شخصيات من المدرسة الخديمية



 الشيخ عبد الرحمن بوسو الإمام
هو الأمام الشيخ عبد الرحمن البسوبي الشهير بِسَرين دامْ بوسو .
۞ميلاده ونسبه:
ولد الشــيخ عــبد الرحــمن سنة ۱۳۳۲ هـ ۱۹۱٤م، في قـرية دار المنان، جنوبــي مدينة طوبى، من أسرة عريقة مشهورة بالتدين والورع والصلاح. فوالده هو محمد بوسو۱۲۸۲هـ ـ ۱۳٤٤هـ المشهور بسرين مور شُغْنَ بن صمب بن محـمد بن مَطَبَرَ؛ كان هذا الوالد من الـصالحين المشهود لـهم بالولاية والكرم وحسن الخلق.
أما والـدته فـهي الـسيدة عائـشة امبـاكى بـنت الشـيخ مام مور جار، شقـيق الشـيخ الخــديم، وشــغن أشت والو بـوسو بــنت الشــيخ محــمد بــوسو الشهــير بـ" سرين امبُسُوبِ"

۞نشأته ودراسته
نـشأ في قـرية «كيدي» في حِجْرِ والده بـعد انتقال الأ سرة إليـها بإذن من الشـيخ الخـديم، وفيـها درس القرآن الكريم حـتى أتقـنه حفـظا ورسما ثم شرع في دراسة مبادئ العلوم الشرعــية والعربــية على يدي الإمام الورع "سَرينْ مُودُ َخرِ بــوسـو" قـــبل أن يـــشد رحاله للتعـــمق في هذه العلوم إلى»انغوي» وإلى»جَامَلْ» بإذن من الشـيخ امبــاكى بـوسو، بـعد انتقال والده إلى جوار ربه؛ كـما درس أيـضا على يد العلامة الشهير الشيخ محمد دم في جوربل.

۞تعيينه إماما في "امبر"
وبـعد ما تأكد الشيـخُ امبـاكي بـوسو من رسوخ قـدمه في العلوم الشرعـية وتحلـيه بـصفات العدل والورع وكفاءته فى التـدريس عينه  إمـاما ومـدرسا في قـرية «امبر» بمنطقة سالُمْ، بطلَب من الشيخ بَل َّ تيورو؛ وأقام فيها حوالي ۱۷سنة ولذلك اشتهر بـ"سَرِين دامْ امَبرْ"

۞تعيينه مدرسا في مسجد طوبى الجامع.
الانتهاء من بناء المـسجد الجـامع بطـوبى سنة ۱۹٦۳،استدعاه الشـيخ محـمد الفاضل امباكى الخليفة الثاني للشيخ الخديم «رضى الله عنهما» من "امبر" وعيّنه مدرسا في المـسجد الجـامع إلى جانب الأستاذ الشـيخ الحاج امبـاكي جخَتِ ونائـبا لإمام المــسجد"الحاج سرين يـوسو الإمام" ودرس على يــديه عدد كبير جلـهم من أبناء الشيوخ. وكان طيلة هذه الفترة يــصلي بالناس صلاة التــراويح في ساحة منزل الشيخ الخليفة.

۞تعيينه إماما للمسجد الجامع بجوربيل .
ولما تولى الخلافةَ الشـيخ عـبدالأحد «رضي الله عـنه» سنة۱۹٦۸م نـصبه إمـاما راتـبا لمـسجد الشـيخ الخـديم بجـوربل، غربـي مديـنة طـوبى. وصار منزلُه في هذه المديـنة من أهم المـراكز التعليمـية وأكثـرها شهرةً يَؤُمه الطلـبة من جمـيع الأقالـيم. وقام فيـها بمهام الإمـامة والتـدريس والإ صلاح بـين الناس والإفتاء والقضاء أحيـانا إلى أن حال المـرضُ دون قيـامه بتلك المهام سنة ۱۹۸۲، فأذن له الشـيخ عـبد الأحد امباكي بالعودة إلى منزله بطوبى حيث قضى بقية أيامه.

۞كتاباته:
كان للشـيخ موهـبة شعرية نادرة وله أسلوب ذو طابع تقليدي ـ شأنه في ذلك شأن شعراء جيله ـ يتميز بالأصالة والجزالة حين يمدح، غير أنه يفيض رقةً ولطافةً حين
ينـاجي ربه بخشوع وتضرع وخـاصة في أيـامه الأخيرة. وإلى جـانب الشـعر كان يكـتب نثرا مـثل خطَـبه وقـصة رحلـته إلى المملـكة العربـية الـسعودية عبر أوروبا في أواسط الـسبعينات، بمنـاسبة ملتـقى نظمـته رابـطة العالم الإسلامي فيـها

۞صفاته:
كان الشـيخ عـبد الرحـمن عالمِا مُعتـرفا بعلـمه ومُربـيا قديرا وحافـظا للقرءان ومُتقـنا فنون الـرسم والتجـويد، وكان يُشنف الأ سماع في تراويــحه، وكان يتحلى بالحلم والدمـاثة ورقة القلب، وكان متواضـعا وزاهدا في الدنـيا وحريـصا على صلة رحـمه ومهتمًّا بأمور المسلمين وبما يجري في العالم الإسلامي من أحداث.

۞وفاته
وتـوفى يوم الاثنــين ۳۰من ربــيع الثاني۱٤۱۱ه المــوافق۱۹نوفــمبر۱۹۹۰م إثر مرض عاناه قُرَابةَ عقدٍ من الـزمن، ودُفِـنَ في مـقبرة طـوبى تحت شجرة "غوي تِـغِ" رضي الله تعالى عنه وجزاه عنا خيرا. «من مقدمة ديوانه»

الشيخ إبراهيم فاط امباكي*

إنه واحد من القادة الأفذاذ الذين تخرجوا وتربوا في مدرسة خادم الرسول صلى الله عليه وسلم، وتجردوا عما سوى الله، وأصبحوا قادة إسلاميين بكل ما تحمله كلمة الإسلام من دين ودنيا، فالشيخ إبراهيم فاط امباكي نهل من نبع فيض الشيخ أحمد بامبا، وربي بنفسه علماء مخلصين أناروا الآفاق بمصابيح عقولهم النيرة، فتعالوا معنا – أيها القراء- نسلط الضوء على حياة العلامة الجليل الشيخ إبراهيم فاط امباكي.
مولده :
فالشيخ إبراهيم امباكي قد ولد في بروخان في منطقة "سالم" عام 1283هـ الموافق 1866م، من والدين صالحين الشيخ مام مور أنت سالي امباكي والسيدة/ فاطمة جوب.

