الأربعاء، 13 أغسطس، 2014

غايات تربوية من منظور الشيخ الخديم (رضي الله عنه)

قال الشيخ الخديم رضي الله عنه:
ولْتقصِدوا أَربعةً عند ابْتِدا          تعلّمٍ لكيْ تَفوزوا بالهـــــدى
أولُها الخروجُ من ضَـلال           والثان نفعُ خلقِ ذِي الجَلال
ثالثُها الإحيـــــــاءُ للعُلـومِ            والـرابعُ الْعملُ بالعُلـــــومِ
                             **   **  **
في هذه الأبيات الثلاثة من "مغالق النيران"  يُرشد الشيخ الخديم رضي الله عنه الساعين إلى طلب العلم نحو مبدأ مهم في التعلم وهو تحديد الأهداف قبل الانطلاق، يوجّههم نحو أهداف أربعة  يجب عليهم توخِّيها في سعيهم لطلب العلم إذا أرادوا النجاح والفوز بالمطلوب لأن الأهداف هي المنار الذي يُنوِّر الطريقَ للمتعلم ليهتدي ولا ينحرف عن بلوغ غاياته.
 وقد حدد الشيخ هذه المقاصد بأربعة وهي : الخروج من الضلال ونفع الخلق وإحياء العلوم والعمل بالمعلوم.

والأبيات قصيرة في عباراتها ولكنها عميقة في معانيها، فهي تحمل دلالاتٍ ذاتَ أهمية قصوى في مجال التربية يمكن إذا تم فهمها واستيعابها أن تؤثر بشكل إيجابي في مسار سياساتنا واستراتجياتنا التربوية وتُحدثُ ثورةً في نظرتنا إلى العملية التعليمية التعَلّمية، وبصورة خاطفة نشير إلى بعض هذه الدلالات. 

-        مركزية المتعلم في العملية التعليمية
إن المخاطَب هنا هو المتعلم وليس المعلم وفي هذه اللفتة للمتعلمين تقريرٌ لمبدأ من أهم المبادئ التربوية الحديثة.
فمن أبرز التطورات في النظريات التربوية الحديثة جعل المتعلم في مركز العملية التعليمية التعلّمية واعتباره عمدتها، فالمتعلم هو الذي يسعى نحو التحصيل ويبني معارفه والمعلم مساعد وموجه ومهيئ للظروف والشروط اللازمة. وهذا المبدأ هو ما توصل إليه علماء النفس في مجال نظريات التعلم، وخاصة أنصار النظرية البنائية؛ يرى فون جلاسرفيلد (Von Glasserfeld,1988) – وهو من أكبر منظريها  –  أن البنائية " عبارة عن نظرية معرفية تركز على دور المتعلم في البناء الشخصي المعرفي " أي تؤكد على أن المعرفة لا يتم استقبالها بشكل سلبي، بل تبنى بشكل فعال.
والشيخ إذ يُخاطب المتعلمين دون المعلمين فإنما يضع على عاتقهم مسؤولية السعي إلى الاكتساب ويوجههم إلى ضرورة الأخذ بزمام المبادرة في التحصيل إذا أرادوا بلوغ مرامهم.

-       ضرورة الانطلاق من أهداف واضحة 
إن تحديدَ الشيخ للظرف الذي يهتم فيه المتعلم بالأهداف " عند ابتدا" يكشف عن مبدأ يُعتبر في الدراسات التربوية من خصائص التربية الحديثة وهو ضرورة كون  الهدف التعليمي واضحا لدى جميع الأطراف المشاركة في العملية التعليمية من معلم ومتعلم ويعتبر عاملا أساسيا في فعالية النشاط التعليمي / التعلمي.
فإذا كان المتعلم مطالبا بالمشاركة في إعداد المشاريع التربوية وتنفيذها لكونه العنصر الأساسي فلا بد أن تتضح أمامه الأهداف التربوية التي يسعى إلى تحقيقها، لتكون له دافعية قوية تحفزه إلى التضحية وبذل المجهود؛ ومن هنا اعتنى الشيخ ببيان الغايات التي ينبغي لطالب العلم أن يضعها نصب عينيه.

