية في النحو ومعونة البليد في العروض.
2.القاضي مجخت كالا صاحب مبين الإشكال في العروض
3.الشيخ الحاج مالك سي صاحب الميمية الشهيرة في السيرة النبوية
4.الشيخ الخديم صاحب المولفات العديدة في التوحيد والفقه والتصوف والنحو
وما زالت هذه المجالس ببرامجها التقليدية، إلي جانب المعاهد التعليمية الحديثة، تستقبل الطلبة الذين يتخرجون من المدارس القرآنية .

ب)المدرس والمعاهد العربية الإسلامية الحديثة
وقد شهدت ساحة التعليم العربي الإسلامي تطورات هامة في القرن ٢٠ حيث ظهرت المدارس العربية الإسلامية الحديثة. وقد سعي أصحابها إلي إجراء إصلاحات في البرامج التعليمية وإدخال مواد تعليمية جديدة وتعديل الفضاء المدرسي ببناء الفصول وتجهيزها على غرار المدارس النظامية.
ومن أشهر تلك المدارس
1.مدارس حركة الفلاح التي أسسها الحاج محمود باه 2
2.معاهد الأزهر التي أسسهاالشيخ محمد المرتضى امباكي
3.معهد الدروس الإسلامية للشيخ أحمد امباكي
4.معهد الشيخ إبراهيم نياس
5.معاهد جماعة عباد الرحمن
وهذه المؤسسات - وهي التي تعنينا في هذه الدراسة - تتبنى مناهج تربوية وأساليب تدريسية تعتبر حديثة بالمقارنة مع المناهج والأساليب التقليدية.
ومناهجها متقاربة من حيث البنية والمحتوي وإن اختلفت من الحيث المصدر والمرجعية؛ ولها قواسم، أو مميزات مشتركة نتناولها في الآتي بشكل وجيز. 

II) استعراض المناهج التربوية المطبقة في مدارسنا العربية الإسلامية
أولا: الأرضية الفلسفية
تنطلق هذه المناهج، وإن بشكل ضمني، من مبدأ نقل التراث الثقافي الإسلامي، بما فيه من عقيدة وقيم سلوكية وأحكام ومعاملات إلى الأجيال الناشئة، وتزويدها بمبادئ العلوم الاجتماعية والطبيعية، بغاية تحقيق الجمع بين عبادة الخالق سبحانه وتعالي وعمارة الأرض.
ثانيا: الأهداف العامة
تتمحور الأهداف المعلنة لهذه المناهج حول:
تربية أبناء المسلمين تربية إسلامية
غرس العقيدة الإسلامية الصحيحة
محاربة الجهل ومحو الأمية
محاربة البطالة
ثالثا المحتويات
المحتويات في هذه المناهج عبارة عن مواد مقررة وموضوعات موزعة علي المراحل وعلى مستويات كل مرحلة، وأحيانا على شكل كتب تعليمية أو أجزاء من كتب معتمدة من قبل مؤسسات تابعة لدول عربية كالمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر والمملكة المغربية ودولة الكويت.
وتتفرع المضامين إلي الوحدات التالية في الغالب
1.وحدة اللغة العربية
2.وحدة المواد الدينية
3.وحدة المواد الاجتماعية
4.وحدة المواد العلمية
5.وحدة اللغة الأجنية بدرجات متفاوتة
رابعا: التصميم أو البنية
تقدم هذه المناهج على شكل وحدات تعليمية تتضمن المواد والموضوعات المقررة، ومدد الحصص المخصصة لكل مادة.
ولم يخرج عن هذا النمط البرنامج الذي وضعته اللجنة الوطنية لإعادة تنظيم التعليم العربي الحر في السنغال غير أنه تضمن بعض توجيهات منهجية حول تدريس المواد وإشارات إلى الأهداف في بعض الأحيان.

III) ملاحظات نقدية حول المناهج:
حول الأرضية الفلسفية:
إن النوايا المعلنة لهذه المناهج نوايا حسنة ومقبولة ولكنها لا تصاغ بشكل متماسك ومنسجم، ونادرا ما تأخذواقع المجتمع بعين الاعتبار.
حول الأهداف العامة:
قلما تصرح بالأهداف في هذه المناهج وإن ذكرت فإنها تقتصر على مستوى الغايات والمرامي ولا تصف القدرات والمهارات والاتجاهات المتوقعة والنتائج المنتظرة على المدى المتوسط بالنسبة للمواد المقررة.
ولا تعير المناهج، في تحديد أهدافها، اهتماما كبيرا لتوقعات شرائح مهمة في المجتمع واهتماماته ( أصحاب الحرف والمهن الحرة ......)
حول المحتويات:
يلاحظ ما يلى حول المحتويات
التركيز الشديد على المعارف والموضوعات المدروسة باعتبارها غاية في حد ذاتها، مما يؤدي إلي تضخم في المقرر وصعوبة فهمه واستيعابه.
عدم ملاءمة الكتب المدرسية المقرر لبيئة التلاميذ في بعض الأحيان؛
غياب التماسك الداخلي لعدم تكامل المواد فيما بينها؛
قدم بعض المعلومات الوادرة في الكتب المقررة وخاصة في المواد الاجتماعية والعلمية
حول الطرائق البيداغوجية
من أهم ما يمكن أن تنتقد به هذه المناهج عدم وجود أي إشارة إلي طرق وأساليب تنفيذها في كثير منها، مع العلم بأن ذلك يعتبر جزءا لا يتجزأ من المنهح بمفهومه الحديث.
وفي الحقيقة، يرينا الواقع أن طابع التلقين والتحفيظ هو الغالب في هذه الطرائق كما أنها تغفل إلى حد كبير عن النواحي الفنية والجسمية والاجتماعية.
حول أساليب التقويم
أساليب التقويم غير محددة في هذه المناهج ولكن الممارسة تسفر عن ضعف عملية التقويم، فهي عبارة عن اختبارات وامتحانات قلما تكون موضوعا للتحليل والدراسة وسببا في اتخاذ قرارات تصحيحية.
وعلي الرغم من الانتقادات التي توجه إلى مثل هذه المناهج فإنها ما زالت حاضرة في المؤسسات التعليمية على مستوى العالم وتخرج فيها علماء كبار، إلا أن التغيرات السريعة التي تطرأ علي المجتمعات هي التي تفرض إجراء تعديلات وتحسينات على المناهج التربوية لـتكون قادرة على تلبية الاحتياحات المختلفة للمجتمع.