تعلمه وتربيته :
لقد تعلم الشيخ إبراهيم امباكي القرآن الكريم على يد الشيخ الخديم حتى حفظه، وكذلك تعلم منه علوما مختلفة وفنونا شتى حتى أصبح بحرا في المعرفة، ويكفي للبرهنة على سعة أفقه العلمية هؤلاء الفحول الذين تخرجوا على يديه أمثال الشيخ محمد المصطفى، والشيخ محمد الفاضل امباكي، والشيخ مختار بنت لوح، والشيخ محمودا كس وغيرهم كثيرون، وكان الشيخ إبراهيم امباكي عالما عاملا بعلمه مراعيا للحقيقة والشريعة في كل شيء لأن ذلك شرط أساسي عند القوم فالشيخ أحمد بامبا يقول :
منها التبحر في علم الشريعة مع ***   علم الحقيقة في بدء وغايات
إذا ارتياض مع الإرشاد قبلهما *** من جالبات غرور مع شقاوات

علاقته الوثيقة مع الشيخ الخديم :
ففي سن مبكرة من حياة الشيخ إبراهيم فاط، كانت علاقته بالشيخ الخديم تتوطد، حتى في صغره وقبل قدرته على المشي كان أخوه الأكبر الشيخ أحمد بامبا يختلي به في الفلاة بهدف إعداده للحياة الروحية كما أنه حين توفي الشيخ الوالد/ مام مور أنت سلي امباكي كان الشيخ الخديم – طبقا لمصادر موثوقة – قد تنازل عن نصيبه من الميراث واكتفى بأمرين هما :
المصحف، وأخوه إبراهيم، وهذا دليل قاطع على وثوق ارتباطهما، قد كان – رضي الله عنه – العضد الأيمن للشيخ الخديم بمنزلة هارون من أخيه موسى – عليهما السلام – في قوله – تعالى – "سنشد عضدك بأخيك" فهو الذي ترك الشيخ الخديم العيال والأمتعة بيده أيام غيبته البحرية المباركة، فاجتمع عليه أصحاب الشيخ أهل العقد والحل، وأقام قراءة أولاد الشيخ الذين حفظوا القرآن في مدة قليلة قبل رجوعه، ولم ينخرم شيء من أمره، هكذا كتب الشيخ محمد الأمين في كتابه : "إرواء النديم من عذب حب الخديم" وثمرة هذه العلاقة الطيبة تنبلج في تأثره – رضي الله عنه بالشيخ الخديم في كل حركة من حركاته.

دار المعطي قلعة العمل والتربية :
بما أن الشيخ الخديم بنى منهجه على العلم والعبادة والعمل فلقد أمر الشيخ إبراهيم امباكي بإنشاء قرية "دار المعطي" في عام 1912م كمكان لتربية أتباعه على العلم والعبادة والعمل، فالله – سبحانه وتعالى يحث على العمل الصالح في قوله :
"والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".
فالعمل الصالح متعدد الجوانب، فكل كسب حلال يعتبر عملا صالحا وفي هذا الشأن يقول خادم الرسول:
اجتهدوا يا قوم في الطاعات **بالعلم والعمل في الخيرات
إذن أنشأ الشيخ إبراهيم امباكي دار المعطي للتربية، والتعليم والعمل لكسب الحلال مراعيا مبادئ الشريعة مع ما تيسر من الحقيقة المنورة، فلم يكن يرضى أبدا أن يدخل أحد أتباعه باب المسجد إلا بعد أن يتوضأ، كما أنه في أوقات العبادة {على ما نقل على لسان "سرج بات سل"} في كتاب الشيخ محمد البشير بن الشيخ إبراهيم كان يأمر الأتباع بترك العمل عندما يحضر وقت الصلاة مثلا، تماما كما كان الشيخ الخديم يتصرف في مثل هذه الحالات، حيث كان يأمر بإبطال ذلك العمل إذا وقع بعد دخول الوقت أو التصدق بناتجه، وهذا ما يسمى بـ "التوحيد العملي".

زهده رضي الله عنه :
كان الشيخ إبراهيم فاط مثلا في الزهد والورع وقد شهد له بذلك الشيخ محمد الأمين جوب في كتابه "إرواء النديم" بقوله " "فإنه فوق ما يوصف" وبقوله أيضا "إنه يضرب الناس به مثلا في الاستقامة" ولا غرو في أن يتصف بهذه الصفة المحمودة من تربي في ظل خادم الرسول الذي كان آية في الزهد والاستقامة.

حزمه وشجاعته وحكمته :
كان الشيخ إبراهيم مثلا في الحزم والشجاعة، وقد اختاره الشيخ الخديم موفدا من قبله لدى السلطات الاستعمارية حين طلب حضوره إلى "اندر" ولكنه بحكمته استطاع أن يقنعها في التراجع عن إرسال كتيبة مسلحة إلى الشيخ، وهو يشبه موقف سيدنا علي {رضي الله عنه} في ليلة هجرة النبي {صلى الله عليه وسلم}إلى المدينة المنورة.
حبه للشيخ الخديم :
فقد كان الشيخ إبراهيم يحب الشيخ الخديم حبا جما، لأن الشجاعة التي أشرنا إليها آنفا دليل قاطع على حبه لشيخه باعتباره أول شرط من شروط المريد الصادق.
الصدق في محبة الشيخ أبد *** ثم امتثال أمره حيث ورد
فالشيخ أحمد الخديم يقول في حكمته : "إن مفتاح محبة التلميذ لشيخه في امتثال أمره واجتناب نهيه" وحسن الظن به، وأما مفتاح محبة شيخه له فرؤيته متعلقا به لطلب الوصول إلى مطلوبه مع المبادرة إلى أمره بلا اعتراض ظاهرا أو باطنا، أما مفتاح عكس هذه الأشياء فإصرار على الذنوب والتسويف عن العمل الصالح ومحبة العاصين، وعدم امتثال الأمر، وترك اجتناب النهي، وسوء الظن، وترك التعلق به لله – تعالى وهكذا فلقد طبق الشيخ إبراهيم هذا الكلام الصادر من الشيخ الخديم حرفا بحرف حتى فنى في حب شيخه رضي الله عنهما.

