الأربعاء، 9 يوليو، 2008

دور الطرق الصوفية في توحيد الشعوب الأفريقية


ورقة مقدمة في
"الملتقى السادس للشباب المسلم"
داكار ٣٠-٣١ /٢٠٠٧
إعداد/ سام بوسو عبد الرحمن
تمهيد

إن عالمنا المعاصر، بكل ما فيه من تعقيدات ومشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية وسكانية وبيئية وأخلا قية وغيرها..، يحتِّم على جميع الشعوب أن تسخر كافة جهودها لمواجهة تلك المشاكل إذا ما أرادت لنفسها البقاء والحياة الكريمة.
ونقطة البداية لمجابهة تلك المشاكل هي توحيد كافة القوى وجميع الإمكانيات المتاحة للشعوب، وهذه الـحقيقة هي التي دفعت كثيرا من المجتمعات إلى الاتحاد في كل من القارتين الأوروبية والأمريكية ، كما أوحت إلى الأفارقة فكرة الوحدة الإفريقية التي ما زالت منذ عهد الاستقلال تراود أحلام عديد من الزعماء والمفكرين الأفارقة.
ومن هنا تتأكد ضرورة استغلال جميع الإمكانيات وبحث كافة السبل للوصول إلي الوحدة الأفريقية المنشودة؛ ولا يخفى أن علي الشباب مسئوليةً جسيمةً في تحقيق هذه الوحدة، كما أن علي كافة الفعاليات والمؤسسات والقوى الاجتماعية والدينية أن تلعب دورا إيجابيا في بلوغ تلك الغاية النبيلة، ومن بين تلك القوى الطرق الصوفية التى لعبت في الماضي دورا مهما في فتح قنوات التواصل بين الشعوب الأفريقية؛ وهو دور تـحتاج إليه القارة في الوقت الراهن أكثر من أي ووقت مضي.
وفي هذه الورقة التي تتناول "دور التصوف في توحيد الشعوب الأفريقية" أحول بإيجاز أن أتعرض لـنقاط ثلاث:
  1. دخول الإسلام في القارة الأفريقية عبر قناة التصوف
  2. الطرق الصوفية كآلية لمعالجة عوامل التفرق بين الشعوب
  3. الشروط اللازمة لتفعيل دور التصوف في توحيد شعوب القارة



I دخول الإسلام في القارة الأفريقية عبر قناة التصوف

إن الله سبحانه وتعالى تَفَضَّل على مخلوقاته بإرسال الرسل لهدايتهم إلى صراطه المستقيم، وجعل خاتمة هذه الرسالات رسالةَ محمدٍ - صلوات الله وسلامه عليه - الذي بعثه رحمة للخلق أجمعين " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، فكانت رسالته هذه عامة لكافة الناس.
واعتبرت الدعوة إليها من أشرف المهام يقول تعالى " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين".
وقد حملت شعلةَ هذه الدعوة صحابةُ الرسول صلى الله عليه وسلم بكل إخلاص وتفان، ثم تبعهم مَن جاءوا بعدهم من الرجال الصادقين في إيـمانهم، فبذلوا نفوسهم رخيصة في سبيل توصيلها إلى شعوب الأرض لإنقاذهم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور المعرقة والإيمان.
وكان رجال الصوفية الذين اتخذوا السياحة في أرجاء المعمورة ديدنة ممن نشروا الإسلام في مناطق عديدة من العالم، بحسن أخلا قهم وصفاء نفوسهم. وتحت هذا الغطاء الصوفي دخل الإسلا م إلى غرب أفريقيا، فاستقبله كثير من الشعوب الأفريقة بأفئدة مفتوحة1، وتكونت طوائف انصهرت في بوتقها الانتماءات العرقية والقبلية، وعَبَر نفوذُها الحدود الجغرافية والسياسية ،ولعبت دورا هاما في توحيد شعوب أفريقية مزقتها النزعات.