-       تمييز مستويات الأهداف
وبالتأمل في هذه المقاصد التي حددها الشيخ يمكن – بالإضافة إلى المضامين التقليدية التي نحصرها عادة في المعرفة الدينية – أن نكتشف أربع مستويات مترابطة ومتكاملة تتقاطع مع المراحل التعليمية المختلفة.

المستوى الأول : الخروج من الضلال
فهذا المقصد يمكن أن نعتبره غاية "للتربية الأساسية" فهو المستوى الذي لا بد أن يحققه جميع أفراد المجتمع بلا استثناء فلا ينبغي ترك أي فرد يتخبَّط في ضلاله. والتربية الأساسية هي التي توفر للجميع قدرا من التعليم يخرجهم من ظلمة الجهل ويزوِّدهم بالقيم والمعارف والكفاءات الأساسية لضمان حياة كريمة فلا ترمي هذه المرحلة إلى تزويد المتعلمين بتخصُّصات دقيقة بل ترمي إلى إعدادهم لهذه التخصصات إعدادا سليما. 

المستوى الثاني : نفع خلق ذي الجلال
فهذا المرمى يتناسب مع التعليم الثانوي والمرحلة الجامعية الأولى حيث يكتسب المتعلم كفاءات متنوعة راقية  يتسنى له أن يسخرها  في خدمة مجتمعه، وفي هذا التعبير " نفع خلق ذي الجلال " بشموليته إشارة إلى التخصصات المتنوعة التي تخدم الإنسان والحيوان والبيئة وغيرها وإلى البعد الرباني الذي يجب أن يُراعى في جميع المراحل والمستويات والاستراتجيات التربوية.

المستوى الثالث : إحياء العلوم
فهذا الهدف السامي الذي يتحقق من خلال البحث والدراسة والتجارب العلمية هو ما ترمي إليها مرحلة الدراسات العليا ومراكز البحث العلمي، فلا يحصل إحياء العلوم بمجرد الحفظ والنقل؛ ففي الإحياء معاني التنمية والتطوير وإنتاج المعرفة.

المستوى الرابع : العمل بالمعلوم
وأعلى هذه الأهداف وأهمها وأشرفها – في نظري – هو"العمل بالمعلوم" لأن ثمرة العلم هي العمل كما عبَّر عنه الشيخ في موضع آخر، ونجاعة النظريات في تطبيقها، ولا فرق في ذلك بين المعارف الدينية والعلوم التطبيقية.  وهذا المقصد هو أكثر المقاصد  عرضة للإهمال. و الإغفال عن الجانب التطبيقي والعملي يعتبر، في واقع الأمر، من أخطر المشكلات التي تعاني منها النظم التربوية في الدول النامية فأغلب الدراسات والأبحاث مصيرها الخزانات والمكتبات.
هكذا نرى كيف بيَّن الشيخ رضي الله عنه بهذه العبارات الوجيزة الغايات الكبري للتربية الهادفة التي تخدم مصلحة الأفراد والمجتمعات وتحقق للإنسان السعادتين الدنيوية والأخروية ولمَّح إلى بعض المبادئ الأساسية في النشاط التربوي.
 والسؤال الذي يطرح نفسه هو لم لا نستلهم مثل هذه الرؤى الأصيلة لدى صياغة مناهجنا التربوية ومرجعياتها ؟!

سام بوسو عبد الرحمن
موضوعات ذات صلة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التعليم العربي في المدارس الفرنسية : قضية على طاولة النقاش !

منذ عدة سنوات، كنتُ أفكر في قضية التعليم العربي في المدرسة الفرنسية العمومية، بعد أن زاولتُه لمدة خمس سنوات كمعلم للغة العربية في المرحل...