منزلته عند الشيخ أحمد بامبا :
بالإضافة إلى كون الشيخ إبراهيم فاط مبكي عضد الشيخ الخديم، هناك رسائل عديدة وردت فيما يدل على علو شأنه، فقد رأينا خادم الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حقه : "إبراهيم الذي لم يفارقني لا في صغره ولا في كبره" كما رأيناه في مكان آخر يكتب "إبراهيم الذي لا يخالفني أمرا قط" وهناك رسالة أخرى من الشيخ الخديم تدل على كون الشيخ إبراهيم المسلم الحقيقي والمريد الصادق الذي لا يريد سوى رضوان ربه، فالشيخ إبراهيم قد فاز برضوان الله وهذا نصها :
"بسم الله الرحمن الرحيم متى تقع عينك على هذه الحروف فتيقن بأن كاتبها راض عنك رضي لا سخط بعده أبدا وأنه طالب من الله – تبارك وتعالى – لك ما يغبطك فيه جميع أمثالك فطب نفسا وقر عينا، ولا تشك في كون هذا من ربك إليك بواسطته، والله على ما نقول وكيل" فهل هناك شيء يطلبه الإنسان المسلم والمريد الصادق أكثر من كونه مرضيا عند الله وعند شيخه؟ "ورضوان من الله أكبر".

التحاقه بالرفيق الأعلى رضي الله :
التحق الشيخ إبراهيم فاط مبكي بالرفيق الأعلى يوم الخميس الرابع والعشرين من شهر شعبان المعظم 1362هـ الموافق 1943م بعد أن فاز برضى الله – تعالى – ورضى أخيه الأكبر وشيخه الشيخ أحمد بامبا، وتولى خلافته من بعده ابنه الأكبر الشيخ محمد حو بل مبكي الذي كان خير خلف لخير سلف، واهتم هذا الأخير بقرية دار المعطي وجر المياه إليها، كما أتم بناء بيت والده ومسجده، وواصل دور والده في التربية والحفاظ على التراث المريدي حتى توفي بعد ذلك في عام 1985م ثم انتقلت الخلافة من بعده إلى الشيخ عبد القدوس مبكي العالم السني التقي الذي واصل دور أخيه وأبيه حتى استكملت المرافق العامة في القرية وأصبحت دار المعطي العاصمة الثانية للمريدية بعد طوبى، وكانت من قبل ذلك صحارى جرداء لا مياه فيها! نعم إنه قول الله – تعالى - : "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا" فجازاه الله عن السلف خيرا وأبقى فينا الخلف وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


بقلم الأستاذ خديم مصطفى لو ح

* - نشر هذا المقال ضمن كتاب "شخصيات من المدرسة الخديمية" الذي أصدرته الإدارة العامة لمؤسسة الأزهر الإسلامية سنة 2004
ـــــــ  ــــــــ  ـــــــــ

المعلم الكبير الشيخ عبد الرحمن لوح
بقلم / سام بوسو عبد الرحمن

إن الشخصية التي نتناول أطرافا من حياتها تعتبر من الرعيل الأول من أتباع الشيخ الخديم – رضي الله عنه – الذين تربوا على يديه حتى تصدروا و حققوا الجمع بين الشريعة المطهرة والحقيقة المنورة، وصاروا قادة في الدين هداة، صدق فيهم قول الشاعر :
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم **   مثل النجوم التي يسرى بها الساري
وتلك الشخصية هي المعلم الشيخ عبد الرحمن لوح الشهير بسرين اندام Serigne Ndame .
مولده ونشأته :
ولد الشيخ عبد الرحمن في قرية تسمى ميوندو Mewndu يوم الاثنين الأول من ربيع الأول سنة 1271هـ (1853م) من أسرة عريقة مشتهرة بالتدين والورع : فأبوه هو الشيخ محمد لوح المعروف بمام مدن Mame Madoune ، أما والدته فهي السيدة مر يم سيك وكانت تدعى بمرم Maram. وقد ترعرع في بيئتها الصافية حتى بلغ سن التعلم.
رحلته الدراسية :
كانت أسرة الشيخ مهتمة بالعلم ومشتغلة بالقرآن الكريم ولذا درس القرآن على يدي الشيخ مست جخاتي Massata Diakhaté جد الشيخ حمزة جخاتي حتى حفظه وكتب مصحفا بخط يده كما جرت العادة، ثم تعلم مبادئ علم القراءات في مدرسة بر الشهيرة. وبعد إتقانه القرآن حفظا وتجويدا ورسما شد رحاله للتزود بالعلم، فتوجه نحو بلدة انغيك لدى العالم الشيخ ماجينغ فالو صاحب المدرسة العريقة التي كانت محط رحال طلبة العلم في عصره، وهناك درس المطولات من النحو والفقه.
وتوجه إثر ذلك إلى بتار حيث كان الشيخ مومار أنتا سلMomar Anta Saly والد الشيخ الخد يم يقوم ويرأس مدرسة كبيرة ومكث هنالك ليكمل دراسته في بعض الفنون.وكان الشيخ الخد يم وقتئذ في منزل الوالد.
علاقته بالشيخ الخديم :
كان الشيخ يقارب الشيخ الخد يم في السن. وكان يدرس في مدرسة الشيخ الوالد في امباكي كجور بعد أن برع في علوم كثيرة، كما قرأ على الشيخ الخد يم بعضا من مؤلفاته.
وبعد وفاة الشيخ الوالد سافر الشيخ الخد يم لبضعة أشهر إلى موريتانيا، وفي هذه الفترة أناب الشيخ عبد الرحمن في مهمة التدريس لما توسم فيه من الإجادة والنبوغ.
وحين أعلن الشيخ الخد يم عن عزمه على بدء المهمة التربوية وعرض الأمر على التلاميذ الموجودين كبارهم وصغارهم، كان الشيخ عبد الرحمن من أوائل المبايعين، وأصبح هكذا من الرعيل الأول ممن عرفوا بالمريدين لصدق إرادتهم.
ولم يتردد، رغم ما بينهما من تقارب في السن في الانقياد إليه بل بايعه ولعب دورا هاما ومتميزا لصالح دعوة الشيخ، تلك الدعوة الإصلاحية التي لم ترفع إلا من أجل تجديد الدين وإعادة الناس إلى منهاج الله القويم.
دور الشيخ عبد الرحمن في دعوة الشيخ :
الدور الذي قام به الشيخ عبد الرحمن لصالح الدعوة دور بارز لا يخفى على من له أدنى اهتمام بتاريخ الحركة المريدية.
فالشيخ الخد يم بعد أن ربى ذلك الجيل الأول من أتباعه حتى تأهل كل واحد منهم لمهمة الدعوة والإرشاد وتربية المريدين اختص كلا منهم بمهام وعهد إليه بعدد من الأتباع. أما الشيخ عبد الرحمن فقد اختص بجانب من أهم الجوانب في دعوة الشيخ ألا وهو الاشتغال بتدريس القرآن إلى جانب التربية.
ولا تغيب عن البال المكانة التي يحتلها القرآن الكريم في جهاد الشيخ : فهو سلاحه الذي به قهر الأعداء وسلب به أسلحة الشيطان.
يقول رضي الله عنه :
ومدافعي اللاتي بها أنفى العدى** وبها يفارقني عنيد قاصد
ذكر حكيم أحكمت آياتـــــــــــه ** وبها يزحزح ما يريد المارد
ويقول أيضا :
سلبت بالكتاب و الحديث ** وبالتقى أسلحة الخبيث