IV) اقتراحات للتحسين
تواجه مؤسساتنا التربوية تحديات عديدة من الناحية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية؛ وهذه التحديات تفرض على هذه المؤسسات اتخاذ إجراءات إصلاحية على جميع المستويات :المستوي الإداري والتنظيمي، المستوى البيداغوجي...
وفي هذا الصدد نقدم الاقتراحات التالية فيما يخص المناهج:

ـ إعادة النظر في الأهداف التربوية من حيث المحتوى والصياغة، للأخذ في الاعتبار هموم المجتمع وتوقعاته ومشاكله ولمراعاة البيئة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، على المستويين المحلي والعالمي.
ـ تكييف المحتويات لتوائم بيئة التلاميذ وترتبط بمحيطهم، وتراعي مستوياتهم العقلية والجسمية؛
ـ الاهتمام بطرق التدريس وبالوسائل التعليمية وبالأنشطة التعلمية التي تنمي قدرات التلاميذ العقلية والجسمية؛
ـ إعادة النظر في أساليب التقويم لكي يساهم في تحسين العملية التربوية.

ومن أجل تنفيذ هذه المقترحات يتعين :
ـ تشكيل لجان متخصصة تعنى بمراجعة المناهج وتحسينها بشكل مستمر،
ـ وضع برامج تكوينية لتعزير قدرات المعلمين والإداريين في المؤسسات التعليمية.


خاتمة
هذه نظرات حول مناهجنا لم تصل إلى مستوى دراسة نقدية ولكنها قد يفتح شهية من يريد إجراء دراسة حقيقية في هذا المجال. وقد ركزنا- كما لاحظتم- على مناهج التعليم العربي الإسلامي، ولم نتطرق إلى المناهج الأخري كالمناهج المزدوجة التي تسعى إلي إدراج مناهج التعليم الفرنسي الرسمي لتمكين تلاميذها من المشاركة في امتحانات الحكومية، وذلك لضيق حدود هذه الورقة.


وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.
والسلام عليكم


سام بوسو عبد الرحمن 
مفتش التعليم العربي بأكاديمية تياس
تياس ١٢ أغسطس ٢٠٠٨

الثلاثاء، 13 أكتوبر، 2009

من شعر الشيخ عبد الرحمن بوسو (سرين دام امبَر)


هذا الديوان جمعناه من شعر والدنا الشيخ عبد الرحمن بوسو، ( رضي الله عنه وجزاه خيرا) وفيه قصائد يمدح فيها أهل الشيخ الخديم وأخرى تتعلق بموضوعات إجتماعية وأخرى تتضمن إبتهالات.
نود مشاركته معكم.
ويمكنكم تحميله من هنا

الثلاثاء، 1 سبتمبر، 2009

ركعتا الشيخ أحمد بمب في مكتب الحاكم باندر مغزى ودروس *

يعتاد المريدون في مثل هذه الأيام الاحتفال بذكري حدث تاريخي وديني يتمثل في قيام الشيخ الخديم بأداء ركعتين في مكتب الحاكم الفرنسي بمدينة اندر (سانت لويس) في اليوم الخامس من سبتمبر ١٨٩٥م قبيل محاكمته. وتُعتبر هذه الواقعة سابقة تاريخية لها دلالات وأبعاد كبيرة بالنظر إلى ما كانت تتمتع به السلطة الفرنسية المستعمرة من الهيبة أمام أعين الأفارقة، ولما كانت تشتهر به من ممارسات ترهيبية ضد الشيوخ المسلمين.

مغزى الركعتين :

