الأحد، 7 أبريل، 2013

التيارات الفكرية في العالم الإسلامي*

  من المعروف أن للأفكار تأثيرا كبيرا في توجيه حياة الناس وسلوكهم وفي تحديد موقفهم ومن هنا اهتم الفلاسفة والباحثون بدراسة الأفكار وتطوراتها، و العالم الإسلامي شهد منذ القرن الأول الهجري تيارات فكرية مختلفة اختفى بعضها وتطور البعض الأخر على مر العصور. وما زالت هذا التيارات تؤثر تأثيرا كبيرافي حياة المسلمين وعلاقاتهم مع بعضهم ومع الآخرين؛ ومن هنا تأتي أهمية فهم هذه التيارات واستيعابها وإدراك منطلقاتها ومبادئها بهدف الاستفادة من حيويتها لصالح الإسلام والتخفيف من آثارها السلبية، فما يحدث من تطرف وتعصب وعنف في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي يجعل تناول الموضوع في غاية الحساسية.

ولا شك أن الظروف لم تسعفني لإعطاء هذا الموضوع ما يستحقه من الدراسة المنهجية التي تحقق الدقة والموضوعية المطلوبتين لما يتطلب ذلك من رصد مكونات كل تيار على حدة اعتمادا على مصادره الأصلية ودراسة عوامل تكونه على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ولذلك سأكتفي باستعراض سريع لنشأة التيارات الفكرية في الإسلام وأهم التيارات السائدة وأهمية التعامل الإيجابي معها.

نشأة التيارات الفكرية الإسلامية

يرى علماء الاجتماع أن المذاهب الفكرية ظاهرة من ظواهر التصادم بين فئات اجتماعية متمايزة على المستوى الاقتصادي ذات اتجاهات سياسية مختلفة ومومنة بمناح عقائدية غير متجانسة1

ومن هنا لم يشهد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تيارات فكرية بارزة لوجود هدف واحد لدى المسلمين يتمثل في تأسيس الدولة الإسلامية، في عهد سيدنا عثمان بدأ نوع من تضارب المصالح الاقتصادية يلوح في الأفق بعد توسع الفتوحات.

وبعد وفاة سيدنا عثمان تفجرت الفتنة التي أدت إلى بروز فرق وجماعات متناوئة بين الإمام علي ومعاوية بن أبي سفيان، نتيجة للصراع حول الخلافة و مثلت كل جماعة منها اتجاها فكريا متميزا فظهرت الشيعة (جماعة علي) والخوارج ( والجبرية وإلى جانبهم المرجئة (أهل السنة الأوائل)

وقد أدى البحث في علم الكلام إلي ظهور مدارس فكرية كالمعتزلة والماتوريدية والأشعرية، كما كان للخلاف الساسي دور في ترسيخ الخلافات العقدية.

اشكالية التصنيف لتيارات الفكر الإسلامي

من الصعوبة بمكان تصنيف تيارات الفكر الاسلامي لكثرة التداخل ودقة الحواجز بينها، واختلاف زوايا النظر إليها؛ فإذا كنا ننظر إلى التيارات باعتبار ممثليها من المدارس، يمكن القول بأن "أبرز الفرق المعاصرة اليوم فهما فرقتا الشيعة والسنة، فالشيعة بفرقتيها الكبيرتين (الإمامية وهي أكبرهما والزيدية) والسنة بفرقتيها الكبيرتين (الأشاعرة وهي أكبرهما والسلفية)، وهناك نقاط إلتقاء وافتراق بين كل هذه الفرق، كما يوجد داخل الفرقة الواحدة من الاختلافات والتبديعات والتكفيرات الشيء الكثير2


وإذا كنا ننظر إلى التيارات باعتبارها اتجاهات فكرية فهناك تصنيفات مختلفة، فقد " أحال المفكر المغربي عابد الجابري هذه التيارات إلى ثلاث عوالم: البيان{الرأي} والبرهان {النص} والعرفان {الذوق} كما أحالها المفكر البحريني جابرالأنصاري إلى ثلاث عوالم أخرى: السلفية والتوفيقية والرفضية"،3

ومهما يكن من أمر فإنه يمكن إرجاع التيارات السائدة حاليا في الفكر الإسلامي - وخاصة في العالم السني - إلى أربعة : التيار الصوفي والتيار السلفي والتيار السياسي ( الشمولي) والتيار العلماني ويوجد داخل كل تيار اتجاهات مختلفة ما بين متطرف ومتشدد ومعتدل.

