الأربعاء، 27 فبراير، 2013

مواقف من الاعتدال والإنصاف

خلال متابعتي للسجال الدائر في الموقع الاجتماعي "فيس بوك" بين السلفية والصوفية، تلمَّستُ - إلى جانب العنف الكلامي - ميلَ الإخوة نحو إطلاق الأحكام والأوصاف بشكل جزافي ومتطرف أحيانا. ولاحظت أيضا أن البعض يضع السلفيةَ (تارة تستعمل الوهابية ) عامةً في خندق والمتصوفةَ في خندق آخر، فيخيَّل للقارئ أن السلفيةَ جمعاء بدون تمييز ولا استثناء معارضون للصوفية عموما وأن أكبرَ همِّ الأولين هو أدانة الآ خرين وإخراجُهم من حظيرة أهل السنة والجماعة، مع أننا نجد من كبار علماء السلف مواقف نموذجية من الوسطية والإنصاف تجاه المتصوفة.
فعلى سبيل المثال، نجد عند الشيخ ابن تيمية رحمه الله موقفا وسطا تجاه المتصوفة يقول في رسالة له (الصوفية والفقراء)"ولأجل ما وقع في كثير منهم [ الصوفية] من الاجتهاد والتنازع فيه، تنازع الناسُ في طريقهم؛ فطائفة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا: إنهم مبتدعون وخارجون عن السنة. ونُقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف، وتبعهم على ذلك طوائفُ من أهل الفقه والكلام. وطائفةٌ غلت فيهم، وادَّعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الانبياء. وكلا طرفيْ قصدِ الأمور ذميمٌ. والصوابُ أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرُهم من أهل طاعة الله ، ففيهم السابقٌ المقرَّب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين ، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يُذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه" [الصوفية والفقراء، ص ٣٣ ط دار المدني بجدة]

و من جهة أخرى نرى عند ابن تيمية هذه الوسطية في موقفه من "خرق العادات" يقول في رسالته "شرح كلمات من فتوح الغيب " وإنما الكمال في الولاية أن يستعمل خرق العادات في إقامة الأمر والنهي الشرعيين مع حصولهما بفعل المأمور وترك المحظور، فإذا حصلت بغير الأسباب الشرعية فهي مذمومة، وإن حصلت بالأسباب الشرعية، لكن استُعملت ليتوصل بها إلى محرَّم كانت مذمومة وإن تُوُصل بها إلى مباح لا يُستعان بها على طاعةٍ كانت للابرار دون المقربين وأما إن حصلت بالسبب الشرعي واستعين بها على الأمر الشرعي فهذه خوارق المقربين السابقين [جامع الرسائل المجموعة الثانية ط دار المدني ص ١٢٦]

وأما مثال الموقف المنصف فنجده عند كبار السلفية تجاه بعض متصوفيهم من الحنابلة كشيخ الإسلام أبى إسماعيل الأنصاري الهروي (ت ٤٨١هـ ١٠٨٩م) صاحب كتاب "منازل السائرين" الذي شرحه ابن القيم في "مدارج السالكين" وهو من أئمة الحنابلة ومن أقوي المدافعين عن عقيدتهم، وهو صاحب البيت المشهور

"أنا حنبليٌّ ما حَييتُ وإن أمُتْ ـ ـ ـ فوصيَّتي للناس أن يتحنبلوا"

يقول الإمام ابن تيمية عنه في كتاب " الأجوبة المصرية ": "شيخ الإسلام مشهورٌ مُعظَّمٌ عند الناس، هو إمامٌ في الحديث والتصوف والتفسير، وهو في الفقه على مذهب أهل الحديث، ".[ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب نسخةالمكتبة الشاملة] فقد كان الشيخ الهروي إماما في التصوف، كما قرر ابن تيمية. يقول الرهاوي: وقد رأيت كرسي شيخ الإسلام قليل المراقي في زاوية من جامع هراة، والناس يتبركون به [ذيل طبقات الحنابلة]


