الأربعاء، 12 مايو، 2010

سؤال وجواب عن الطريقة المريدية

وردني من أحد الإخوة النجباء سؤال بهذه الصيغة:
فضيلة الأستاذ،
من محبكم الصافي الوداد إلى شخصيتكم النبيلة أجمل التهاني وأسمى التقدير وأجل الاحترام
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد:
(…) فقد لاحظنا أن في السنغال طوائف صوفية سنية يُطلق على كل منها اسم خاص ومنها الطريقة المريدية، فنسأل عن مبادئها وشروط التعلق فيها واعتمادها على القرآن والسنة.
تقبل الله أعمالكم وأحسن مسعاكم وأطال عمركم.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد، فاعلم أيها الأخ المجتهد النجيب – وفقكم الله وبارك في علمكم – أن منهج الشيخ الخديم رضي الله عنه الذي سار وربى أتباعه عليه واشتهر، فيما بعد، باسم الطريقة المريدية منهج تربوي تجديدي، كان يهدف إلى تجديد المنهاج النبوي الشريف بجميع أبعاده؛ وقد عبر الشيخ عن هذا الهدف السامي في مواضع عدة من كتاباته، يقول رضي الله عنه:
بالمصطفى نويت ما يجــــدد ❊❊ سنتَه الغرآ وإني أحــمـــــد
نظافتُه كلي من اللغو طهَّرت ❊❊ وسنتَه، إن شاء ربي، أبين
وكان يدعو الله كثيرا أن يحقق له هذا الهدف كما في قصيدته "جذب القلوب"
وَبِيَ جَدِّدِ السَّبِيلْ ❊❊ بِلاَ عِــــدًى أَوْ أَلَمِ
وفي قصيدة "تيسير العسير"
صل وسلم ولتبارك سرمدا ❊❊ على الذي سمَّيْتَهُ مُحمَّــدَا
واله وصحبه وبـ"الضُّحى" ❊❊ بي جدِّدَنْ منهجَه مُتضحا
وقد كانت الظروف التي تجلت فيها دعوة الشيخ بحاجة ملحة إلى التجديد، حيث كان المجتمع يعاني فيها معاناة شديدة في جميع جوانب حياته، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، من جرَّاء بُعده عن تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم وتفشى حالة الجهل والضلال، وفي تشخيص لهذه الأوضاع يقول الشيخ في "تزود الشبان"
تَنَبَّهُوا يَا أَيُّهَا الــــــــــــشُّبَّــــانُ ❊❊ قَادَكُمُ إِلَى الهُدَى المَــــــنـــانُ
فِي أَنَّ سُنَّةَ نَبِيِّنَــــــــــــا الأَمِـينْ ❊❊ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ كُلَّ حِـــينْ
كَادَتْ تُرَى كَرَسْمِ دَارٍ قَدْ عَفَـا ❊❊ فِي ذَا الزَّمَانِ لِمُضِيِّ الحُنَفَــــا
إِذْ تُرِكَ اقْتِفَاءُ آثَارِ السَّــــلَــــفْ ❊❊ لِبِدَعٍ قَدْ زُيِّنَتْ بَيْنَ الـــخَلَـــفْ
ويقول في "كتابه مغالق النيران"
هَذَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ المـــقْتَــفَى ❊❊ لِكَثْرَةِ الجَهْلِ عَلَى النَّاسِ اخْتَفَى
وَتَبِعَتْهَا سِيرَةُ الصَّحَابَــــهْ ❊❊ ذَوِي الهُدَى وَالنُّورِ والإِجَابـــــهْ
وبغرض إنقاذ الناس من براثن الجهل والضلال ووضْعِ أسسٍ لمجتمع إسلامي حقيقي يعيش دينه بشكل تتكامل وتتناغم فيه الجوانب الروحية والمادية، بحيث تكون المادة مسخرة لخدمة الروح، رفع الشيخ الخديم دعوته التجديدية معتمدا في ذلك على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم. وبعد ما جرَّب مختلف الطرق الصوفية السائدة في عصره ومنطقته، واستفاد من تجاربها وخبراتها، ترقت همته للتمسك مباشرة بالعروة الوثقى والقيادة العليا، النبي صلى الله عليه وسلم لبلوغ غاياته؛ فصرح دون مواربة بتعلقه به واستغائه به عن غيره فقال:
أبايع اليوم الرسول المصطفى ❊❊ بخدمة وأسأل الله الوفآ
بان لكـــــل من له مــعـقـــــول ❊❊ أن وسيلتي هو الرسول


وقد تميزت دعوته بشموليته لأبعاد الدين الإسلامي المختلفة، فأعاد التوحيد والفقه والتصوف إلى التماسك والتكامل والانسجام، فأحيت وجددت روح الإيمان والإسلام والإحسان في القلوب والجوارح، وبزر أتباعه في قوة الإرادة وصدق التوجه إلى الله، فانفردوا باسم المريدين، فصار علما لهم في منطقتهم، واشتهر منهجه التربوي، فيما بعد، بـ" المريدية" نسبة إلى كلمة "المريد" التي تعني : العبد الساعى لنيل رضى خالقه في جميع حركاته وسكناته، كما وصفه الشيخ رضي الله عنه:
إذ المريد لا يريد أبدا ❊❊ غير رضى الرحمن حيث قصدا