II الطرق الصوفية كآلية لمعالجة عوامل التفرق بين شعوب القارة

دخل الإسلام في أفريقيا والـمجتمعات تعيش في حالة من والتفرق والتشتت، فوجد المسلمون الأفارقة في التربية الصوفية أداة فعالة لتعطيل العوامل التي كانت تتسبب في تفرقهم وتشرذمهم إلى فئات متناحرة؛ و من تلك العوامل :

  • العصبية القبلية:
كانت القبائل في أفريقيا، شأنها شأن القبائل في غيرها من مناطق العالم، تعيش في الغالب في حالة شبه بدائية، تتعصب أفراد كل قبيلة لقبيلتها فتحدث نزاعات قد تؤدي في كثير من الـأحيان إلي معارك دامية ؛ ولكن التربية الروحية التي تركز عليها الصوفية كانت تعمل علي تزكية النفوس وتنقيتها من النعرات القبلية التي أساسها الكبرياء والحمية الجاهلية والتكالب على حطام الدنيا وسفاسفها لتُكون مجتعات تتأسس موالاتُها وانتماءاتُها على وحدة الإرادة وصدق التوجه إلى الله تعالى .

  • الطبقية الاجتماعية
كما أن الحياة الاجتماعية في القارة الأفريقية، وبشكل خاص في جزئها االغربي، كانت تتسم بالطبقية الحادة، ففي أفريقيا جنوب الصحراء ،كالسنغال علي سبيل المثال، كان المجتمع ينقسم إلي فئات ثلاث : طبقة النبلاد (تيادو ceedo) ومن بينهم الملوك ووالوزراء وطبقة السوق أو العوام (بادولو badoolo) وهم السواد الأعظم من الفلاحين وأصحاب الحرف الذين كان الـمجتمع ينظر إليهم نظرة احتقار، وطبقة العبيد (جامjaam) الذين كانوا يوفرون الأيدي العاملة للنبلاء.
ولم تكن هذه التركيبة الاجتماعية لتساعد علي بناء مجتمع متماسك ؛ وقد عملت الطرق الصوفية على التخفيف من هذه الطبقية الجائرة، حيث انضم إليها عدد كبير من تلك الشرائح كمريدين وأتباع لطريقة واحدة يتعامل أفرادها على أساس من الأخوة والمساواة، بظرف النظر عن مكانتهم الاجتماعية أو طبقتهم الأصلية؛ يؤدون شعائرهم ويرتادون مجالس الذكر بشكل جماعي.
وقد كان من أهم مبادئ التربية الصوفية التواضع وتزكية النفس وتنقيتها من الكبر والعجب ورؤية الفضل وغيرها من الأمراض النفسية التي تمثل مصدر كثير من المشكلات الاجتماعية.


  • حالة الجهل
على عكس ما يروجه الكثير من الكتاب والمؤرخين الغربيين، فقد ساهمت الطرق الصرفية في نشر المعرفة بين أوساط العوام. فقد كان شيوخ الصوفية يُعلمون أبناء البسطاء القرآن الكريم ومبادئ العلوم الشرعية، بعد ما كان - في بدايات دخول الإسلام في إفريقيا - تعلُّم القراءة والكتابة حكرا علي فئة ضيقة باعتباره من شئون النخبة، كما هو الشأن في امبراطورية غانا ومالي "فقد كان الأمراء الأفارقة الذين دخلوا في الإسلام، كما يقول الباحث شيخ تيجان سي، يعملون على بقاء شعوبهم تحت نير الجهل"2
وبفضل الطرق الصوفية وجد الكثير من أبناء العوام طريقهم نحو العلم، الأمر الذي ساعد على نشر التعاليم الإسلامية التي تدعو إلي المحبة والتعايش والتآخي بين أفراد الشعوب .