إن ركعتي الشيخ داخل مكتب الحاكم العام للمستعمرة الفرنسية بمدينة اندر لحدث تاريخي جلل له دلالات عميقة حسب منطق الإنسان العادي الذي يحلل الأحداث تحليلا تاريخيا ضمن سياقه الاجتماعي والسياسي، لاشك في ذلك ؛غير أنه لا تعتبر هذه الواقعة أمرا غير عادي بالنظر إلى رؤية الشيخ ومنطقه ومبادئه.
فالشيخ الخديم في حقيقة الأمر، منسجم مع نفسه في كتاباته وتعاليمه وحياته العملية ولا تخالف أفعاله أقواله.وقد أوضح منذ بداياته إعراضه عن الدنيا وإقباله إلى الله وتوكله عليه يقول  رضي الله عنه:
        قالوا اركن لأبواب السلاطـــين *** تحز جوائز تغني كــلـما حـــــــين
        فقلت حسبي ربي واكتفيـت به *** فلستُ راضيَ غير العلم والـديـــن
       فلست أخشى ولا أرجو سوى ملكي*** لأنـــه جل يغنــيني وينحيـني
وكتب بعد ذلك في مسالك الجنان "
      وكل ما أصابنا لم يكن *** يريد أن يخطئنا في الزمن
      وكل ما أخطأنا لم يكن *** يريد أن يصيبنا من محن
        فثق به ثم عليه اتكـلا *** وعنك دع تذبذبا ووجــــــلا
كان الشيخ يعيش في هذا الحال من التوحيد الرائع، فلم يكن يفرق بين السلاطين والسوقة، وقد اعتاد أن يصلي في أي محل نزل فيه ولا يميز في ذلك بين مكتب الحاكم أو منزل مريد من مريديه. 

دروس من الحدث

وعلى كل حال يرى المريون في هذه الحدث بعدا دينيا وتاريخيا ينبغي تخليد ذكراه على مر السنيين، وعلى هذا الأساس تعتبر المناسبة فرصة لتأمل هذا الواقعة ولاستخلاص دروس منها. ومما يمكن استفادته من دروس ما يلي:

أولا: أن التوكل على الله والثقة به هو الذي يعطي للإنسان حريته ، فإذا كان المؤمن متوكلا على الله حق توكله وواثقا به فإنه يتحرر من رق الخوف من 
غير الله تعالى كما يتخلص من عبودية غيره  كالمادة والهوى والجاه ، وقد يكون الإنسان في الواقع حرا تجاه الخلق ، ولكنه يظل عبدا لهواه أو لحب الجاه أو لشهوته ، يقول تعالى " أفرأيت من اتخذ إلهه وأضله الله على علم " [ الجاثية 23] وقال عليه السلام " ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى "

ثانيا : أكد الشيخ بفعله أنه يقابل مكائد المستعمرين وتهديداتهم وعنفهم بسلاح التقوى والتوجه إلى الله، وقد أثبت التاريخي أن الوسائل السلمية هي أفضل وسيلة إلى تحقيق الأهداف ، وقد قدم الشيخ هذا الدرس قبل مائة سنة قبل غاندي ولوثر بكثير.

ثالثا: من المعروف أن أكبر التحديات أمام أصحاب الثقافات والعقائد والتقاليد هي الاندماج في ما يسمى بالعولمة ومسايرة الاقتصاد العالمي دون الذوبان وفقدان الهوية .
وأفضل وسيلة لرفع هذا التحدي هو الدرس الذي قدمه الشيخ في رسوخ الإيمان بالله والثقة بالنفس وعدم الخوف والتردد أمام شرقي أو غربي ، والإيمان بعالمية عقيدته.
فهذه بعض من الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا الحدث التاريخي الذي يمكن أن يكون في المستقبل موضوع دراسة أوسع وأكثر عمقا .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
سام بوسو عبد الرحمن

هذا المقال ملخص من محاضرة ألقيتها حول المناسبة بمدينة سانت لويس بالولايات المتحدة الأمريكية يوم ٥ سبتمير ٢٠٠٤ حول مغرى الركعتين وبعض دروسهما.

الخميس، 30 يوليو، 2009

كلمة وفد الطريقة المريدية في الملتقي الصوفي بمراكش، المملكة المغربية

نظمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، تحت رعاية جلالة الملك محمد السادس، اللقاء الثاني من " لقاءات سيدي شيكر للمنتسبين إلى التصوف" من ١٠ إلى ١٢ يوليو ٢٠٠٩.
وقد مثل الطريقة المريدية في هذا اللقاء وفد يتكون من السادة : شيخنا امباكي بن الشيخ محمد الأمين بار وسام بوسو عبد الرحمن ومرتضى بوسو إمام وعبد الصمد امباكي وعبد الأحد جن.
وباسم الوفد ألقيت كلمة وجيزة حول الطريقة المريدية ومؤسسها وذيلتها بسبعة أبيات مرتجلة عن اللقاء. وفيما يلي نص الكلمة مع الأبيات:

لحمد لله وحده ،والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛
معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية،
السادة أصحاب الفضيلة، مشايخ الطرق الصوفية.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أتناول الكلمة في هذه الجلسة الكريمة باسم الوفد القادم من مدينة طوبى، الممثل للطريقة المريدية في هذا اللقاء الميمون.
فالطريقة المريدية طريقة صوفية أسسها الشيخ محمد بن محمد بن حبيب الله المشهور بالشيخ أحمد بَمْبَا خدبم الرسول – صلى الله عليه وسلم – في نهاية القرن التاسع عشر في منطقة السنغال بأفريقيا الغربية.