التيار الصوفي

فالتيار الصوفي يميل إلي الجانب الوجداني والعاطفي والذوقي والأخلاقي للدين وإن كان لا يهمل الجوانب العقلية والمادية للحياة، وقد كان هذا التيار في بداياته رد فعل لطغيان المادية والرفاهية المفرطة وسطحية الفقهاء وجفاف علماء الكلام، فاهتموا بالزهد بعمارة القلوب وتزكية النفوس والتقرب إلي الله.

وفي داخل هذا التيار تطرف وانحراف أديا بالبعض إلي إهمال الحياة وترك ظاهر الشريعة وإنكار العقل.

التيار السلفي

يهتم بقضايا العقيدة والشرك والبدعة ويتمسك بفهمه لظواهر النصوص وتفسير السلف، وهذا التيار امتداد للمذهب الحنبلي، وقد ظهر نفوذه مع ولادة الدولة السعودية وازدادت قوة مع الدعوة الوهابية. ويتميز بمعاداة التيارات المخالفة ونعت غيرهم بالكفر أوالشرك أو الضلال، وينبثق عن هذا التيار اتجاه جهادي يدعو إلي إعادة الخلافة الإسلامية بقوة السلاح وشن حرب ضد مخالفيه في الرأي.

التيار السياسي

يهتم بالحياة العامة وتطبيق الشريعة في مختلفة مجالات الحياة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا ويدعو إلي السعي للوصول إلي الحكم ولا يبدي معاداة سافرة ضد التيارات الأخرى ويشارك في العملية الساسية في بلدان مختلفة من العالم الإسلامي. وفي هذا التيار أيضا ظهرت اتجاهات متطرفة، كجماعة الجهاد والتكفير، تعتبر أن المجتمعات الإسلامية تعيش في جاهلية لا يمكن التعامل معها وينبغي استئصال جميع الحكام لتطبيق الشريعة.

التيار العلماني أو اليسارى

يسعى إلى تفسير النصوص تفسيرا علمانيا ويرى أنه لا علاقة للدين بشؤون الدولة وبالحياة العامة وقد تأثر أنصار هذا التيار بالنظرة الغربية للدين.

فهذه لمحة سريعة عن التيارات السائدة أو الاتجاهات لم تتطرق إلي التفاصيل والخصائص المتعلقة بكل تيار من حيث المبادئ والاستراتجية والخطاب، ومع ذلك يمكن أن نستخلص بعض القواسم المشتركة بين هذه التيارات.

 أولا : أن كل تيار يدعى أنه الممثل الحقيقي للفكر الإسلامي الأصيل ويستقي شرعيتها من القرآن والسنة وله سلفه الصالح4. 

ثانيا: في كل تيار متشددون منغلون على أنفسهم لا يرون للآخر حقا في الوجود ومعتدلون يتقبلون الآخر
ثالثا: في كل تيار قيم يمكن استغلالها لصالح المسلمين وتجاوزات وانحرافات في مجال الممارسة ينبغي تصحيحها.
رابعا: قلة الإنصاف في نظرة أنصار كل تيار إلى الآخرين وفي التعامل مع أفكارهم ومصادرهم. 

خامسا: أن الانتماءات الفكرية لها تأثير كبير في العلوم الإسلامية كالتفسير والحديث والتاريخ الإسلامي.



