الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2011

بين الشيخين : الشيخ أحمد بمبا والشيخ سيدي رضي الله عنهما

تعليق على بحث قيم لفضيلة الشيخ باب بن هارون بن الشيخ سيدي

بقلم / سام بوسو عبد الرحمن


يعتبر البحث الذي قدمه فضيلة الشيخ باب بن هارون بن الشيخ سيدي بمناسبة الملتقى الأول للمريدية في موريتانيا ذا أهمية قصوي في تاريخ العلاقات الروحية بين الشيخ أحمد بمب والشيخ سيدي باب الحفيد. فالبحث يعكس، عبر الوثائق التي أزاح اللثام عنها، تطور العلاقات بين الشيخين، وتظهر من خلال المراسلات المعروضة المرحلتان اللتان تحدث عنهما الشيخ أحمد بمب في مسيرته الروحية إلي الله سبحانه وتعالى وهما مرحلة ما قبل أيسش ١٣١١هـ ١٨٩٣م ومرحلة ما بعد "أيسش"

فالمرحلة الأولى هي فترة جولانه لزيارة الشيوخ وتلٍقي الأوراد " وفي هذه المدّة ـ كما يقول كاتب سيرته الشيخ محمد الأمين جوب الدغاني ـ جال في البلاد الوُلُفِية من سُالم إلى وَال برَكْ و زار كبارها الأحياء والأموات واستجاز أشياخها، وتلّقن الأوراد من أهاليها. ومن جملة من زار آل شَيْخْ سِيدِيَ ، زار ضريحته في " تِنْدَوْجَ " و زار " الشَّيْخْ بَابَ " ابن ابنه في اَلميْمُورْ ومدحهم وأخذ منه، ونظم السّلسلة القادريّة من عند الشَّيْخْ بَا بَ إلى انتهائه "1

ويتحدث الشيخ محمد البشير ابن الشيخ أحمد بمب في كتابه "منن الباقي القديم" عن هذه المرحلة وعن تحقيق الشيخ للورد القادري فيقول:" فقام في تحقيق الورد القادري إذ قد تنبه عليه من انتظام أهل بيته في سلكه وأول ذلك أنه كان شيخ من أقارب الشيخ الوالد يسمى {صنْبَ تُكْلُورْ} وكان ابن خالته ويقاربه في السن سبقت له رحلة في طلب العلم إلي أن حصل علي حظ وافر منه ثم بلغه ذكر آل {الشيخ سيدي} تلميذي آل {الشيخ سيد المختار الكنتي} فكتب الله في قلبه زيارتهم والأخذ عنهم فذهب إلي {الشيخ سيدي} و {بَابَهْ} ثم مكث معه زمانا ثم رجع إلي أهله بالورد المذكور ".

وهذا السبب في أخذ القادرية أولا ثم بعد التحقيق لم يكفه ما تحصل عليه منهم فذهب إلي {الحاج كمر} وكان ممن تخرج علي يد الشيخ سيدي وتردد إليه مرارا ثم لم يحصل عنده علي مراده مما يرقي همته إلي الحقائق الشرعية ودقائق التصوف فأبقى له الأدب وذهب إلي آل {الشيخ سيدي} والشيخ قد توفي فخلفه ابنه {سيد محمد} وتوفي قريبا منه ثم خلفه ابنه {باب الشيخ سيدي الأخير} فلبث معهم بُرَيْهَةً فحصل علي ما عندهم وأكثر أسرار كتبهم فلم يشف غليله لأنه لو كان يريد شيخا لكفاه من لقي شيخَنا ولكنه كان يريد دليل حق علي الله ورسوله بالأقوال والأحوال والإشارات والأعمال ليصل إلي الله بلا إشراك علي سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم. فانقلب من عندهم راضيا بسيرتهم بلا ري من سقيهم2 وكان شأنه مع الطريقتين التيجانية والشاذلية كشأنه مع القادرية يقول صاحب المنن "فبحث عن التيجانية والشاذلية فزار {آل حمد} ورؤساء الطريقتين فلم يكن نصيبهم من ترقيته أكثر من نصيب الطائفة الولي.

المرحلة الثانية مرحلة التخلي عن الشيوخ والإقبال إلى الله ومبايعة رسوله صلى الله عليه وسلم بالخدمة مع بقاء المواصلة والتحابب في الله مع شيوخ عصره. كما قال صاحب الإرواء "سأله بعض كبار مشايخ البياضين من شيخك قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ما بالك تذكر آل شَيْخْ سِيدِيَ وتخاطبهم بالشّيوخية وتمدحهم ؟ قال : كنت حينئذ كأعمى يلتمس الهداية ممّن علم ومن لا يعلم فلمّا ظهرلي صاحب الطريق إمام الفريق الإ سلامي وجذبني إليه عناية من الله ومنه سقط منّي أمر الوسائط غيره مع بقاء المواصلة في الله والتحابب فيه والتنافع فيه"3.