وهي طريقة مبنية على أسس التوحيد والعبادة والتزكية؛ أي على الإيمان والإسلام والإحسان، يقول الشيخ :
أدعـو إلى الإلـه بالتوحـيد والفقه عن تصوف مجـيد

والتصوف عند الشيخ المؤسس هو العمل الخالص المبني على العلم الذي يثمر الصفاء وحسن الخلق
فالحاصل الصوفي عالم عمل بعلمه حقيقة ولم يمــل

وصار صافيا من الأكــدار ممتلئ القلب من الأنوار

وقد كانت لمنهج الشيخ الخديم في الدعوة والتربية آثارا قوية وعميقة في نفوس الشعوب أثارت حفيظة المستعمرين الفرنسيين، فاضطهدوه، ونفوه عن أرضه وأهله وأتباعه، فصبر وثابر، ولم يلجأ إلى استعمال العنف في مواجهتهم، بل تبنى جهادا سلمية، ومقاومة ثقافية. يقول في إحدى قصائده رادا على تهمة أنه يعد لجهاد مسلح :
إني أجاهد بالعلــوم وبالتقـي عبدا خديما والمهيمن شاهـد
ولذا، كان الشيخ سباقا إلى مبدإ اللاعنف، ولم يكتف بذلك بل عفا عن هؤلاء الذين اضطهدوه ونفوه، فقال:
عفوت عن الأعداء طرا لوجه من نفاهم لغيري سرمدا لست أدفع

ومن أبرز جهود الشيخ إلى جانب مكافحة الاستعمار سعيه لتوحيد المسلمين بقلمه وممارساته؛ فقد عمل على توحيد صف المسلمين، وتلاحم الطرق الصوفية من أجل تحقيق الغاية السامية المشتركة، يقول في كتابه (مسالك الجنان):
فكـل ورد يــورد المريـــــدا لحضـرة الله ولـن يحــيـــــــدا

سواء انتمى إلى الجـــيلاني أو انتمى لأحـمد التيجــاني

أو لسواهما مـن الأقطـــاب إذ كلهم قطعا على الصـواب

وباسم الطريقة المريدية يوجه الوفد الممثل لها برئاسة ابن الخليفة ومستشاره للشؤون الخارجية السيد شيخنا امباكي، شكرا جزيلا خالصا إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس – نصره الله – على رعايته السامية لهذا المؤتمر سائلا الله أن يجازيه عن الإسلام والأمة خير الجزاء. كما يتوجه بالشكر الجزيل إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على تنظيمها الناجح لهذا اللقاء الثاني من " لقاءات سيدي شيكر العالمية للمنتسبين إلى التصوف "، فهذا اللقاء يجسد ذلك الفكر الوحدوي لشيخنا أحمد بمبا الذي عبر عنه في الأبيات المذكورة سلفا.

وفي الختام أستسمحكم بأن أقرأ على أسماعكم أبياتا سبعة نظمتها عن هذا اللقاء الميمون تبركا بأولياء مراكش السبعة – رضوان الله تعالى عليهم، وهي:

لِقَاءُ أَحِبَاءِ الجَــلِيلِ ضُــــيُـــــوفِــــــــــهِ عَلَى أَرْضِ إِخْلاَصٍ وَحُبٍّ بِمَغْربِ
لقَاءٌ تَجَلَّتْ فِــــيهِ رُوحُ مَحـَـبَّـــــــــةٍ مِنَ المَلِكِ الرَّاعِي لأَهْلِ التَّــقَـرُّبِ
لِقَــاءٌ يُغَــذِّي قَلْبَ كُلِّ مُوَحِّـــــــــــدٍ يَرُومُ رضَى المَوْلَى بِكُلِّ تَــــــأَدُّبِ
لِقَاءٌ سَيُرْضِي اللهَ وَالْمُصْطَفَى النَّـبِي وَيُغْضِبُ شَيْطَانًا وَأَهْلَ التَّعَصُّـبِ
لِقَاءٌ يُجَلِّي قِيمَةَ الصِّـدْقِ وَالوَفـَــــا مَعَ الزُّهْـدِ وَالإِيثـَار دُونَ تَذَبْذُبِ
مَنـَارٌ لإِخْـوَانٍ لَهُمْ هِـمَـمٌ عَـــــلَـــتْ يَشـِـعُّ بِنُورِ اللهِ فِي كُلِّ مَـــــذْهَبِ
رَعَـى اللهُ مَـنْ يَرْعَـى لِقَاءَ مَـــــــوَدَّةٍ بِأَرْضِ رِجَـالٍ سَبْعَةٍ ذَاتِ مَنْصِبِ

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجمعة، 29 مايو، 2009

المريدية والسياسة ... نظرة مستقبلية

إن علاقة الطريقة المريدية بالسياسية تعتبر من القضايا التي حظيت بقدر لا بأس به من الدراسة والتحليل من المنظور التاريخي، ولكن مسألة العمل السياسي في إطار مشروع إستراتيجي خاص، لم تطرح كثيرا من قبل المريدين أنفسهم، وإن وُجد لدى بعضهم شعور بضرورة التحرك في هذا المجال. ومن هنا ينبغي طرح الخيارت المحتملة أمام المريدية في ظل الحياة السياسية الراهنة و التطورات الحالية.

ففي واقع الأمر، لم تكن المريدية، منذ ولادتها، بمعزل عن الحياة السياسية في السنغال؛ بل ما زال ولم يزل حضورها قويا في المسرح السياسي. بيد أنه لم توجد، بشكل جلي، مؤشرات تدل على وجود محاولات، أو نية مبية، لدى زعماء الطريقة، لتوصيل أبنائها إلى سدة الحكم أو لمزاولة السلطة بأنفسهم بصفة مباشرة؛ وإنما كانت لهم مواقف سياسية تمليها عليهم الظروف أوالأوضاع.