  • التدخل الأجنبي
لقد تعرضت القارة الإفريقية لحملات إستعمارية مزقتها إلى دويلات ورسمت بينها حواجز حدودية ، فساهمت في التفريق بين شعوبها ولكن الطرق الصوفية تجاهلت هذه الحدود المصطنعة وعملت علي ترقيع ما مزقه الاستعمار لإعادة الربط بين أفراد الشعوب.
وهكذا نرى أن الطرق الصوفية قد بسطت تأثيرها عبر الحدود، ونجد أن أتباع التيجانية، بشكل خاص، والقادرية والشاذلية والمريدية يتواجدون في مختلف دول القارة ويتواصلون بأشكال مختلفة، وفي مناسبات الطرق الصوفية (في طوبى، تيواوون، بير ، كولاخ ...) تلتقي جنسيات مختلفة وتتواصل روحيا ووماديا بكل انسجام ووئام.
فهذا دور تاريخي مؤثر للصوفية في تحقيق قدر من التواصل والتفاهم والتحرر بين شعوب أفريقية ، ولكن تفعيله في والوقت الراهين يتطلب توفر بعض الشروط.

III الشروط اللازمة لتفعيل دور الطرق الصوفية في توحيد شعوب القارة

علي الرغم من فعالية هذه التعاليم الصوفية في مكافحة أسباب التفرق المادية منها والمعنوية ، والدور التاريخي الذي لعبته في هذا المجال، لم تزل الشعوب الأفريقية في الوقت الراهن تشهد أنواعا مختلفة من الشتت لأسباب مختلفة وتسعى إلى توحيد شعوبها .

من هذه الأسباب ما هي خارجية تعود إلي سياسات الدول المستعمرة التي دأبت علي تكريس العصبية القبلية للتمكن من تقوية سيطرتها علي الشعوب الـأفريقية، ومنها ما هي داخلية يعود بعضها من جهة، إلي سوء فهم للتصوف عند كثير من المنتسبين إليها أدى إلي تحويل الطرق الصوفية أداة للتفريق بدلا من التوحيد، ومن جهة أخرى يعود البعض الآخر إلي أيديولوجيات تكفيرية برزت في الوجود لتنصب العداء لكل من يخالفها في الرؤية من بين المسلمين، سواء كان الخلاف في فرع من فروع العقيدة أو من فروع الفقه.

ويـمكن للطرق الصوفية أن تنهض من جديد بدورها التاريخي في توحيد الشعوب الأفريقية ومجابهة تحديات العصر الراهن بفعالية أكثر بعد توفر شروط معينة منها:ـ

١) قيام الصوفية بتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي تفضي إلى التعصب الطائفي والتفرق، كما حاول ذلك من قبلُ مؤسسوا هذه الطرق وشيوخُها، أمثال الشيخ أحمد بمبا مؤسسة الطريقة المريدية والسيد الحاج مالك سي وغيرهما من رجال التصوف.

فقد حاول الشيخ أحمد الخديم في كتاباته و ممارساته معالجة هذه النزعة التعصبية؛ فدعا أتباع الطرق إلى اعتبار جميع الأوراد، في حقيقة الأمر، وسائل لغرض واحد مشترك وهو التقرب إلى الله تعالى والفوز برضوانه، حيث قال في كتابه "مسالك الجنان" هذه الأبيات الشهيرة :

فكل ورد يورد الـــــمريدا لــحــضـرة اللـه ولـن يحـــيـدا
سواء انتمى إلى الجيـلان أوانتمى لأحمــد التـيـجــــان
أو لسواهما من الأقطاب إذ كلهم قطعا على الصواب

وبعد ما زاول هو بنفسه مختلف الأوراد فقد كان يلزم بعض مريديه باستعمال الورد التيجاني أو القادري أو الشاذلي إشعارا منه بأن هذه الأوراد صالحة لتوصيل ملازمها المراعي لشروطها إلي الغاية التي يَنشدُها.

٢ ) العناية بتزويد الشباب بتربية روحية حقيقية مع الأخذ في الاعتبار التحديات والمشاكل التي تواجهها القارة كالمجاعة والفقر والجهل والمرض، بحيث يتم توعيتهم بمسئوليتهم في تنمية القارة والنهوض بها ، وإعدادهم إعدادا يمكنهم من القيام بتلك المسئولية، بدلا من صرف طاقات هؤلاء الشباب المتحمسين للدين في أنشطة تلهيهم عن هموم مجتمعهم.
والخطوة الأولى نحو تحقيق هذا الهدف تتمثل في اهتمام الطرق الصوفية بتطوير مؤسساتها التربوية حتى تتمكن من تكوين شبابها تكوينا يتماشى مع متطلبات دينهم ومع رهانات عالمهم المعاصر.