ويتحدث الشيخ الخديم بنفسه عن مرحلة الجولان بين الأشياخ وأخذ الأوراد وعن انصرافه إلى مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم عام 1311هـ/1893-1894م في أماكن عدة منها قوله في "بداية السلوك لمجاورة ملك الملوك"

ولـــــم أزل مـــنــذ عــقــلـت طـالــبا❊❊❊ مـــعـــرفـــــة بــاللّــه جـــلّ تــائبـــــا

فـجُــلـت بـيــن العــلـمــا والأولـيــــا❊❊❊ بــنـــيّــتـــي وعــــمـــلــي وقــولــيــــا

كــي لا يــضــيــع عــمــري أتــعـابـا❊❊❊ لحـسـن ظـنّ قــاد لي احـتـســابـــــا

حـتَّـى انــصرفــت عـام أَيْـسَـشٍ4 إلى❊❊❊ خــدمـة خـيـر العـالـمـيـن ذي الإلـى

وعن مبايعته يقول

أبايع اليوم الرسـول المصطفى❊❊❊ بـخـدمة وأسـأل الله الــــوفـــــا

وعن استغنائه عن الوسائط وتمسكه بالمصطفى صلى الله عليه وسلم

غنيتُ بالله عن الأربــاب ❊❊❊ وبمحمد عن الأسـبـــــــاب

ويقول

بان لكل من له معقــول !❊❊❊ أن ووسيلـتـي هـو الرسول

والوثائق التي بين أيدينا منها ما تعكس المرحلة الأولى حيث يذكر الشيخ أحمد بمب الشيخ سيدي واله بالمدح والتوسل والاسترشاد ونحوها، وفي إحداها دون التاريخ والمكان : يوم الأربعاء الاثنين عشرين خلت من رمضان في بوتلميت عام تسع وثلاثمائة وألف هـ

ومنها أيضا ما تعكس المرحلة الثانية في أسلوب يتسم بالصراحة وبروح الاحترام معا كقوله في رسالة مكتوبة بعد غيبة الشيخ البحرية " وليكن فيها ( في كرائم علومكم) أيضا زادكم الله تعالى فيضا من أني ولله الحمد النعمة فارقت فتن الدنيا والآخرة قبل رجوعي من البحر فكل من توجه إلي بالسوء وجهه الله تعالى الباقي الحي الذي لا يموت إليه قبل توجهه إلي ولا يصرفه عنه أبدا وليكن فيها أيضا زادكم الله تعالى فيضا إني ولله الحمد والشكر والنعمة منذ خرجت من فتن سورة العنكبوت لا أمسك شيئا بغير إذن ممن له الملك والملكوت وبغير إذن من عبده ورسوله عليه بآله وصحبه وعلى من ولاهم سلاماه ".

وفي التحليل الأخير، تكشف هذه الوثائق عن شخصية الشيخ سيدي وعن بعض أبعاده العلمية والإنسانية والروحية؛ فقد وقف موقف المرشد أولا يوضح المسائل ثم موقف الحليف المدافع أثناء المرحلة الانتقالية ثم أخيرا موقف الصديق في الله المراعي لعهده، حيث أنصف الشيخ أحمد بمب ومدحه ومدح أهله بعبارات صادقة تشهد على ثباته في الله ورسوخ قدمه في الحق.

فجزى الله عن الشيخين خير الجزاء ورضي عنهما ونفعنا ببركاتهما.


1إرواء النديم من عذب حب الخديم للشيخ محمد الأمين جوب بتحقيق د. محمد شقرون ط ٢٠٠١، ص ٧٤ـ٧٥

2انظر منن الباقي القديم للشيخ محمد البشير ج١ ص ١٥٧،١٥٨

3انظر إرواء النديم ص ٧٥

4عام أيسش أي عام 1311هـ/الموافق سنة 1893/1894م

الخطاب المريدي : تطوراته وتحدياته (الجزء الأول)

منذ هبوط سيدنا ءادم عليه السلام على ظهر الأرض لم ينقطع تواصل الرسالات السماوية التي تخاطب الانسان لتوجيهه إلى سبل النجاة، وكان هذا الخطاب ...