الثلاثاء، 8 يوليو، 2008

التربية الإسلامية في السنغال.../ بقلم شيخنا لوح انغابو

بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين.

يدور هذا البحث حول تاريخ التربية الإسلامية في السنغال على وجه العموم، و التربية في الطريقة المريدية على وجه الخصوص، و ذلك بمناسبة اجتماع عقد بين مفكرين تم تكوينهم في المدارس الغربية ، و مفكرين قد تخرجوا في المدارس الإسلامية، للمناقشة في إطار التفاهم و المناظرة.

نقاط البحث :
1 - دخول الإسلام في السنغال.
2 - الحملات الجهادية الإسلامية في السنغال.
3 - مجيء الاستعمار و الدعاية التنصيرية في السنغال.
4 - المقاومة الإسلامية ضد الاستعمار.
5 - تأسيس الطريقة المريدية و المنهج التربوي التعليمي.
6 – المفاهيم حول (دار) المدارس القرآنية وعدم التناسق.
7 – الختام.

1 – دخول الإسلام في السنغال.
قد أثبت التاريخ على أن الدين الإسلامي دخل البلد عن طريق التجار الذين كانوا يأتون من شمال وغرب إفريقيا، منذ قرون، و قيل بأن ذلك بدأ حوالي عام 1030 الميلادي، وكان السكان يعتنقون الدين الإسلامي طواعية، بعد اقتناع، نتيجة لتقارب بيئاتهم و أعرافهم ، لا عن طريق السيف و الغزوات ، لذلك تجد أن جل المدارس القرءانية تعتمد على القراءة برواية الإمام ورش عن نافع و ذلك يعيدنا إلى تونس.
فإن الشعوب و القبائل الذين كانوا في الشرق وفي شمال السنغال أول من اعتنقوا الإسلام، وتعد منها : (التكرور)...، وحتى الآن هم موجودون في كل البلاد المجاورة للسنغال، مثل مالي ، وموريتانيا.
و أما القبائل الموجودة في الغرب وفي الجنوب، وفي السواحل(سيرير) (جولا)...، منهم من تمسك بالوثنية، ومنهم من أسلم، و منهم من تدين بالنصرانية، وذلك بعد مجيء الاستعمار مع الحملات التبشيرية التنصيرية، واستيلائها على المناطق الساحلية و الداخلية .

2-الحملات الجهادية الإسلامية في السنغال:
فإن السنغال عرف حركتين جهاديتين.
1-الحركة الجهادية العمرية ، بقيادة الشيخ الحاج عمر تال التجاني الفوتي التكروري- رضي الله عنه-، الذي جاهد حتى دخل في الإسلام على يديه عدد من القبائل الوثنية، وقد حقق نصرا بارزا في إعلاء كلمة الإسلام، وعمت فتوحاته شرق و وسط البلاد.
2-الحركة الجهادية المبوية، بقيادة الإمام مابا جخ باه ، الذي استمد جذوره من الحركة العمرية، و جرت بينه وبين الملوك المحليين اشتباكات عدة .

3 - مجيء الاستعمار و الحملات التبشيرية التنصيرية:

فإن الدولة السنغالية أو السودان أو إفريقيا الغربية، ظلت منذ قرون لأوروبا شغلهم الشاغل، و أرادوا استغلالها ، للاستيلاء على الثروات و نهبها، ولنصرة الدين النصراني، وكان في السنغال طبقات معروفة مثل:

* طبقة الملوك المحليين و أعوانهم وكانوا قد قسموا البلد إلى عدة ممالك ، مثل (جلف، وكيور، بول، سالم...) .

* طبقة العلماء المسلمين القضاة الذين كانوا يتعلمون القرءان و يعلمونه، وعين البعض منهم كقضاة لتطبيق الشريعة الإسلامية على الأهالي، ويحترفون بالزراعة.

* طبقة الوثنية التي تمسكت بالعادات و التقاليد، والفلاحة، ولكن تعدد الطبقات لم تكن تعوق المعاملات بين الرؤساء و المرءوسين، فقدكان بينهم نوع من التفاهم.