والخدمة الجليلة التي قام بها المعلم في مجال القرآن أصبحت من الشهرة بحيث لا تحتاج إلى تطويل في البيان. إنه لم يفارق الشيخ الخد يم بعد المبايعة؛ انتقل معه من امباكي كجور إلى امباكي بول ثم إلى دار السلام ومن ثم إلى طوبى ........إلى أن أسكنه في دار العليم الخبير التي اشتهرت فيما بعد باندام. وطيلة هذه المدة لم يزل يخدم شيخه بهمة منقطعة النظير.
وفي دار العليم الخبير تولى مهمة تدريس القرآن لأهل الشيخ أثناء غيابه في منفاه.
فقام على هذه المهمة خير قيام، وقل من لم يحفظ القرآن على يديه من أبناء الشيخ الكبار وبناته وأبناء كبار تلاميذه. فجزاه الله عن القرآن خيرا.

منزلته عند الشيخ الخد يم رضي الله عنه
كان الشيخ عبد الرحمن لوح- بجديته وعلو همته وما يتحلى به من محبة وصدق- يحتل منزلة خاصة ورفيعة لدى شيخه ويكفينا دليلا أن شيخه كان يستشيره كثيرا في الأمور قبل البت فيها، وإنه ترك عياله في حجره ليعلمها القرآن.. وتوج ذلك كله بتزويجه اثنتين من كريماته : السيدة فاطمة امباكي ثم السيدة مسلمة، ثقة في خلقه وأمانته ودينه.

صفاته :
يقول الشاعر :
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
إذا كان من شيمة الإنسان أنه يتأثر برفيقه وخليله ويتخلق بخلقه فما بالك بمن رافق الشيخ الخد يم، وتربى على يديه، وقام بدور عظيم في دعوته؟ فلا غرو أن يتحلى مثل هذا الشخص بأخلاق حميدة وصفات متميزة.
هكذا كان الشيخ عبد الرحمن لوح متسما بالأخلاق والجدية في عمله لا يعرف الهزل والفتور إليه سبيلا فقيامه برعاية أهل الشيخ وتحفيظهم القرآن لخير دليل على علو همته وعزمه وإخلاصه.
وكان تفانيه في محبة شيخه وفي خدمته حائلا بينه وبين الالتفات إلى حطام الدنيا.
وكان رضي الله عنه شجاعا يصدع بالحق ولا يخاف فيه لومة لائم، ويعد أيضا من القوامين الصوامين، وكان لا يلفي إلا ولسانه لهج بترتيل آيات الذكر الحكيم.

انتقاله إلى جوار ربه :

استمر الشيخ المعلم في خدمته الجليلة حتى رزقه الله بأبناء قاموا بأعباء المهمة خير قيام، وظلت دار العليم الخبير مركز إشعاع لم يخب نوره، وظل يشرف على المدرسة إلى أن دعاه ربه في شهر شعبان 1363هـ (1943م) ورثاه كثير من شعراء عصره، فجزاه الله عن الإسلام خيرا.

لتحميل النص بصيقة PDF اضغط هنا

*****************************************

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشيخ سيدي المختار امباكي {بروم غاوان}*
بقلم الشيخ خادم امباكي شيخو

إن الشخصيات التي خرجتها المدرسة الخديمية، بعد أن تعهدتها بالعناية العقلية والروحية، لتمتاز بالتنوع والغنى في نماذجها؛ فالقراءة الفاحصة فيها تؤكد تفرد كل بخصوصيات تقيم حدودا وفواصل تكاد تنمحى معها علاقات الانتماء لمشرب واحد لولا ما يطفو على السطح من سمات جامعةولعل هذا التنوع يعكس شعور المدرسة باحتياج الساحة الإسلامية إلى التخصص في الأداء والعمل.
والشخصية التي نقدمها اليوم تمثل نموذجا فريدا في بابها سجل لها التاريخ مواقف جليلة في حقل العمل الإسلامي، بما أسهمت في دعم حركة الشيخ أحمد الخد يم التجديدية وجهوده الإصلاحية من جميع النواحي، وعلى الأخص الناحية التمويلية.