و قد اختلفت آراء المحللين في تقييم تلك المواقف؛ فمنهم من يرى لها مبررات مقبولة باعتبارها «مواقف تمليها المصالح الاستيراتيجية للسنغال وللمريدية »(الباحث شعيب كيبي، المريدية والسياسة، ٢٠٠٩)، ومنهم من يرى أن الساسة، في الحقيقة، هم الذين نجحوا أحيانا في استغلال نفوذ "الشيوخ" لخدمة مطامحهم السياسية دون أن يكون لهؤلاء تأثير حقيقي في القرار الساسي أو في توجهات الأنظمة الحاكمة. ومن المراقبين الأجانب من يعلل علاقة الشيوخ بالسلطة بالنفعية الآنية المتبادلة بين الطرفين، وخاصة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي (المريدون بين الطوباوية والرأسمالية، سوفي بافا و دانيال بليتراخ، لو موند دبلوملتيك، نوفمبر ١٩٩٥)

وفي السنوات الأخيرة، وبناء على التطورات الديمقراطية والتغيرات الطارئة في الحقل السياسي، لوحظت وجوه بارزة تنتسب للمريدية تتقلد مناصب عليا في الدولة ( رئاسة الدولة، رئاسة مجلس الشعب ومجلس الشيوخ، الوزارات ...)، كما بدأ المريدون العاملون في بعض الإدارات الحكومية يتحررون شيئا فشيئا من ربقة الخوف من إظهار هويتهم المريدية على الملأ.

ولكن وصول بعض أبناء الطريقة إلى مناصب عليا في الدولة، سواء كان بجهودهم السياسية الفردية، أو بمساعدة من زعمائها – وإن ساهمت في كسر بعض الحواجر المعنوية - لم يفد الطريقة إفادة كبيرة، في رأينا، لا من الناحية المادية، من حيث توفير أو تعزيز مؤسسات تربوية وثقافية واقتصاية واجتماعية، تجر النفع لأبناء الوطن بشكل عام وللمريدين بشكل خاص، وتسهم في إصلاح المجتمع، ولا من الناحية المعنوية، من حيث تجسيد قيم المريدية وتعاليمها عبر أعمالهم الإدارية وممارساتهم اليومية. وقد يتولد من ذلك إحساس لدى بعض المريدين بعدم جدوى تأييدهم لأشخاص يدعون التعلق بالشيخ الخديم دون أي التزام بتعاليمه، في سلوكهم ومعاملاتهم.

ومن ناحية أخرى، ظهر في موقف الخلافة المريدية، خلال العقدين الأخيرين، نوع من الحياد تجاه القوى السياسية المتنافسة التي كانت تسعى لخطب وُدها في المواسم الانتخابية، الأمر الذي أعطى انطباعا لعديد من الأتباع بأن لهم استقلالا كاملا في خياراتهم السياسية، في الوقت الذي ازدادت قناعاتهم بقوة تأثير أصواتهم الانتخابية؛ وأصبح الصوت الانتخابي سلاحا يُشهر أمام السلطات المنتخبة في حالة فشلها في إيجاد حلول مرضية للمشكلات الاقتصادية المعضلة.

وفي ظل هذه الظروف التي تبشر بمزيد من الانفتاح في المناخ السياسي، وتنذر في الوقت نفسه بمزيد من التأزم في الأوضاع الاقتصادية، وتشهد تفجر المعلومات بفضل التكنولوجيات الجديدة ووسائل الإعلام المختلفة، أصبح من اللازم، في نظرى، مراجعة علاقة المريدية بالسياسية ومحاولة تحديدها بشكل إجرائي.

وهنا تأتي عدة تساؤلات: هل تتبنى الطريقة موقف الحياد وعدم التدخل في الشؤون السياسية مع إطلاق سراح أتباعها للتحرك داخل الأحزاب السياسية المختلفة، حسبما تمليه عليهم مصالحهم وقناعاتهم الشخصية؟ أم تتدخل في الشؤون السياسية لتأييد الأطراف التي ترى في تأييدها مصلحة لأبنائها وللوطن فتساعدها بنفوذها وقوتها، على الوصول إلى السلطة أوالبقاء عليها؟ أم تسعى إلى المشاركة الفعلية في العمل السياسي بغرض توصيل أبنائها إلى مراكز اتخاذ القرار؟ أم ...أم ؟

ومهما اختلفت وجهات النظر حول هذه المواقف فإني أرى من الضروريات الملحة، في ظل هذا المناخ السياسي، أن يعمل المهتمون بالسياسة وبمستقبل البلد من المريدين على بلورة وصياغة رؤية سياسية استراتجية متميزة، واضحة المعالم والأهداف، مبنية علي أصول المريدية وتعاليمها، وذلك لعدة أسباب منها:

أولا: أن المريدية، بما فيها من تعاليم ومبادئ وقيم، يمكن أن تكون مرجعية لتحديد سياسات تربوية واقتصادية واجتماعية وبيئية تلبي مطالب المواطنين على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم، وتشكل أساسا لتنمية البلاد تنمية شاملة.

ثانيا: أن المريدية تزخر في المجالات المختلفة بالكفاءات اللازمة القادرة على بلورة رؤية استراتجية أصيلة تمثل إطارا جيدا لتوحيد وتنسيق جهودها، وتضع في اعتبارها التحديات التربوية والاقتصادية والاجتماعية... التي تواجه المريدين بشكل خاص والمواطنين بشكل عام.

