الجمعة، 6 يونيو، 2014

مع العلامة الشيخ سيدي باب في وصف مسجد الشيخ أحمد بمب (رضي الله عنهما )

يقول العلامة المجدد الشيخ سيدي:
نِعْمَ مَأْوَى الذي يُريدُ قيامًــا         أو عُكوفاً ونِعْمَ مأوى الْعُفـــــاةِ
إِنْ يَكُــنْ للصَّلاةِ للهِ بَيْـــــتاً          فَهْوَ بَيْتٌ أيضاً لِمَثْنَى الصِّـلاَتِ
عُرِفَـتْ لِلصَّلاةِ فيهِ وُقــوتٌ          ولِتِي غَيرُهَا مِــــنَ الْأَوْقـــــاتِ
يُقْبِـلُ النَّاسُ نَحْــوَهُ بِقُلوبٍ          جَــمَـــعَــتْ بَيْنَ نِيَّــةٍ أَشْتَــــاتِ
**********
السياق
كان مقر إقامة الشيخ الخديم (رضي الله عنه) في جربل كعبةً للزوار والوفود وخاصة من قبل العلماء الموريتانيين الصالحين ذوي العلاقات العلمية والروحية المتينة معه، وقد كان من دأبهم – وجلهم شعراء مُفلقون – أن يسجلوا ببراعتهم الشعرية مآثر الشيخ وفضائله وسيرته وأعماله في قصائد فائقة الجمال.
وقد جمع الشيخ عبد الأحد الخليفة الثالث لمؤسس الطريقة المريدية عددا كبيرا من تلك القصائد في ديوان مطبوع، ومنها قصيدة يصف فيها العلامة الشيخ سيدي باب (1860 م – 1924) مسجدَ الشيخ الذي شيَّده في البقعة المباركة حوالي 1916-1918، ومنها هذه الأبيات التي نحن بصدد تحليلها.
التحليل
في هذه القطعة يصف العلامة الشيخ سيدي مسجد الشيخ بأوصاف عدة ترمز إلى وظائفه المختلفة، ومنها كونه ملاذا آمنا لكل عابد يبتغي إقامة الصلوات أو ينوي الاعتكاف وكونه أيضاً ملجأ للجائعين الباحثين عن الطعام.
  ويؤكد أن المسجد ليس مكانا لأداء الصلوات فحسب ولكنه أيضاً مقصد لمن يبحث عن العطاء لأن الأوقات كلها ما عدا أوقات الصلوات مخصصة فيه  للإطعام والإنفاق، وعلى هذا تختلف أغراض الناس الواردين إلى المسجد بين مصل ومعتكف ومسترفد ومستجدٍ.
وقد برع العلامة الشاعر في إبراز تلك المعاني باختيار ألفاظ مفعمة بالدلالات؛  فاستعمال كلمة "مأوى" يوحي إلى كون المسجد حصنا للعُبَّاد وأبناء الآخرة لتغذية أرواحهم وصون دينهم وعقيدتهم،  فمن معاني قوله تعال "إذا آوى الفتية إلى الكهف" (الكهف، 10) إذا احتموا فيه للحفاظ على إيمانهم؛  وفي المقابل يمثل المسجد أيضاً ملجأ لمن أنهكهم ضيقُ الزمان فأصبحوا عفاةً ينشدون ما يسد رمقهم من الطعام حيث يلقون فيه من العطف والرقة والمعونة ما يُغنيهم عن التسول وعن ارتكاب ما ترفضه المروءة ويمجُّه الذوق السليم ؛  ففي كلمة "مأوى"   معاني الرحمة والرقة، يقال: آوى له أو إليه بمعنى رقَّ له ورحمه، وفيها أيضا معنى الإعراض عن المنكرات فآوى عن المنكر يعني تركه، ويؤكد هذا المنحى قوله في مطلع القصيدة
  مسجدُ الشيخ جامعُ البَركاتِ     ومحــلُّ الخــيراتِ والــرَّحَماتِ
ومن جهة أخرى، قد تجلت براعة الشاعر في تأدية المعاني بأساليب بلاغية رائعة، فاختيار الأسلوب الإنشائي المتمثل  في المدح وما في العبارات من تكرير فعل المدح وفاعله " نعم مأوى" و"الصلاة" و"بيت" بما في ذلك من تأكيدٍ للمعنى وتنويهٍ بالممدوح أضفى على الكلام قوة وجمالا. وللجناس البديع  بين الصَّلاة والصِّلات مع انقسام الأوقات بينهما انعكاسٌ على معانيهما  لإبراز التلازم بين العبادة القاصرة النفع ( الصلاة )  والمتعدية النفع( الإنفاق والهبة)
وفي استعمال "إن" الشرطية للربط بين كون المسجد بيتا  للصلاة وكونه بيتا لمثنى الصلات (العطايا)  تأكيد للصلة الوثيقة واللازمة بين بُعدي المسجد الروحي والمادي أو الأخروي والدنيوي باعتبار الثاني خدمة للأول وأداة له. 
في حقيقة الأمر، لا تكتفي هذه الأبيات بالتنويه بأدوار المسجد بكل براعةٍ بل تكشف عن إحدى مميزات منهج الشيخ الخديم رضي الله عنه في اهتمامه بحياة المسلمين الروحية والمادية ورؤيته القائمة على ضرورة المزاوجة بين توفير متطلبات العبادة ومُقومات الحياة، وهذا ما يفسر حرصَ مريديه على الكسب الحلال لضمان الاكتفاء الذاتي  من خلال العمل الزراعي ثم التجاري. وفي رسائل أهل الحرمين الموجهة إلى الشيخ – وعندي نسخ منها – شهادة ناطقة عما كان يُقدمه من العطايا والمعونات إلى المسلمين في الجزيرة العربية في بدايات القرن الماضي.
والبيت الأخير من هذه القطعة يصور كثرةَ توافدِ الناس إلى المسجد بأغراض مختلفة  ونيات شتى وفي ذلك الإقبال تجسيدٌ رمزي لمنزلة الشيخ وعلو كعبه في الهداية والإهداء.
والأبيات في التحليل الأخير تميط اللثام عن تنوع الأفراد المختلفين إلى ساحة مسجد الشيخ وتعدد غاياتهم وطموحاتهم  ما بين وارد يرنو إلى الترقي الروحي ومسترفد تسوقه دوافع الحاجة. 
وهذه الشهادة الصادقة من علامة عارف بالله  مشهور بالورع والتقوى والولاية  الشيخ سيدي باب الموريتاني تقديرٌ جلي  لما أنجزه الشيخ للإسلام والمسلمين ولما كان يمثله من ملجأ مكين في ظروف تتسم بالقسوة من جراء الحرب العالمية الأولي وفي بلد كان يتعرض للاستعمار والاضطهاد والنهب.
وما أحوج المسلمين في عصرنا الراهن إلى تفعيل نموذج هذا المسجد ، مسجد يوفر للأرواح سبلَ الهداية وللاجساد فرصَ الرعاية،  مسجد يخضع لإدارة محكمة تتولى جمعَ الصدقات والتبرعات وتقوم بتدبيرها وتوزيعها إلى مستحقيها، مسجد ينهض بدور تربوي وتثقيفي ويقدم خدمات اجتماعيةً وصحيةً لليتامى والضعفاء والمساكين.  فمثل هذا المسجد هو الممثل لنموذج الشيخ الخديم رضي الله عنه لا المسجد الذي لا وقت فيه إلا للصلاة، ولا يخطر على بال المنكوب والمحتاج أو السائل والمحروم  أو طالب العلم والمعرفة أن يقبل نحوه.
سام بوسو عبد الرحمن