تيارات الفكر الإسلامي وواقع المسلمين

لم يعد الخلاف الفكري محصورا في أروقة المساجد وقاعات الجامعات والمعاهد العليا ومراكز الدراسات بل ظهرت آثاره في الساحات العامة ونشهد عواقبه من خلال التفجيرات وعمليات القتل والتدمير ضد مخالفين في كافة مناطق العالم مما دفع كثيرا من الدول إلى الاهتمام بما يسمى بـ"الأمن الفكري" داخل حدودها وتعمل لحماية ثوابتَ فكريةٍ تتشبث بها الغالبية العظمي من المواطنين

وفي إطار التعامل مع واقع الاختلاف الفكرى أرى - على مستوى الدعاة والمثقفين ـ ضرورة العمل على توطيد الأمور التالية:

  • التسامح والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف إيمانا بأن هذا الاختلاف مشيئة الله تعالى.5
  • تحري الموضوعية في تناول آراء المخالفين

  • تعزيز الثوابت التي تضمن التقارب الفكري في المجتمع

  • حماية النشء من الأفكار المتطرفة

الخاتمة 
استعرضنا بشكل سريع لنشأة التيارات وذكر أهمها مع ملحوظات حولها وكيفية التعامل معها، وفي الختام نركز على ضرورة العناية بالأفكار وآثارها فبدون هذا الاهتمام قد يتعرض أمننا الفكري6 للخطر، واختلال هذا الأمن أشد من اختلال غيره لعمق آثاره وامتدادها. وفي هذا الإطار لا بد من محاولة تحديد ثوابتنا الفكرية وتعزيزها مع الانفتاح والتسامح مع من يختلف معنا في الأفكار.

*أصل هذا المقال محاضرة ألقيناها في الجامعة الصيفية لدائرة أنصار الدين الإسلامي في دار السلام اندام سنة ٢٠١٢
                                              

الهوامش

1فلسفة المعتزلة، جماعة من الأساتذة، مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر، الدار البيضاء

2قراءة في كتب العقائد، المذهب الحنبلي نموذجًا، حسن بن فرحان المالكي، مركز الدراسات التاريخية

3التيارات الفكرية السائدة في العالم الإسلامي د. أسامة القاضي  www.alrashad.org/issues/18/18-Kadi.htm

4فهذه سمة جميع المذاهب الإسلامية فمثلا يروى عن القاضي عيد الجبار أحد أقطاب المعتزلة في الخامس أنه رتب طبقات المعتزلة فجعل الأولى الخلفاء الأربعة وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن مسعود وغيرهم من متقدمي الصحابة( انظر فلسفة المعتزلة ص ١٢). ونجد نفس الأمر في طبقات الأولياء في كتاب حلية الأولياء

5هناك نصوص عدة تدعو المسلم إلى قبول الاختلاف " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " ولو شاء ربك لآمن من في الارض جميعا .. والإقرار بأن الحساب على الله.

6 الأمن الفكري هو الانسجام القائم بين ما يؤمن به المجتمع و بين ما يعيشه و ما يتطلع إليه ! و من الواضح أن هذا التعريف ينطوي على العديد من المعاني و الحقائق ، و أولى هذه الحقائق استناد الأمن الفكري إلى مرجعية عقيدية ثقافية واحدة يؤمن بها المجتمع على تعدد نسيجه الثقافي والسياسي و الاجتماعي ؛ تتفرع عن هذه المرجعية منظومة قيم يقدسها الجميع و يجسدها الجميع في السلوك الفردي و الجماعي ؛ (...)

هناك تعليق واحد:

  1. لا زلتم سراجا نستنير بكم في ظلمات الزمان وحالكات لجج العولمة المضللة لكل خائف عقل لا يأخذ الامور على نصابها، تبينىلنا أشياء لم لنعرفها كما يليق، وذلك في ذا الزمان أعلى نصيحة وأغلاها في الدين حيث يدافع النشء عن فخوخالعياقين المتظاهرين بلباس التقوى.
    حفظكم الله

    ردحذف

التعليم العربي في المدارس الفرنسية : قضية على طاولة النقاش !

منذ عدة سنوات، كنتُ أفكر في قضية التعليم العربي في المدرسة الفرنسية العمومية، بعد أن زاولتُه لمدة خمس سنوات كمعلم للغة العربية في المرحل...