التعريف بها :
هو سيدي المختار مبكي المشهور ب بروم غاوان Boroom Gawane شيخ أنتا المولود في قرية بوروخان Porokhane بسالم عام 1285هـ الموافق لعام 1863م، {وقيل 1866م} من الوالد الشهير القاضي مومار أنتا سل، والأم الكريمة مام أست والو مبكي المعروف ب مام أنتانجاي فهو من أبيه أخ للشيخ الخديم – رضي الله عنه- الذي يكبر عنه بحوالي 15 سنة، ومن أمه ابن عمة له.
تعليمه :
حفظ القرآن على أيدي مشائخ مقرئين، أشهرهم وأكثرهم إقراء له وتحفيظا الشيخ عبد الرحمن لوح وأخذ العلم من أخيه الأكبر مام مور جاره ثم التحق بالشيخ الخديم – رضي الله عنه – مفضلا ملازمته.
تربيته :
ينظر "شيخ أنتا" إلى أخيه الشيخ أحمد فيراه شخصية ربانية، وقدوة روحية تصلح بملازمتها الأحوال، وتستقيم بموافقتها الأعمال، فسارع إلى الارتباط بها منذ أن ميز وأدرك، يترصد أوامرها بالامتثال، ويتوسم مرضاتها في كل فعل ومقال، فهو من أوائل الذين رافقوا الشيخ للتربي على يديه.
وقد أولى الشيخ – رضي الله عنه – لتربيته اهتماما خاصا، وأعده لما كان ينتظره من أدوار لم يكن لتستغني عنا حركته خاصة، وأهل تربيته عامة. وقد أبدى هو قابيلة وتجاوبا لذلك على أعلى المستويات، وأصبح، فيما بعد، من خواص مستشاري الشيخ وأهل اعتماده، كما يتبين من وثائق مراسلاتهما.

أبعاد خاصة لشخصيته :
إن الوقوف على الأبعاد والجوانب المختلفة لشخصية "شيخ أنتا" يجعلنا ندرك، في قناعة ثابتة، بأننا، في الحقيقة، أمام طراز نادر في وسطهغير أننا نقتصر على الإشارة إلى بعض مما يعتبر من تلك الجوانب خاصة : -

شيخ أنتا" رجل الأعمال والثري :
على عادة القادة أركان الطريقة الذين تأهلوا على يد الشيخ رضي الله عنه – وتصدروا للتربية، قد كان شيخ أنتا مربيا روحيا تخضع لقيادته وإدارته معسكرات تربوية عديدة يمارس فيها أهل تربيته إنتاجا زراعيا ضخما كنشاط مساعد، لكن يبدوا أن هذا الدور التقليدي السائد بين نظرائه لم يكن ليرضي طموحا كان يستكن بين جنباته، ويتفاقم مع تصاعد أنفاسه.
فأمامه هذه الحركة الوليدة التي لا تزال تتعثر بين العقبات والمضائق، يتزعمها أخوه وشيخه، والحساد والمستعمر له بالمرصاد وأهل تربيته في حصار واضطهاد إلى جانب ما يحيط من مطالب الدنيا من الموالاة والمداراة، ولوازم الدين من البر والمواساة.فالضمير لا يستريح بالوقوف عاجزا أمام هذه وتلك من منغصات ومكدرات، وليس من سبيل إلى خروج إلا بضمان قدر من الاكتفاء المالي ذاتيا يحد من غلواء الموقف.
يقيم "شيخ أنتا" الوضع هكذا، فيقتحم مجال الاستثمار والعمل الحر، يستورد، ويضارب في الأراضي، ويدخل في علاقات تجارية واسعة مع أصحاب رؤوس الأموال، بمن فيهم الأجانب، ليصبح من أهم كبار رجال الأعمال : يملك عقارات عديدة داخل الوطن وخارجه، ويقتني قوافل من السيارات وسلسلة من المحلات التجارية، حتى اعتبر في عام 1919م أكبر ملاك للسيارات وأثرى رجل في البلاد. وقد سخر "شيخ أنتا"كل ذلك لخدمة المسلمين وصالح المريدية كما سيأتي :

شيخ أنتا رجل السياسة :
لم يكن "شيخ أنتا" بعيدا عن مسرح الحياة السياسية، بل كان يراقب تطوراتها الهامة، يتابع الأخبار، ويستنطق الصحف عن طريق سكرتيره الخاص، بل كان يحاول التأثير في مجرى السياسة، ويعمل على ترجيح كفة على أخرى حسب إملاء الموقف والمصلحة الظاهرة؛ وقد وقف مرة إلى جانب "غلا ندو جوف" في انتخابات البرلمان الفرنسي لاختيار النواب الأفارقة فيه، وعمل على تمكينه من ترشيح نفسه.

نفيه إلى "سيغو" :
ولأن "غلا ندو" كان المعارض لبليس جانج في تلك الانتخابات فقد اغتاظ الأخير لموقف "شيخ أنتا" هذا، ولفق ضده تهما تتعلق بالسيادة، وأمن الدولة، وقوانين الملكية، وأصدر على ذلك أمرا بإيقافه ثم نفيه إلى "سيغو" بدولة مالي الآن وذلك في الفترة ما بين (1929-1935م) وفي بيان كتبه العلامة الشيخ مبكي بوسو على لسان الحق سبحانه وتعالى يبرر فيه موقف شيخ أنتا وأنه موقف برئ، لا ينطوي على سوء نية ضد أحد، إشارة إلى هذه التهم، وأنها ملفقة عليه للكيد به، كما فعلوا بأخيه، فله فيه أسوة ؛ ثم اعلموا أني الذي خلقت شيخ أنتا على خلقته عليه من سلامة الصدر، ورقة القلب، وخلو البال، وخولته ما خولته، وجبلته على الإنفاق مما رزقته يمينا وشمالا، ليلا ونهارا، لا يميز في ذلك صديقا ولا قريبا من بعيد، إنه مجبول على ذلك لا كسب فيه، فلو أن أعداء خليله أتوه من الجهة التي أتاه هو منها لنالوا منه ما نال، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فرموه بما رموه مما لا يليق ولا أعلمه فيه منذ خلقته، فاشكر لي يا "شيخ " بالصبر على ما قيل فيك وتعلم أنك برئ منه، فإني مع الصابرين، - ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون في الحقيقة أن هذا البيان يتجاوز حدوث التبرئة وساحتها إلى مشاطرة الحزن والأسى، والتعبير عن المرارة والامتعاض من مسلك "بليس" الجائر، كما يجسد هذا البيان عمق العلاقة وقوة الصداقة التي كانت تجمع "سرين امبك" بـشيخ أنتا"