ثاليا: أن غياب رؤية استراتجية واضحة المعالم للمريدية تجاه الشأن السياسي قد يفسح المجال لاستغلال عواطف ومشاعر جمهور غفير من المريدين لتحقيق مكاسب سياسية شخصية باسم الطريقة على حساب المصلحة العامة، وفي ذلك خطورة كبيرة تتمثل في تحميل المريدية فشل أشخاص يحسبون عليها ولا يجسدون تعاليمها.

رابعا: أنه سيكون من الصعب توعية العامة في المريدية بهدف تعبئتها وتوحيد كلمتها سياسيا في المستقبل، إذا لم تتضح المبادئ أوالرسالة التي يجب أن تتحرك من أجلها أو تدافع عنها والتي تمثل معايير لاختيار من يمثلونهم؛ الأمر الذي قد يحول هؤلاء العامة إلي لعبة تتلاعب بها الأطراف المتنافسة على السلطة، أو إلى سلعة في أيدي ذوى النفوذ الطامعين.

هذه بعض من الأسباب التي تجعل عملية إعادة النظر في العلاقة بين المريدية والسياسة ضرورة ملحة، وخاصة في هذا الوقت الذي ينكب فيه المفكرون والساسة والمجتمع المدني على وضع تصورات مستقبلية حول مصير البلد في مختلف مجالات الحياة.
ولا أعتقد أن للمريدية، أو لغيرها من القوى الدينية، محلا في اعتبارات هؤلاء وتصوراتهم، إن لم يكن محاولة لإقصائها عن المسرح السياسي وعن دوائر اتخاذ القرار، بدليل تشبثهم بعلمانية الدولة واستماتتهم في حمايتها وتأكيدها وتخليدها.

فالظروف إذن حاسمة ومصيرية، وليست وقتا لأحلام اليقظة أو للتلاعب بالعواطف والخيالات أو للجري وراء المصالح الشخصية الآنية، وإنما للتفكير الجاد وللسعي الحثيث نحو إيجاد وبلورة استراتجية بناءة واضحة في مختلف المجالات ولا سيما في المجال السياسي الذي – شئنا أم أبينا - يتحكم في جميع المجالات الأخرى ويحدد مصيرها أو يؤثرفيه بشكل واسع.

بقلم / سام بوسو عبد الرحمن
تياس مايو ٢٠٠٩
تعليق للأخ المفتش هارون انيانغ

الاثنين، 9 فبراير، 2009

وقفة مع قصيدة القاضي مَجاخاتي كالا

بقلم / سام بوسو عبد الرحمن
قال القاضي :

1. مُربَّونَ قَدْ غَضُّوا مِنَ اصْواتِهم غَضَّا﹡كأبصارِهِم حتى يُظَنُّوا معًا مَرْضَـى
2. أرَادوا أطبآ أوْ مساكينَ هَمَّهـــــم ﹡ذَوُو صدقاتٍ مُقرضوا رَبِّهم قَرْضَــــــا
3. فلمَّا أَدَرْنَا بَيننا القولَ ســــــاعـــةً ﹡ عرضــتُ عليهمْ خدمـةً كَبُرَتْ عَرْضًا
4. فَهَانَ عليهم عَرضُهَا وتَنـَـــاوَلُـــوا﹡فؤوسًا بأيدي أقويآ قبضوا قبْضـــــا
5. فـغابوا وأصواتُ المعــاول لم تغِبْ ﹡كأسيافِ بدرٍ يومَ حقُّ النبي قد ضَـآ
6.وأمُّوا فـــلاةَ الأرض أيــة غيضـــــةٍ﹡كثيرة أشجارٍ مُشقَّقة الأعـــضـــــــآ
7. وولوا حُـفــاةً لم يكونوا لـــــيعبـــأوا﹡بِحَرٍّ وشوكٍ بلْ بمَنْ حكمُه مُمْضـــَى
8. ولم يَلـــقَ منهم واحدٌ أجنبــــيـــــةًتحاذيه إلا وهْــوَ أطرقَ أو أغْضـــــَى
9. وما رفعوا الأصواتَ إلا بذكرِهم ﹡وما أخَّروا الأوقاتَ نفلاً ولا فــرضــا
10. وتاللهِ لو أن المربِّيَ قـادهــــــم﹡ليَنفوا عن الأرضِ العِدَى زلزلوا الأرضا


مناسبة القصيدة
حرر الشاعر الكبير المفلق قاضي مجخت كالا هذه الأبيات لوصف مريدي الشيخ أحمد بامبا ومدحِهم، حين مدُّوا إليه يدَ العون في حقوله.

تحليل الأبيات

عرض الشاعر في هذه الأبيات العشرة فِلْمًا قصيرا وغنيا بالمعاني السامية، ضمَّنه مشاهد رائعة، وصورا ناطقة، ليقدم وصفا لمجموعة من مريدي الشيخ الخديم، رضي الله عنه، منوِّها بما قاموا به من عمل بطولي، وبما تحلوا به من خصال حميدة، والتزموا به من آداب سلوكية حسنة، وذلك بأسلوب أدبي بليغ ومحكم.