4 -المقاومة الإسلامية ضد الإستعمار
وفي أول الأمر كان الأوروبيون يأتون كتجار، حتى بدءوا يستولون على المناطق الساحلية تدريجيا، ثم بعد ذلك أتوا برجالهم الدينيين المسيحيين، وأخذوا أكثر تابعيهم من الطبقة المذكورة أخيرا، واتخذوا مدينة (ندر) سانلويس السنغالية مركزا لهم، و جعلوا مدينة داكار عاصمة لإفريقيا الغربية .
و تحالفوا مع بعض الملوك المحليين في بعض الأحيان، لتشتيت مقاومة الشعب السنغالي ضد الاستعمار:
فإن قوات الاستعمار قد تلقت المقاومة من كل الجهات و من كل الطبقات ، حتى تمكنت من إ ضعاف جبهات المقاومة إما بالترغيب أو الترهيب، و من أشنع ماعاملوا به المسلمين إحراق جامعة (بير) ، ولكن المسلمين بذلوا قصارى جهدهم للتمسك بدينهم وبتعليم القرآن الكريم ، و المقاومة من كل الوسائل المتاحة.
عين المستعمرون ملوكا، ثم أخذوا أبناء الملوك و ألحقوهم بمدارس خاصة معدة لهم، وكان اسم المدرسة ( مدرسة أبناء الملوك)
وبعد الاضطرابات و القلق التي ركزها المستعمرون في أذهان المحليين، بدؤوا في تغيير نضالهم ضد الاستعمار.

5 - تأسيس الطريقة المريدية:
وملامح هذه الطريقة ظهرت مع بداية القرن التاسع عشر، و كان هناك رجل يدعى (بالشيخ ممر أنت سل مباكي - رضي الله عنه) وكان من حفظة كتاب الله، و يعلمه لعياله و لأبناء المسلمين وكان يسكن كجور، والملك فيه في ذلك الحين هو (لتجور) وعينه لتجور كمعلم و كقاض له في ولايته، وكان لا يستحسن العيش مع الملوك في مقر الحكومة، و إنما كان يؤثر الإقامة في ريف يبعد عن العاصمة بعدة أميال.
وفي نصف هذا القرن رزق بمولود في (مباكي بول)، أي قبل مجيئه كجور، و سماه بصديق له يدعى (بأحمد بمبا صل رضي الله عن) وقد تعلم القرءان و حفظه في سن مبكرة ، ثم تلقى العلوم الشرعية على يدي كبار العلماء ، واجتهد في فن التصوف حتى أنه ألف كتبا قيمة في ريحان شبابه منها كتاب مسالك الجنان الذي سرد فيه كثيرا من مخطوطات الإمام الغزالي ( إحياء علوم الدين...)
وقد انتقل الشيخ ممر إلى مملكة كجور مع عياله، حيث الملك لتجور، و كما ذكر من قبل كانت عاصمة مملكته (مبل) وعينه الملك لتجور قاضيا ومستشارا له، فأسس قرية ليست بالبعيد ولا بالقريب من بلدة (مبل) و سميت (مباكي كجور).
وأقام الشيخ في مباكي كجور يعلم القرءان الكريم و العلوم الشرعية، وكان يجتمع مع نظرائه مثل القاضي (مجخت كل) لدى مبل للمشاورة و تنفيذ بعض الأحكام. ولم يمض زمان طويل حتى توفي رضي الله عنه و دفن في (دقـل) و بعد وفاته مباشرة جاء كبراء العلماء إلى ابنه أحمد بمبا مباكي، وعرضوا عليه المنصب الذي كان أبوه عليه، لما رأوا فيه من عزيمة و رشد و حنك وسداد الرأي، و شكرهم في ذلك ثم اعتذر، وأفاد بأنه يريد فقط التركيز في التعلم و التعليم، و لكن لما ألحّوا به، استشهد بشعر مطلعها:
قالوا لي اركن لأبواب السلاطين تحز جوائز تغني كل ما حيـن
فقلت حسبي ربي واكتفيت بـه ولست راضي غير العلم والدين
حتى أتم بهذا البيت:
إن كان عيبي زهد في حطامهم فذاك عيب نفيس ليس يحزيني
ثم اعتزل و اشتغل بالجانب الفكري والروحي( المعرفة بالله) وقد ترك له أبوه و لإخوته مدرسة قرءانية فيها عدد كبير من أبناء المسلمين، وورث المدرسة ،
و في يوم من الأيام جاءته الفتوحات الربانية مع معرفته آفات الزمان و البيئة التي يعيش فيها، وأراد، بصدق عزيمته، و توكله تجديد السنة النبوية الغراء وإصلاح المجتمع.
جمع التلاميذ و صارحهم بأنه ابتداء من ذلك اليوم لا يكتفي فقط بالتدريس، وإنما يمارس التربية بالهمة وأن على من يريد السير على نهجه أن يبايعه ، وعرف المبايعون بـ (المريدين الله) و أن على من يريد الانصراف أن يغادر و يبقى هو والمبايعون على هذ المنهج غير المألوف.