٣) خلق قنوات التواصل الروحي والثقافي والتفاهم بين الشعوب الأفريقة باعتماد وسائل الاتصال التكنولوجية الحديثة.

٤) استغلال المناسبات التي تنظمها الصوفية لحقيق التعارف وتوطيد التواصل بين المسلمين وتوصيل رسالة الوحدة إلي جميع الشعوب الأفريقة.

٥) إنشاء مؤسسات أو منظمات إقليمية وقارية ، يتسنى للطرق الصوفية من خلالها تحقيق الأهداف المشتركة ورفع التحديات التربوية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الشعوب الأفريقية.

وفي الختام، يتبين من خلا ل هذا العرض أن للطرق الصوفية دورا يجب أن تنهض به في توحيد الشعوب الأفريقية وقد برهنت عبر التاريخ مقدرتها على فتح قنوات التواصل ومكافحة أسباب التفرق بين الشعوب؛ إلا أن رهانات العالم المعاصر المعقد تفرض علي هذه الكيانات الصوفية، أن تبذل مزيدا من الـجهد للتكيف مع مقتضيات الواقع مع المحافظة على روح التصوف وجوهره المتمثل في تربية الأ فراد وتزكية نفوسهم وتصفية قلوبهم؛ وبذلك يمكن أن تتحقق آمال الشعوب الأفريقة المنوطة على هذه الطرق الصوفية.

هناك تعليقان (2):

  1. am na solo lool dees na ci geun a def yitte

    ردحذف
  2. رحم الله المشايخ الصوفية الصادقين لما قاموا به من أعمال لخدمة الاسلام خصوصا في افريقيا،وقاموا بنشر هذا الفكر الإسلامي المعتدل ذي البعد الروحي ،ولهذا فنحن في حجة لتوعية الأمة لتلتف حول أمثالهم من الشيوخ الصادقين الذي من الواجب على العلماء التعريف بمواصفاتهم ،وفي هذا الإطار صدر للدكتور أحمد غاني إصداره السادس تحت عنوان(الشيخ في التراث الصوفي ) والذي توزعه شركة سابريس بالمملكة المغربية ،و هدف هذا الكتاب هو محاولة مقاربة تصور للشيخ الصوفي كما جاءت في كتب التراث الصوفي. وقد خصصت الفصول الأولى للجانب التأصيلي في الكتاب والسنة كما وردت في كتب التراث الصوفي ،ثم للجانب الأصولي والمقاصدي، ثم خصص الفصل الأخير من هذا الكتاب للنصوص الصوفية الواردة عن الشيخ الصوفي ،فقد ضم هذا الفصل مايزيد على 500 نص صوفي حول الشيخ جمعها المؤلف من بطون أهم أمهات الكتب التراثية الصوفية،وكان الهدف من ذلك هو تقريب هذا المعنى الذي هو محور التجربة الصوفية ، أي مقاربة رؤية الصوفية الصحيحة للشيخ الصوفي عبر التاريخ الروحي الطويل للأمة.
    نتمنى أن يكون هذا الكتاب وسيلة فكرية تواصلية مع كل من هو بعيد عن التجربة الصوفية ،أومع من وصلته عن طريق فكر مشوه لايبرز حقيقة التصوف.
    المؤلف حاصل على دكتوراه الدولة بدار الحديث الحسنية بالمملكة المغربية.وقد تقلب في عدة مناصب إدارية وتعليمية بالجامعة وبمراكز التكوين،وله عدة اصدارات ومساهمات علمية في ندوات وطنية ودولية .

    والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
    للتوصل مجانا بملف الكتروني مركز حول الكتاب المرجو مراسلة
    gahmed52@gmail.com

    ردحذف

التعليم العربي في المدارس الفرنسية : قضية على طاولة النقاش !

منذ عدة سنوات، كنتُ أفكر في قضية التعليم العربي في المدرسة الفرنسية العمومية، بعد أن زاولتُه لمدة خمس سنوات كمعلم للغة العربية في المرحل...