وقد أتقن الشاعرُ حبكَ فِلْمِه بتسلسل منطقي جميل وأخاذ؛ استهله بوصف هؤلاء المريدين بأنهم "مُرَبَّوْنَ" تربية حسنة ظهرت آثارُها في سلوكهم ومعاملاتهم، فهم يلتزمون غضَّ أبصارهم وخفضَ أصواتهم حتى يُخيَّل إلى من لم يطلع علي حقيقتهم، أنهم إما "مرضى" ضعفاء، يلتمسون أطباء معالجين، وإما "مساكين" معوزون يترقبون وصولَ من يتصدق عليهم ويحسن إليهم.
ولكن، سرعان ما تبدد لديه هذا الانطباع الأول، حين باشرهم وتعامل معهم؛ فقدا اكتشف فيهم شجاعةً فائقة وسرعة استجابةٍ مذهلةً، فلم يتردد هؤلاء المربون في قبول ما عرضه عليهم من خدمة جليلة وكبيرةٍ في عينه، بل استصغروا تلك الخدمة المطلوبة منهم، "فهان عليهم عرضها".
ثم شرع الكاتب في إبراز صفاتِ الرجولة والقوة والإقدام، عند تأهُّبِهم وانطلاقِهم السريع إلى العمل: تناولوا فؤوسا بقوة وثبات، وتوجهوا إلى الغابة الكثيفة، فغابت أشخاصهم من بين الأشجار الكثيرة الوارفة، ولكن أصواتَ معاولهم لم تزل تطرق الأسماعَ لقوة الضرب وتواليه؛ فهي تعمل عملها في تقطيع الأشجار بشدةٍ تُذَكِّرُ بسيوف المجاهدين يوم معركة بدر الكبرى. وتتجلى سرعةُ الحركة وشدة القوة وعلو الهمة في الأفعال المستخدمة بصيغة الماضي" تناولوا فؤوسا، قبضوا قبضا، أمّوا فلاة الأرض، ولوا حفاة".

وما أقوي تحملهم وجلدهم ومثابرتهم! فلم يكترثوا، وهم راجلون حفاةٌ، بشدة حرارة الأرض ولا بكثرة الأشواك وحدتها؛ لا لأنهم فقدوا الشعور والإحساس، ولكن دوافعهم الإيمانيةَ أذهلتهم، واستحوذ عليهم استحضارُ عظمةِ مَن لا يُرَدُّ حكمه سبحانه وتعالى.

وهذه الروح الإيمانية، إلى جانب التربية، هي التي أثمرت فيهم العفةََ والالتزامَ بحفظ الجوارح، وخاصة العين واللسان، عن مخالفة أوامر الله تعالى، ولذا لا يُصوِّبون بصرهم نحو امرأة أجنبية يلقونها، ولا يرفعون صوتهم إلا أثناء ذكر الله تعالى، ولا يلهيهم تحمسُهم للعمل الذي هم مكبون عليه عن أداء الصلوات المفروضة والمسنونة في أوقاتها.

وفي ختام هذا المشهد الرائع، أظهر الشاعرُ انبهارَه، وأتي بحكم استخلصه من واقع تعاملهم مع هؤلاء المريدين الهيِّنين الليِّنين في مظهرهم، والأقوياء الأشداء في مخبرهم؛ فأقسم بالله بأنه لا يعجزهم شيء أمرهم به مربيهم؛ فلو قادهم لمحاربة الأعداء ولإخراجهم من المنطقة لزلزلوا الأرض من تحت أرجلهم! وكلمة "قادهم" توحي بملازمتهم امتثال أوامر مربيهم.

ولقد أحكم شاعرنا المُفلق تصويرَ مشاهده بأسلوب سردي سلس، لا تكلف فيه ولا غموض؛ فجاءت الصور البيانية بانسياب وتناسق، كما في تشبيه المعاول وحركاتها المتتابعة بسيوف المجاهدين يوم معركة بدر الكبرى!

وما أعجب وأحسن التقابلَ بين صورة المطلع المفعمة بمعاني اللباقة والرقة والليونة وصورة المنتهى التي كلها قوةٌ وشجاعةٌ وإقدامٌ!.
قارن إن شئت بين العبارتين " غضوا من أبصارهم" في البداية و"زلزلوا الأرض" في النهاية.

وهكذا تكون شخصيةُ المريدِ الكامل التربية: أدبٌ في المعاملة، وجديةٌ في العمل، والتزامٌ في السلوك، ومواظبةٌ في العبادات، وشجاعةٌ في جميع المواقف، كما رسمها شاعرنا رحمه الله تعالى بهذه الروعة وهذا الإتقان.

سام بوسو عبد الرحمن

الأربعاء، 14 يناير، 2009

تعليق وجيز على كتاب الدكتور أحمد لوح

كيف نعيد للمسجد مكانته؟

[وأي مسجد يعنى الكاتب !
]
قرأت، منذ فترة، الكتاب الذي يحمل عنوان "كيف نعيد للمسجد مكانته" فوجدته قيما ومفيدا في موضوعه؛ فقد تناول فيه المؤلف البارز الدكتور أحمد لوح، بأسلوب واضح سلس ومحكم، مسائلَ عديدة تتعلق بالمسجد وأحكامه وبقضايا متصلة به، ووثقها بأدلة قوية ووجيهة. و منهجية صاحبنا في الكتاب تنِمُّ، بحق، عن مقدرة وحنكة وعمق في التفكير.

ولكني قدا ستوقفني المنهج الذي يقترح المؤلف أن يُدرس في المساجد، لأنه اختار كتبا ينتمي أصحابها جلهم إلى مدرسة فكرية معروفة تسمي نفسها "السلفية" ويسميها آخرون "الوهابية" نسبة إلى الشيخ محمد عبد الوهاب الشهير (رحمه الله).