وقد وافقه أكثر من كانوا في المدرسة، حتى تخرج على يديه جمهور من العلماء، مثل الشيخ الحاج مباكي بوصو ، و الشيخ عبد الرحمان لوح الذي علم القرءان جميع أبناء الشيخ.
وكان شغله الشاغل تعليم الصغار و تربيتهم رضي الله عنه تربية إسلامية شامخة،
استمر الشيخ على ذلك، وقد بايعه جميع إخوته من أبيه ، وبدأ الناس يأتون إليه من كل الجهات، و قد أدى ذالك إلى إضرام نيران الحقد و الكراهية من جهة المستعمرين، وفكروا في نفيه وإخراجه و إبعاده عن أهله.
ولما كان يودع عياله إلى منفاه، كان يعلم بأنه لم يغفل أية لحظة عن تكوين فرسان يستطيعون مواجهة مثل هذه المشاكل، و أودع جميع أبناءه عند الشيخ عبد الرحمان لوح ، وقال له توصيته المشهورة "باللغة الولفية"حول كيفية العناية بهم:
1-بن جكم = لاتترك الأوساخ تستولي عليهم .
2-بن سالن= لا تترك شعر رؤوسهم طويلا و مبعثرا
3-بن بون= لا تتركهم طويلا بلا وجبة فيها اللحم.

منهج الشيخ في تعليم الأطفال
و منهج الشيخ في تعليم الأطفال، يتسم بالرفق والبعد عن العنف و الإرهاق، كما نص ذالك في قصيدة حيث قال:
أصلحت حالي * بلا ارتحالي * بـي ا هْدِ عيالي * بـلا بكـاء.
وقد بين في مؤلفاته مثل كتاب مغالق النيران، و كتاب نهج قضاء الحاجة.
الشروط والآداب التي لابد منها للحصول على النتيجة المرضية:
1-معلم بارع له كفاءة يستطيع بها تدريب ذهن الطلاب، وقوده إلى الصراط المستقيم بلا وعي منه.
2-اجتناب كل من يتهاون في طلب العلم ويقارنه مع الشيطان .
3-العمل بالعلم و أن يكون أساس العلم للناشئ من الكتاب و السنة و أن يقدم فنون التوحيد، و الفقه، و التصوف أو الإحسان.
4-أن يكون الطلب للعلم خالصا لوجه الله تعالى، لا للجاه أو المال ، أو للمراء والجدال.
5-النية الخالصة لإحياء العلم، والإنفاع، والانتفاع بالعلم، و العمل به .
6-أن يكون الطالب صابرا، في سبيل الوصول إلى غايته
مثل :
1 الصبر من طول الانتظار كالنسر في طلبه للعيش.
2 الحلم واللين ، كالقط مع صاحبه.
3 الحرص على ملازمة الشيخ كالكلب مع صاحبه.
4 الصبر عن الجوع كالأسد.
5 الصبر عن العلاقة الجنسية كالخنزير.
6 الصبر علي التواضع والتذلل كالحمار.

وكان منهجه يشمل تربية الروح والجسم معا، و تدريب الطفل على التخلق بمكارم الأخلاق و الآداب العامة،
طريقة الأدب رحمة الصغير كالأب و الأم وتوقير الكبير
وجعل مثلك كنفسك سـوا لوجه خالق على العرش استوى
و من تأدبك أن لا تنظــرا حقا لنفسك على شخص ترى
و أن ترى أنك لست مستحق شيئا من التعظيم مـمن قد يمق
بل اعتبر من نفسك الآدابـا ولا تطالبن بــه الأصحابـا
وكن مع الناس جميعا دهركا كما تحب أن يكونوا معكا