مسجد الشيخ الخديم بمدينة جوربل

هناك تعليقان (2):

  1. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  2. عبد الأحد بوسو14 يونيو، 2014 1:04 م

    غير معرف يقول...
    نشكرالأستاذ شام علی تذكيره إيانا المسجد الخديمي في جربل أيام مؤسسه رضي الله عنه. هذا المسجد حقق دور المسجد النموذجي الذي أقامه النبي عليه السلام بالمدينة المنورة حيث يصلي بالناس ويجتمع معهم لحل المشكلات وتوزيع الصدقات.
    وقدصدق العلامة شيخ سيدي في التعبيرعن مسجد جوربل بكونه بيت الصلاة والصِلات،وقدأسس المسجدفي وقت يتردد الناس بين ضغوط الأمراءوطغيان الاستعمارفيشكّل مأوی وملاذاللعبّادوللعفاة.
    ونحن الآن -بحكم الأزمات الاقتصادية المحيطت بنا- في أمسّ الحاجة إلی انتشارأمثال هذاالمسجدفي الأمصار.

    فجزاكم الله ياأستاذنا علی تحليلكم الدقيق وتصوراتكم العميقة!

    ردحذف

الشيخ عبد الأحد... خليفة القادة!

إن شيخنا عبد الأحد امباكي (١٩١٤م-١٩٨٩م) الخليفة الثالث للشيخ أحمد بمب  رضي الله عنهما  كان يتميز بصفته قائدا مُحنَّكا جريئا بعيدَ الرؤية...