الأحد، 17 نوفمبر، 2013

الشيخ أبو البركة شخصية لن أنساها في حياتي!


فى سنة ١٩٨٤م أتى منزلنا ذات يوم أحدُ أقاربي لزيارة والدي، وكان المرض قد ألزمه الفراش، وبعد الخروج من غرفة الوالد سلَّم عليَّ وقال لي - بأسلوبه المرح - كلَّفني أبوك باصطحابك معي فسألته لم؟ فقال : لتُكمل على يدي دراسة القرءان، وسأقوم فيما بعد بتدريسك بعض العلوم الشرعية واللغوية، وكان في ذلك الوقت يؤدي مهمة التربية والتعليم في إحدى مدارس المربي الجليل فضيلة الشيخ صالح امباكي في انجابندل Ndiapndal. وكانت أسرتنا قد انتقلت من جربل إلى طوبى بإذن من الخليفة الشيخ عبد الاحد بسبب المرض الذي حال دون مواصلة الوالد مهمة الإمامة.  
وبعد عدة أيام من هذه الزيارة رجع الأخ إلى منزلنا وأنا في أهبة السفر وقال لي : يوجد تغيير في الأمر، فبدلا من الذهاب إلى انجابندل ستأتي معي إلى غيدي Guédé، فقد تلقيت الأذن من الشيخ صالح امباكي للعودة إلى داري.
 
هذا القريب هو ابن عمتي الإمام الشيخ أبو البركة امباكي Serigne Abo Mbacké الذي قضيتُ معه ست سنوات أغترف من بحار علومه الزاخرات، فقد أكملت على يديه دراسة القرءان ثم تعلمت أهم الكتب الشرعية واللغوية المقررة في "مجالسنا التعليمية"، وقد غمرني طيلة هذه المدة بكرم أخلاقه وحسن معاملته ولطف معاشرته. وبعد رجوعي في سنة ١٩٩٥ من رحلتي الدارسية التي قادتني إلى مصر أنكحني ابنته البكر، ثم تحولت العلاقةُ الدموية والأستاذية والصهرية بيننا إلى علاقة صداقة ومودة دامت زهاء ثلاثين سنة، وقف بجانبي أثناءها موقف الصديق الحميم والشيخ المرشد والأب العطوف
كان سرين أبو عالما فذا يتمتع بقوة الذاكرة  وشدة الذكاء وسرعة البديهة، وكان حلو الفكاهة بساما يشنف أسماع جلسائه بنوادره المليئة بالفوائد والحكم، كان أديبا  موهوبا وفقيها متمرسا، وكان في حفظ القرءان والإلمام بعلومه يبهر العقول، كانت تراويحه تستقطب جمهورا غفيرا من المصلين في غيدي اولا ثم داكار العاصمة أخيرا. ولا يتعجب كثيرا مِن هذه الصفات لديه مَن يعرف أصوله ومنشأه
وُلد أبو البركة حوالي ١٩٥٠ في قرية غيدي من أسرة عريقة مشهورة بالتدين والصلاح، ونشأ في بيئة علمية مباركة، درس القرءان على يدي خاله ثم أبيه حتى أتقنه حفظا ورسما ثم درس العلوم الشرعية واللغوية وعلم الفلك في مجالس غيدي العلمية المشهورة وعلى أيدي علمائها الأفذاذ أمثال العلامة سرين مود خر بوسو والأستاذ الكبير الشيخ الحسن بوسو وغيرهما.
ظل يمارس التدريس في غيدي إلى أن جذبته يد العناية الالهية باذن شيخه الشيخ عبدر القادر إلى جانب الصوفي المربي مجدد نهج التربية في عصرة  الشيخ صالح ابن الشيخ الخديم - رضي الله عنهم -  الذي تولى تربيته تربية روحية تركت  بصماتها على حياته بشكل يلمسه كل من خالطه.  
كان الشيخ أبو البركة عابدا لله تعالى صواما قواما كثير النوافل ملازما لتلاوة الكتاب العزيز قراءة واستظهارا، وكان ذا نشاط وحيوية وجدية في العمل، لم يعرف الفتور ولا الكسل اليه سبيلا. وكان ممن جمع بين الشريعة والحقيقة بين الالتزام الصارم بالشعائر الاسلامية والتمسك القوي بارادته الصادقة والتفاني الكامل في محبة شيخه الشيخ الخديم رضي الله عنه.
وفي سنة ١٩٩٤ اختاره الشيخ محمد امباكي بن الشيخ القادر بمباركة من الخليفة الشيخ صالح إماما لمسجد الحي اسن بن تالي Usine Ben tally بداكار بعد أن أمضى حوالي عقد من الزمن في التدريس بالمعاهد الأزهرية التي أسسها المجاهد الشيخ محمد المرتضي رضي الله عنه؛ وبعد توليه مهمته الجديدة في العاصمة، استحوذ في فترة وجيزة على أفئدة المريدين خاصة والمسلمين عامة في هذه المدينة، بفضل سعة معارفه وجودة حفظه ودماثة أخلاقه وتواضعه وتفانيه في خدمة مصالح الناس. وهكذا أصبح فخرا للاتباع المريدين وموضع إجماع لدي المثقفين والعلماء ومحل احترام لدي الشيوخ والساسة والحكام معا.
وفي سنة ٢٠١٠ اختار  الخليفة الشيخ سيدي المختار أبا البركة خلفا للإمام الشيخ محمد الفاضل ابن الشيخ عبد القادر في أمامة المريدين لصلوات العيد بمسجد مسالك الجنان إلى أن أقعده المرض فعاد إلى منزله بغيدي حيث قضى أيامه الأخيرة. وقد توفي في التاسع من محرم ١٤٣٥هجرية الموافق للثالث عشر من نوفمبر ٢٠١٣ ميلادية، ودفن في مقبرة طوبى رحمه الله تعالى.  
وبفقد ابن عمتي "سرين ابو" فقدت في الواقع صديقا محبا واستاذا مناصحا ومستشارا أمينا؛ انه شخصية لن أنساها في حياتي. فجزاه الله عن الاسلام والمسلمين خيرا، وتغمده في فسيح جناته وألهمنا الصبر والسلوان
سام بوسو عبد الرحمن 

هناك 3 تعليقات:

  1. حقا كان شخصية جليلة.كما أنه من الذين ضحوا بحياتهم في خدمة الإسلام والمسلمين،له مناقب جميلة وفضائل جمة،أجل إن الزمان بمثله ضنين،تغمده الله برحمته الواسعة ببركة الشيخ الخديم عليه رضوان الباقي القديم.

    ردحذف
  2. أسأل الله العظيم أن يلهمكم الصبر والسلوان على فقيدكم الغالي، تغمده الله بواسع رحمته ببركة الشيخنا أحمد بمب ... !

    ردحذف

الشيخ عبد الأحد... خليفة القادة!

إن شيخنا عبد الأحد امباكي (١٩١٤م-١٩٨٩م) الخليفة الثالث للشيخ أحمد بمب  رضي الله عنهما  كان يتميز بصفته قائدا مُحنَّكا جريئا بعيدَ الرؤية...