وفي كتاب منازل السائرين في التصوف ورد كثير مما ينكره السلفية من مصطلحات أهل التصوف كالمشاهدة والمكاشفة والفناء ونحوها، ولكنهم لم يقوموا بالتشهير به ولم نسمع أحدا منهم يقول: "ها هي طامات شيخنا أو شطحاته! بل أنصفوه حينا بإظهار التأسف من كلامه، كما قال الذهبي "كان أبو إسماعيل آية في التفسير، رأساً في التذكير، عالماً بالحديث وطرقه، بصيراً باللغة، صاحب أحوال ومقامات في التصوف، فياليته ما ألف كتاب المنازل "! وحينا آخر بتوجيه كلامه توجيها مقبولا عندهم كما فعل ابن القيم في المدارج؛ فقد حاول قدرَ جهده تفسيرَ كلام شيخه تفسيرا حسنا مقبولا، ناسجا علي منوال ابن تيمية مع الشيخ عبد القادر الجيلاني في شرح كلمات من فتوح الغيب. يقول صاحب المدارج بعد شرح كلام الشيخ الهراوي حول المكاشفة والمشاهدة: "هذا يدلك على أن مراد الشيخ ومن وافقه من أهل الاستقامة بالمكاشفة والمشاهدة قوة اليقين ومزيد العلم وارتفاع الحجب المانعة من ذلك، لا نفس معاينة الحقيقة" [ المدارج، ط مؤسسة المختار، ٢٠٠١ ج ٢ ص ٣٩٩]
وبعد شرح مطول لنص الشيخ الهروي "الدرجة الثالثة: الفناء عن شهود الفناء وهو الفناء حقا شائما برق العين راكبا بحر الجمع سالكا سبيل البقاء" يقول : والمقصود أن هذا العبدَ لا يزال اللهُ يُرقِّيه طَبقا بعد طَبق ومنزلا بعد منزل إلي أن يُوصله إليه ويمكِّن له بين يديه أو يموت في الطريق فيقع أجرُه على الله [المدارج، ص ٥١١] وسبق أن قال: " إن الفناء الذي يترجم عليه هو غايةُ التعلق ونهايتُه فإنه انقطاعُه عما سوى الرب تعالى من كل وجه" [المدارج، ص ٥٠٢]

هكذا نرى مدى حرص ابن القيم علي إنصاف الشيخ وتأويل كلامه حتى لا ُيدرج في زمرة من يسميهم بـ"أهل الاتحاد"، ولكي يبعد عنه أي تهمة، ما دام لكلامه محملٌ مقبولٌ. وهذا إنصاف لشيخ جليل ضحَّى وأوذي من أجل الدفاع عن عقيدته فاستحق أن لا ينسف بكل تعاليمه بسبب عبارات يمكن تأويلها وتوجيهها. وهذا الموقف يتعارض كليا مع ما نلاحظه من استنفاد البعض قواهم في البحث والتنقيب في كتب العلماء والمشائخ عن عبارات وحكايات يمكن أن يتحسس منها روائحَ تساعده على الإدانة وتلفيق الاتهامات.

وقد أتيت، في النهاية، بهذين المثالين للاعتدال في الموقف والإنصاف في الحكم لأضعهما أمام أعين طلبة العلم لعلهم يستفيدون منهما في مناقشاتهم، ولا أشك في أن من بينهم مقتنعين بهذا الاتجاه الوسط، ولكن سؤالي الذي لا أجد له جوابا هو : لما ذا لم يكن لهؤلاء صوت مسموع في النقاش الدائر؟!

هناك تعليقان (2):

  1. طبعا ليس لهؤلاء صوت مسموع في النقاش الدائر.
    وهذا مانشاهده في بعضهم وهم يحاولون مناقشة مسألة, التكبّر, نية ظاهرة للتغلب على من تناقشه, لذالك لم يبلغوا إلى القمة التي يطلبونها في إظهار الحق فمعظمهم يناقشون من أجل شخصيتهم لا لتكون كلمة الحق هي العليا, حتى لو بان لبعضهم أنهم أخطأوا لن يعترفوا بل يواصلون على الدفاع لشخصياتهم حتى يختلطو النابل بالوابل, وهذا بعيد كلّ البعد على(كل ابن آدم خطّاء)وأخيرا يكونون خارج الموضوع المطروح أو المسألة التي تطلب الآراء إلى افتراءات أحيانا وإلى التسابب أحيانا أخرى .
    رحم الله طلبة العلم العصرييين, وجزاك الله خيرا حضرة المفتّش

    ردحذف

التعليم العربي في المدارس الفرنسية : قضية على طاولة النقاش !

منذ عدة سنوات، كنتُ أفكر في قضية التعليم العربي في المدرسة الفرنسية العمومية، بعد أن زاولتُه لمدة خمس سنوات كمعلم للغة العربية في المرحل...