خدمته وآثاره :
كرس "شيخ أنتا" حياته كلها لتقديم خدمات تعود بالنفع العميم لصالح المسلمين، ولازدهار الطريقة، وارتفاع معاناة الأتباع، كما سبقت الإشارة، وأعد ما استطاع من قوة المال ورباط البذل، وخاض معارك الإنفاق، وجال فيها وسال، وأبلى بلاء حسنا، جاعلا قوله تعالى : "وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه … شعاره الذي يرفرف به عمله.
فكم أقال من عثرات، وأزال من عقبات، وأحيى من عهود وصلات، وعالج من مواقف محرجات بما يسر من تمويلات، وهيأ من نفقات، وما أشار من رؤى ونصائح حكيمات
والشواهد التي يمكن سوقها لا يكاد العد يحصيها، أو الحصر يأتيها، فنكتفي بها بما يسع له المقال، ويستسيغه المقام، على شكل إشارات، دون خوض في تفصيلات.
من ذلك أنه :
  • في إحدى سنوات القحط، يوزع على الأهالي والسكان حمولة سفينة من الأرز تقدر بـ 125000 طنا، معونات غذائية تساهم في تخفيف المعاناة.
  • ينفق على المرافق الدينية، ويصونها عن أيدي الطغاة، ويحفظ للمسلمين وسائل تأدية شعارهم.
  • و يرفع المعاناة عن أهل العوز والفاقة.
  • يساعد صغار التجار ويقدم لهم تسهيلات.
  • ينوب عن الشيخ في تقديم ما يلزم من أنواع البر لأقربائه والقاصدين لساحته من علماء وصالحين.
  • يقدم هدايا، من أموال مختلفة، لذوي القرابة من الشيخ، وللعلماء وأهل التقوى، توسلا بأدعيتهم لعل الله يلطف على العباد ويرفع ما نزل بالمسلمين وبالأتباع من الهم والغم بسبب نفي الشيخ وتغريبه.
  • يتوسط لدى الحكام الفرنسيين، ويقدم هدايا لهم، بغرض الاستخبار عن الشيخ، حينا وطلب السماح برجوعه حينا آخر.
  • يدعم المواصلات، ويشق الطرق بين مناطق تواجد الأتباع وبين محل إقامة الشيخ الجبرية في "جوربل" تخفيفا لحدة الحصار.
  • يطبع أول مجموعة من قصائد الشيخ – رضي الله عنه –
  • يعمل على تحقيق إحدى أمنيات الشيخ الثلاث التي حال القدر بينه وبينها طوال حياته المباركة، والتي تتمثل في (إقامة مسجد الجامع بطوبى، وبناء مدرسة عليا تكون قبلة لطلاب العلم من كل الأنحاء، والحج إلى بيت الله الحرام)

يدرك "شيخ أنتا" مكانة هذه الثلاثة في قلب شيخه، وخاصة الأخيرة التي أكثر الحديث عنها بحيث لم يعد سرا لا يناجي به إلا خواصه، بل كان يحادث به علنا كما يشكو من ألم إلحاحها سرا، على درجة أصبح معها سائغا وجائزا اعتبار ذلك إذنا عاما يتعين بالمقدرة، وهي شرط يتوفر لديه.
فعلى هذا، يتشمر "شيخ أنتا" ويتكفل بهذه الأخيرة ويعد لها العدة والعتاد، ويحتاط لها أعظم احتياط، ويختار لها بعثة تضم من أهل الصلاح والتقوى والقرابة صفوة يقع بهم الاطمئنان على كمال الأداء وصحة النيابة.

بعثة الحج وأعضاؤها :
ضمت البعثة في أفرادها كلا من الشيخ/ محمد الفاضل مبكي – نجل الشيخ – رضي الله عنه – والشيخ مبكي بوسو، وابنه/ سرين مولاي بوسو، بالإضافة إلى شيخ أنتا ممول البعثة ومجهزها، وابنه سرين تاكو مبكي، وطائفة من الكتبة والأعوان.
وكانت الرحلة في عام 1928م. وقد أرخ لها الشيخ محمد الفاضل مبكي من أول الانطلاق إلى يوم القدوم، وذكر المحطات والمزارات، ووصف الأحداث الجليلات والصغيرات.

علاقاته :
كان الشيخ أنتا يتمتع بعلاقات متميزة مع كافة الأطراف؛ فعلاقته مع الشيخ بدأ منذ الطفولة كما مر، ولم تزل في ازدياد العمق والتوطد، وفي علاقة حب متبادل، يغذيها روح يلتمس المؤانسة في الله وإليه.
أما علاقته بالأقرباء وبمن كان يجمعه بهم وحدة المشرب من أعلام الطريقة فحدث بها ولا حرج، فقد كان الجميع يكن له
الحب والتقدير والاحترام بدون استثناء، وإن كان "سرين مبكي بوسو" والشيخ محمد الفاضل ينفردان بامتيازات في هذه العلاقة فقد أبدى كل منهما تأثره الخاص بقرار إبعاده، أظهر تعاطف الصديق الحميم، ومساندة الشفوق الحليم،فقد مرت عليك شهادة الأولى في دلالاتها العميقة، كما شاعت زيارة الأخير له في منفاه بـ "سيغو" وتبشيره بانتهاء محنته وقرب عودته.
أما علاقاته الخارجية ،فقد حتمتها عليه معاملاته التجارية، فارتبط بالأجنبي ارتباطه بالمواطن.

الختام :
هذا قليل من كثير آثار علم من أعلامنا الشامخة، تظل أعماله تشهد له بعلو الهمة.وصدق العزيمة، وبعد النظر. وسعة الأفق، والتفاني في الخدمة للشيخ، وللأتباع والمسلمين عامة مما يجعله في مصاف الطلائع والركائز التي عليها الأساس الأول للطريقة.
بل إن أهمية شخصيته ووزنها داخل المنظومة الأولى للحركة تعود بذاكرتنا إلى موقف الخليفة الثالث سيدنا عثمان – رضي الله عنه – المنعش للنشاط العسكري للدولة الإسلامية الأولى والداعم لها في مواجهة الأزمات المالية.
ومكانته المتميزة من الشيخ – رضي الله عنه – والتي يظل رمزا لها اختصاصه بنزوله عنده في دار السلام (أول قرية بناها) لنفسه ثم عهد بها إليه إثر رجوعه من الغيبة البحرية. وإقامة أول ضيافة عامة له استقبل فيها جموع الأتباع، وعموم الزوار، تؤكد هذه الأهمية الخاصة.
وتوفي – رضي الله عنه – ودفن في دار السلام، في 1/1/1941م، وخلفه في الإمارة والعمارة الشيخ محمد المأمون أكبر أبنائه، ثم من بعده إخوته الذين لا يزالون يتعاقبون على كرسي الخدمة والتجديد.
فجزاه الله وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرا، ونفعنا بحسن الاقتفاء لآثارهم.