وهذه المدرسة معروفة بعدائها السافر لكل ما يمت إلي الأشعرية والصوفية بصلة، وقد وصل الأمر ببعض أفرادها إلى إقصاء هاتين الطائفتين من زمرة أهل السنة والجماعة آتين في ذلك بقطيعة إبستيمولوجية سافرة وبتفنيد تحَكُّمي لما هو معروف في تاريخ الفكر الإسلامي ومُدَرسٌ فى أغلب مدارس وجامعات العالم الإسلامي من أن الأشعرية والماتريدية هما التياران المجَسِّدان، في علم التوحيد، لمذهب أهل السنة والجماعة، وأن الصوفية ليست مقابلة لطائفة أهل السنة والجماعة بدليل أن عديدا من عمالقة هذه الفرقة - بل ومن بين العلماء الحنابلة الأجلاء - وربما غالبيتهم، كانوا صوفيين حقيقيين.


وما يُهمنى قوله حول المنهج المقترح في الكتاب هو أنه : إذا كانت "أل" المصاحبة لكلمة المسجد عهديةً تشير إلى مساجد أهل السعودية والمنتمين إليها فكريا، فلا غبار على المنهج، وأما إذا كانت للجنس لتعم الكلمة جميع مساجد العالم الإسلامي، فعندنا في السنغال مناهج أراها أكثر مواءمة لمساجدنا، ولا تقِل فعالية ونجاعة في تزويد رُواد مساجدنا هذه بالتربية الإسلامية الصحيحة المطلوبة. هذا، إذا لم يكن الهاجسُ الحقيقي وراء اقتراح المنهج تحويلَ مساجدنا إلي مراكز لنشر مذهب فكري معين!
سام بوسو عبد الرحمن

الاثنين، 5 يناير، 2009

طوبى والحياة السياسية


كان الشيخ الخديم رضي الله عنه مدركا لأهمية البيئة الصالحة في كل مشروع تربوي حقيقيي. وقد وضع، فور إعلان دعوته - التي عرفت فيما بعد بالمريدية - في مقدمة أولوياته إيجادَ مكان ملائم يتسنَّى له فيه غرسُ مبادئه فيمن لبوا دعوته وتربيةُ الرعيل الأول من أتباعه؛ فحرص منذ اختياره لطوبى، هذا المحل الذي سوف يأوي حركته الإصلاحية الوليدة، على رسم الصورة التي يريدها له فضمنها قصيدته المشهورة مطلب الفوزين.
وقد رسَخَ في ذهنية المريدين جميعا أن لطوبى حرمتَها التي تُرعَى ومكانتها التي تراعى، وانصبت جهود خلفاء الشيخ المؤسس وكافةِ أبنائه وكبارِ أتباعه في رعاية هذه الحرمة وحمايتها من سائر أنواع الانتهاكات والسلوكيات غير اللائقة؛ فتميزت الحياة في المدينة المحروسة نسبيا بالهدوء والانسجام والصفاء مقارنةً مع الحياة في المدن الأخرى.
وتَوَفرت لأهل المدينة فرصة ذهبية ليقدموا للعالم نماذجَ يمكن الاحتذاءُ بها في ميادينَ مختلفةٍ من ميادين الحياة : التربية والاقتصاد و الإدارة ... وحتى السياسة.
ومن المؤسف حقا أنه، بدلا من تقديم نموذج لعملية سياسية هادئة ومهذبة مبنيةٍ على مبادئ خلقية دافعُها الحرصُ على خدمة المصلحة العامة وعلى المساهمة في تحقيق الأهداف التي كان الشيخ يتوخى تحقيقها في مدينته، نرى الآن جميعَ أمراض العملية السياسية السنغالية ومساوئها تبدأ في التغلغل داخل أوساط السياسيين الموجودين في المدينة، ومنها :
  • تبادل الاتهامات والشتائم وكلمات بذيئة،
  • استعمال أساليب عنيفة أحيانا لإسكات الخصم أو لإقصائه،
  • تحويل السياسة إلى مجرد عملية ارتزاق،
  • فقدان أي برنامج تنموي حقيقي.

وإذا كانت ممارسة السياسة حقا من حقوق المواطن يضمنها له دستور الدولة في أي مكان فلا مانع من احترام خصوصيات الأماكن التي تمارس فيها، وفي هذا الإطار نفهم بأن منع الأنشطة السياسية في طوبى يخص تلك الممارسات المنافية لحرمة المدينة والتي ترتكب باسم السياسة فأصبحت مرادفة لها.
وفي نظري قد حان الأوان لأصحاب القيم والغيورين على تعاليم الشيخ ومبادئه السامية أن ينظروا في شأن المشاركة السياسية - ولو على المستوى المحلي- سعيا منهم لتحقيق أمنية الشيخ وأهدافه التنموية والتربوية في طوبى، وحتى لا تتحول المدينة المحروسة إلى ألعوبة لمحترفي السياسة وهُواتِها الذين قد لا يتمتعون لا بالكفاءة ولا بالنزاهة الضروريتين للحفاظ على مصالح المدينة المحروسة ؟!!
سام بوسو عبد الرحمن
يناير ٢٠٠٩

مقالات ذات صلة



تأملات رمضانية

من أسرار الصوم وعجائبه أنه يُصفِّي خواطرَ الصائم وترقق مشاعرَه ويدفعه إلى التأمل الذاتي في أغوار حياته، فتتوارد في فؤاده أحوالٌ تسمو ...