مبادئ المريدية
ومن يُمعن النظرَ في تعاليم الشيخ الخديم رضي الله عنه، عبر كتاباته وأساليب تربيته، يدرك مدى تطابقها مع المنهج النبوي الشريف، فقد كان يهتم بتصحيح عقائد أتباعه وعباداتهم وأخلاقهم؛ عن طريق التوحيد والفقه والتصوف، ففي جوابه عن أسئلة واردة من الحاكم الفرنسي حول المريدية والمريدين يعلن بأن المريدية هي "الإيمان بالتوحيد والإسلام بالفقه، والإحسان بالتصوف" وأن المريدين هم المؤمنون المسلمون المحسنون"؛ و يقول رضي الله عنه:
والحق بدءُ العبد بالتوحيد ❊❊والفقه عن تصوف مجيد


فكان رضي الله يُعنى عناية خاصة، في منهجه التربوي، بتزكية النفوس وتطهير القلوب عن طريق المجاهدة والخدمة والعمل مع مراعاة الآداب، ويتم ذلك تحت إشراف شيخ مرشد يهدى المريد إلي الصراط المستقيم ويريه مواطن العثرات . كما يقول الشيخ رضي الله عنه
مَنْ طَـلَبَ الْوُصُولَ لِلْجَلِيــلِ ❊❊ فَلْيَعْتَصِمْ بِسُنَّةِ الرَّسُــــــــولِ
بِأَنْ يُـلازِمَ مُطِيعاً لا يَمِيــلْ ❊❊ فِي ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ عَنِ السَّبِيلْ
يَقُودُهُ بِالْعِلْمِ وَالْعِبَــــــــادَهْ ❊❊ كَمَا يُرَبِّيهِ بِتَرْكِ الْعَــــــــادَهْ
ومن هنا يمكن أن نقول بأن أهم مبادئ المريدية هي : العلم والعمل به وتزكية النفس والخدمة والعمل ومراعاة الأداب.


شروط التعلق
لقد عبر الشيخ عن تعلقه بالنبي صلى الله عليه وسلم بالمبايعة في قوله:
أبايعُ اليومَ الرسولَ المصطفى ❊❊ بخدمةٍ وأسأل اللهَ الوفــــــــــــآ
وقوله:
بايعتُ خير الورى باللوح والقلم ❊❊ لوجه رب الورى ذي اللوح والقلم
وكان مريدوه يبايعونه على امتثال أوامره واجتناب نواهيه فيربيهم ويوجههم، كما أنه أمر كل من يريد السلوك على طريق القوم أن يتخذ شيخا مرشدا يلازمه ويقف عند أمره ونهيه، يقول رضي الله عنه:
ومن أراد القرب من رب الورى ❊❊ فليطلبن شيخا ويتلو الســورا
دوموا على امتثال أمر الـــرب ❊❊ بأمر شيخ واصل مـــــــــــرب
فاسلك على يدي مرب ناصح ❊❊ يقود للإله بالنـــــــــواصــــح
وعلى هذا، يصح التعلق إذا توفرت الشروط التالية
١ - مبايعة شيخ مرشد يربي المريد على منهج الشيخ الخديم
٢- امتثال أوامر هذا الشيخ واجتناب نواهيه
٣- وفي حالة تلقي الورد المأخوذ، احترام شروط الورد
ويلاحظ هنا أن أخذ "الورد المأخوذ" ليس شرطا ضروريا في التعلق، فالشيخ هو الذي يختار للمريد ما يراه مناسبا لحاله.


اعتماد المريدية على الكتاب والسنة.
لا أكون مبالغا إذا قلت إن الكتاب والسنة هما المنهج الخديمي ذاته، كما وصفه العلامة الموريتاني الشيخ سيدي بابَ
أَنْتَ المُرَبِّي بِمَا رَبَّى الأَمِينُ بِهِ ❊❊ حَرْفاً بِحَرْفٍ فَمَا فِي الجِيلِ شَرْوَاكَا
فلم يحِد الشيخ عن الكتاب والسنة قيدَ أنملة، فقد كان متمسكا بهما في حياته الخاصة وفي كتاباته وفي تربيته للأتباع وفي معاملاته كلها، يقول رضي الله عنه
ظهر لي أن اعتصاما بالكتاب ❊❊وبحديث المصطفي هو الصواب
ويقول
بنيتُ طـــاعتي باتبـــــــــــاع ❊❊ بالذكر والحديث والإجمــــــــاع
ويقول أيضا
إلى الله بالقرآن والسنة التي هدتني ❊❊ صرفتُ الكلَّ والقلبُ خاشع

وأقواله، رضي الله عنه، في هذا المعنى لا تعد ولا تحصى، وتأسُّسٌ مبادئ تربيته التي ذكرتها آنفا على الكتاب والسنة غني عن التوضيح والتدليل لظهوره الجلي.
فهذا، باختصار شديد ما يحضرني من جواب عن سؤلك، ولعل همتك العالية توصلك إلى فارس من فرسان هذا الميدان فيأتيك بما يشفي غليلك.


نسأل أن ينفعنا وإياكم ويهدينا وإياكم إلى صراطه المستقيم. والسلام عليكم
سام بوسو عبد الرحمن
يوم الأحد ٢٤ جمادي الأولى ١٤٣١هـ الموافق ٩ مايو ٢٠١٠م

مقالات ذات صلة


التعليم العربي في المدارس الفرنسية : قضية على طاولة النقاش !

منذ عدة سنوات، كنتُ أفكر في قضية التعليم العربي في المدرسة الفرنسية العمومية، بعد أن زاولتُه لمدة خمس سنوات كمعلم للغة العربية في المرحل...