* نشر هذا المقال ضمن كتاب "شخصيات من المدرسة الخديمية" الذي أصدرته الإدارة العامة لمؤسسة الأزهر الإسلامية سنة 2004

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشيخ مام مور جاره "بروم شام*
 بقلم / سام بوسو عبد الرحمن
من المعروف أن الشيخ الخديم – رضي الله عنه – لما أعلن بدعوته إلى الحركة الإصلاحية المعروفة فيما بعد بـ "المريدية" استجابت لدعوته فئات متعددة ذات انتماءات مختلفة وأعمار متفاوتة، من عشيرته الأٌقربين ومن البيوت الملكية ومن أوساط رجال العلم والدين، كل هذه الفئات على اختلاف أنواعها، انصهرت في بوتقة واحدة وحملت الدعوة بفعالية وانسجام تام، وذلك بفضل تربية الشيخ الفعالة، وبفضل ما منَّ الله عليه من العناية الإلهية.
ومن أكبر امتيازات الدعوة الخديمية – بخلاف ما تعودنا عليه في تاريخ الدعوة الإسلامية – استجابة أقرباء الشيخ السريعة له والتفافهم حوله كأبناء أعمامه وأبناء أخواله وإخوانه أنفسهم.
ومن هؤلاء الإخوة المخلصين شقيقه الأكبر الشيخ ممر جاره الذي نحاول تقديم نبذة وجيزة عن حياته الحافلة.
                ميلاده ونشأته:
ولدالشيخ مام مور جاره {بروم شام} في قرية "امباكي بول" التي أسسها الجد الكبير مهرم امباكي حوالي 1194ه الموافق 1789م ولد الشيخ محمد جاره فيما بين {1850 – و 1851} من أسرة طيبة متدينة مشهورة بالعلم والصلاح :
 فوالدته كانت يضرب بها المثل في التقوى والعبادة حتى أطلق عليها لقب {جارة الله}مريم بوسو إشعارا برفعة مقامها. وأما والده مام مور أنت سالي فقد كان ممن يشار إليهم في العلم، وكان يشرف على مدرسة عريقة شهيرة يؤمها طلبة العلم من جميع أرجاء البلاد، وفي حجر هذه الأسرة الكريمة نشأ وترعرع حتى بلغ سن التعلم، فشرع في دراسة كتاب الله العزيز على يدي والده حتى أتقنه حفظا وتجويدا ورسما، ثم درس العلوم الإسلامية على يدي خاله العلامة الشيخ محمد البسوبي.
 وفي أيام المجاهد {مبه جاخوبه} هاجرت الأسرة معه إلى "سالوم" شأنهم في ذلك شأن علماء "كاجور" "وباول". ولما استشهد المجاهد عاد الشيخ الوالد مع الملك لتجور جوب إلى كجور وعاد الشيخ محمد جارة إلى ضواحي امباكي بول، حيث أسكنه والده وأبقى معه عددا من تلاميذه يقوم بتربيتهم وتعليمهم وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، بعد ما تلمس فيه الأهلية الكاملة لذلك.

                 علاقته بأخيه الشيخ الخديم ودوره في الدعوة:
حينما شرع الشيخ الخديم "ض" في مباشرة مهمته التربوية الجليلة كان أخوه الشيخ محمد جارة قد تأهل بشكل كامل للقيام بدور هام وقيادي في حياة الحركة المريدية؛ فقد شارك إلى جانب الشيخ الخديم في إعداد الجيل الأول من الأتباع الذين حملوا فيما بعد مشعل التربية ونشروه في طول البلاد وعرضها.
في الواقع تعلم كثير منهم على يدي الشيخ محمد جارة أمثال الشيوخ: إبراهيم فاط، وسيدي المختار، ومصمب امباكي ومحمد الفاضل امباكي، وامباكي بوسو، وكثير غيرهم ومع ذلك فقد بايع الشيخ الخديم على سلوك طريق الإرادة فجدد له الشيخ  الورد القادري، وكانت ترقيته في مدة يسيرة قبل الغيبة البحرية.
كما كان الشيخ محمد جارة أثناء غيبة الشيخ البحرية يشرف على أمور الأسرة على أكمل وجه، وفي الرسائل التي كان يتبادلها مع الشيخ دلائل واضحة على متانة ثقة أخيه به، وعلى حسن قيامه برعاية الأهل {انظر المجموعة صفحة 94} وقد كتب الشيخ تيورو امباكي أحد إخوته عنه
فقَدْنا والدا من قبلُ لكن              نسيناه به كثرَ الخيور
وإلى جانب هذه المهام الكبيرة كان الشيخ محمد جارة قد أسس قرى كثيرة لتربية الأتباع على العبادة والعمل حتى تخرج على يديه عدد لا يحصى من المريدين ومن تلك القرى شام – مصر  في غرب وشمال المدينة المحروسة طوبى.