إلى جانب بساطة المنهج وكفاءة المعلم يوضع الأطفال في بيئة نقية دون إرهاقهم بالتسول ونحوه، ويتم تكوينهم وتدريبهم على الزراعة و الحرف اليدوية لتمكينهم من كسب القوت الحلال،
و التلاميذ يدرسون جميع فنون العلم ، كالفلك والرياضيات والهندسة.
وللشيخ مباكي بوصو عدة مؤلفات من ذلك على سبيل المثال :
في الرياضيات :
وادع لكل ألف ألف، ميليون وألف ميليون ادعه ببيليــون
إلخ
وفي الهندسة:
تقدم أن الميل بالـمتر (أفتش) وقد جاء عن بعض الأكابر (هنطش)
إلخ
وفي الفلك:
لظلك صل العصر من(يب)فيبرر إلى طيه إن كنت فيما يلي طوبى.
إلخ

كانت معاملة المدرسة القرآنية مع الاستعمار تتسم بالتحفظ، وكذلك مع السلطات الحكومية بعد الاستقلال، لذا تجد أن الإحصائيات لا تتخذ بعين الاعتبار، خريجي المدارس القرءانية، و إنما اكتفى بالمدارس الحكومية الرسمية، ولا تتمتع بلاعتراف من قبل السلطات الرسمية، مع أن كثيرا ممن نجحوا في القطاع التجاري الاقتصادي تربوا على هذا المنهج التربوي، ويعرفون بـ (بول بول) (وتكلور) من فوتا.

6 – المفاهيم حول (دار) المدارس القرآنية وعدم التناسق.
و من مشاكل المدارس القرآنية عدم التنسيق وعدم وضوح المفاهيم في بعض الأحيان، فعلى سبيل المثال ا لا يوجد تنسيق تام لكتابة اللغات المحلية، بحيث يكتب كل فرد بحروفه الخاصة و كما بدا له، إلى جانب ما يشبه الالتباس في استعمال عدة مفردات، دارَ، مدرسة، طالب، (دنكـ دار)، ألمود، مارب، سرين دار، فالاختلاف لغوي و بسيط مثلا:
(دار) من كلمة دار عربية وأصبح الآن علما لمكان التعلم
(طالب) ..... طالب عربية و أصبح علما للذي يتعلم القرءان الكريم.
(ندنكـ) كلمة ولفية بمعنى طويلب مصغر.
(ألمود) كلمة البولارية بمعنى طالب.
(مارابو) اسم طائرة بالفرنسية أصبح علما للشيخ الذي يعلم، أو يدير طائفة ما. و قيل من كلمة الرباط ، مربوط، رابط، أي الذي يدير مدرسة قرآنية...
(سرين دار) كلمة ولفية بمعنى معلم القرءان. مدير مدرسة.

فإن المدارس القرآنية في السنغال تعاني أزمة عدم التنسيق، لأن الحكومة و المنظمات غير الحكومية، لها مشروعات للدعم والتنسيق ولكن مع الأسف كل يعمل جانبا دون تواصل فيما بينهم، فمثلا تجد أن الحكومة السنغالية قد تعاون مع منظمة(إسيسكو) والبلدان المجاور لها منذمدة لإخراج حروف قرآنية منسقة لكتابة اللغات الوطنية ولكن هذه الحروف غير معروفة.
7 – الختـام
وفي الختام نشكر معهد (إستا) وكل المشاركين في هذه الورشة وأرجو أن يكون هذا البحث مساهمة في تنوير و تفكيك بعض الملابسات في محور التربية الإسلامية في السنغال و أسأل الله التوفيق.



تم بعون الله يوم الثلاثاء 23 رجب 1428
7 أغستش 2007



المراجع :
كتاب نهج قضاء الحاجة \للشيخ أحمد بمبا مباكي خادم الرسول.
كتاب مغالق النيران \ للشيخ أحمد بمبا مباكي خادم الرسول .
كتاب من رسائل الشيخ محمد البصوبي\ للدكتور \ خديم محمد سعيد امباكي
قاموس ANCARTA/ 2006
Situation des enfants dans les écoles coraniques au senegal/ JEUDA 114 enda tm
.
معهد ( إسـتا ISITA) معهد دراسة الأفكار الإسلامية الإفريقية، في جامعة شيكاغو الأميركية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التعليم العربي في المدارس الفرنسية : قضية على طاولة النقاش !

منذ عدة سنوات، كنتُ أفكر في قضية التعليم العربي في المدرسة الفرنسية العمومية، بعد أن زاولتُه لمدة خمس سنوات كمعلم للغة العربية في المرحل...