                  سيرته وصفاته
بفضل البيئة الصالحة التي نشأ فيها الشيخ محمد جارة والتربية الدينية التي تمتع بها منذ نعومة أظفاره، وارتباطه الوثيق بأخيه الشيخ الخديم – رضي الله عنه – بفضل ذلك كله كان الشيخ محمد جارة متحليا بأخلاق وصفات نبيلة جعلت معاصريه يكنون له كل المحبة والتقدير والاحترام.
فقد كان رضي الله عنه من فرسان العبادة والزهد، كان ورده مائة ركعة كل ليلة {منن الباقي القديم} يقول عنه الشيخ محمد دم:
               ذاك ابنُ بلَّ حبيبُ الله عابدُه               مُحيي الليالي بأورادٍ سنيَّات
كما كان – رضي الله عنه – في الإعطاء والإطعام لا يُشق له غبار، يقول الشيخ محمد المصطفى امباكي عن عمه :
غيثُ الأرامل والضعاف جميعِها                في عسر أو يسر لوجه الــــــــــرازق
 جمع المفاخر والعلى مذ هبَّ حتَّـ           ـــتى شاب منه بعدُ سودُ مفارق    
والمقام يضيق عن إيراد مزيد من الأقوال عنه وللتوسع راجع {تحفة الأنام في سيرة بروم شام}للسيد عبد الكريم مبكي

               انتقاله إلى جواره ربه
هكذا ظل الشيخ محمد جارة يكرس حياته كلها في عبادة ربه وخدمة المسلمين وتربية المريدين حتى انتقل إلى جوار ربه في شوال 1339هـ 1921م فبكاه جميع المسلمين وخاصة أهل الشيخ الخديم- رضي الله عنه – وقد رثوه بمراثي كثيرة تعبر عن مدى حزنهم ومدى تقديرهم لخدمته الجليلة لصالح الإسلام والمريدية يقول الشيخ محمد الفاضل في مرثيته :      وفاةُ الشيخ أحمدَ جار أمرٌ                 عظيم من مُلمَّات الدهور
                  ألا قد كان في اللأواء ركنا             مَشيدا باللطافة والحبـــــــــور
        وقد كان المعدَّ لكل خطب                جليلٍ في خفاء أو ظــــــهـــــور
إلى أن قال :
       وهل للقصر "بكةَ" إن ألمت           بهم شهباء مِن سندٍ مُجـــــير
وأما العلامة الغدوي الشيخ امباكي بوسو فقد أرخ وفاته بقوله :
       ثم الأغرُّ شيخنا ابنُ جاره          في طلسش صبحا قضى أوطاره
أي في عشر شوال 1339 هـ (يونيو 1921م ) جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير جزاءه وأيد خلفاءه.
 سام بوسو عبد الرحمن
تحميل المقال بصغة PDF


* - نشر هذا المقال ضمن كتاب "شخصيات من المدرسة الخديمية" الذي أصدرته الإدارة العامة لمؤسسة الأزهر الإسلامية سنة 2004

مقالات ذات صلة

هناك 7 تعليقات:

  1. تتشرف شركة المثالي جروب للنظافة الشاملة بالمنطقة الشرقية بتقدم شركة تنظيف منازل بالخبر والتي تقدم افضل خدمات تنظيف المنازل والشقق والفلل والمجالس والكنب والسجاد والموكيت بالاعتماد عليافضل الامكانيات الحديثة والعمالة الماهرة وخبرة عشرات السنوات بمجالات التنظيف لجميع اركان المنزل وكل مع يحيط به فمع شركة تنظيف بالخبر تستطيعون الحصول علي افضل جودة ممكنة لتنظيف المنازل بارخص الاسعار المثالية

    شركة تنظيف منازل بالخبر
    شركة تنظيف بالخبر
    شركة تنظيف مجالس بالخبر

    ردحذف
  2. شركة طيوب لتسليك المجاري تعد الشركة الاولي بالمنطقة الشرقية لتسليك المجاري وشبكات الصرف وبالوعات الصرف للمطابخ والحمامات باستخدام افضل الاجهزة الحديثة وامهر العمالة المتخصصة والمدربة علي تسليك مجاري المياه وسبكات الصرف وفق القواعد الاساسية لتسليك المجاري فتعد شركة طيوب لتسليك المجاري خير صديق لراغبي تسليك مجاري المياه فلديها افضل شركة تسليك مجاري بافضل جود وارخص الاسعار بجميع مدن ومحافظات المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية فلدينا الخدمات الاتية

    شركة طيوب لتسليك المجاري
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالقطيف
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالدمام
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالخبر
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالجبيل
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالاحساء
    طيوب للمجاري
    طيوب لتسليك المجاري بالقطيف
    طيوب لتسليك المجاري بالمنطقة الشرقية

    ردحذف
  3. تتوافر لدينا افضل خدمات التنظيف ومكافحة الحشرات وتسليك مجاري المياه وبالوعات الصرف بالمنطقة الشرقية فتعد شركتنا افضل شركة خدمات منزلية بالمملكة العربية السعودية فلدينا جميع خدمات التنظيف للمنازل والشقق والفلل والمجالس والبيوت والكنب والمفروشات بجميع انواعها كما يتوافر لدينا خدمات مكافحة الحشرات وابادتها ابادة تامة وبلا رجعة نهائيا من خلال افضل المبيدات الالمانية القوية ولدينا قسم خاص لتسليك مجاري المياه وبالوعات الصرف للمطابخ والحمامات وشبكات الصرف الرئيسية والفرعية للمزيد تواصلوا معنا عبر الروابط التالية

    http://basmit-eldammam.com/
    http://basmit-eldammam.com/2017/02/10/%D8%A7%D9%85%D8%B3%D8%AA-%D9%84%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D9%8A%D9%81/
    http://basmit-eldammam.com/2017/07/23/%D9%88%D8%B1%D8%B3-%D9%84%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%81%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D8%A1/
    http://basmit-eldammam.com/2017/09/01/%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%B7%D9%8A%D9%88%D8%A8-%D9%84%D8%AA%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%8A-2/
    http://basmit-eldammam.com/2017/02/16/%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D9%84%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%81/

    http://basmit-eldammam.com/2017/01/22/%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%81-%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B2%D9%84-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D9%8A%D9%81/
    http://basmit-eldammam.com/2017/01/22/%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%81%D8%AD%D8%A9-%D8%AD%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D9%8A%D9%81/
    http://basmit-eldammam.com/2017/01/22/%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%81%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%B6-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D9%8A%D9%81/

    ردحذف
  4. بعد التحية، عندنا حاجة في .الشيخ احمد بمبا --أسباب الغيبة البحرية الظاهرية والباطنية.ومايستفادمنها -- morfademba@yahoo.com. .فشكراً على حسن المعاملة. .

    ردحذف

محاضرة روض الرياحين في ١٨ صفر ١٤٣٩ (٢٠١٧م) للتحميل

كما هو معتاد، نظمت دائرة روض الرياحين محاضرتها العامة بدار الضيافة  في طوبى بمناسبة الاحتفال بذكرى الغيبة البحرية لشيخنا أحمد الخديم ر...